TT

هيئة مكافحة الإشاعات

هناك من يطلق إشاعة استقالته ليعرف مقدار «معزته» لدى الإدارة أو مَن حوله، وهناك حكومات تشيع خبرا يمس مصير السواد الأعظم من الشعب في مسعى لجس نبضهم قبل إقدامها على قرار تاريخي تخشى عواقبه. وهناك «طابور خامس» من المندسين الذين يبثون إشاعاتهم لزعزعة الجبهة الداخلية وتفتيت اللحمة الوطنية وترويع الآمنين أو التشكيك بثوابتهم الوطنية الراسخة في المجتمعات العربية، هؤلاء هم الخطر بعينه.
يروى أن «الطابور الخامس» مصطلح أطلقه جنرال إبان الحرب الأهلية الإسبانية، في حقبة الثلاثينات، حينما قال إن هناك طابورا خامسا يعمل ضد الحكومة، غير الطوابير الأربعة الموالية، فصارت مثلا يضرب في أدبيات العلوم السياسية والإعلام.
الشاب السعودي ريان عادل دفعته خشيته من تنامي سيل الافتراءات والأكاذيب والإشاعات للطابور الخامس في وسائل التواصل الاجتماعي التي لا تجد من يتصدى لها، فأسس حسابا تطوعيا في «تويتر» سماه «هيئة مكافحة الإشاعات» يتقصى من خلاله صحة الإشاعة ثم ينشر «الحقيقة» و«الإشاعة»، عبر اتباع تقنية فنية للتأكد من صحة الصورة أو الفيديو. وقد نفى قبل أيام الفيديو الذي أشيع عن مجموعة فرنسية تجوب شوارع فرنسا في أعقاب حوادث تفجيرات باريس الإرهابية، لتضرب العرب ضربا مبرحا، ثم تبين أنها أحداث شغب رياضية قديمة!
لا شك أن فعل التصدي للإشاعة يقلل أو يحد من تداعياتها الخطيرة، ولذا يرى عادل أن الإشاعة الشهيرة في امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، في عهد صدام، التي كانت مبررا لشن الحرب عليه عام 2003 ثبت أنها غير صحيحة، حسبما أشار في موقع الصحافيين الدوليين، الأمر الذي خلف أضرارا بشرية ومادية هائلة. وبالفعل لو وصلت إشاعات بهذا الحجم إلى طريق مسدود كيف سيكون حالنا؟
كلما كبر حجم الإشاعة زاد معه عدد المشاركين في خطيئة نشرها. ونحن نصبح وقود الإشاعات حينما نلهث وراء أسبقية نشرها. في السابق كان الصحافيون وحدهم يتنافسون في ميدان السبق الصحافي، أما في عصر التواصل الإلكتروني فصار لدى ملايين الأفراد رغبة جامحة في تحقيق سبق نشر إشاعة، على حساب مصداقيتهم وقيمهم ووطنهم.
وكم من إشاعة اندفع خلفها حشد من الناس، وأججت الرأي العام، ثم تبين أنها من وحي الخيال أو الخباثة. وما أكثر الإشاعات التي ترتبت عليها قرارات إدارية متسرعة وصارمة قطعت أرزاق الناس، وشتت شملهم، والسبب أن ناشريها شاركوا في خطيئة إذاعتها جريا وراء الشهرة والأسبقية.