طارق الشناوي
ناقد سينمائي، وكاتب صحافي، وأستاذ مادة النقد بكلية الإعلام في جامعة القاهرة. أصدر نحو 30 كتاباً في السينما والغناء، ورأس وشارك في لجان تحكيم العديد من المهرجانات السينمائية الدولية. حصل على العديد من التكريمات، وقدم أكثر من برنامج في الفضائيات.
TT

عبد الناصر و«شنبو في المصيدة»

كثيرا ما يُطل الزعماء في عالمنا العربي على حال الفن، ولديهم وجهة نظر فيما ينبغي تقديمه. كانت مفاجأة بالنسبة لي أن أكتشف وأنا أعيد قراءة مذكرات النجم الكوميدي فؤاد المهندس، أن الرئيس جمال عبد الناصر بعد هزيمة 5 يونيو (حزيران) 67 التي أطلقنا عليها على سبيل تخفيف الوطأة نكسة، الحقيقة أنها لم تكن فقط هزيمة عسكرية تحتل فيها إسرائيل جزءا عزيزا من بلدنا يمتد من حدود سيناء حتى شرق قناة السويس، ولكن كان المقصود هو كسر الإرادة المصرية والعربية، لم يكن الرهان فقط على حماية الجبهة الداخلية وإيقاف سطوة سيطرة سلاح الجو الإسرائيلي على السماء المصرية، بل كان المطلوب أولا أن يتوازن المصريون أمام هول تلك الصدمة. اكتشف عبد الناصر أن من بين الأسلحة، الضحك والسخرية لأنهما الطريق السحري والمضمون للوصول إلى شاطئ الأمان، هل أذكركم بـ«شنبو في المصيدة» الذي كان واحدا من أهم المسلسلات الإذاعية بعد الهزيمة، ثم أصبح واحدا من أشهر الأفلام الكوميدية في تاريخنا.
فؤاد المهندس قال في مذكراته، إن هذا المسلسل تم بناء على اقتراح من الرئيس جمال عبد الناصر. المؤكد حتى لا يذهب خيال البعض إلى أبعد مما هو مطلوب، أن جمال لم يمارس الكتابة إلا فقط في نصف رواية وهي «في سبيل الحرية»، كتبها وهو طالب في المدرسة الثانوية، متأثرا بـ«عودة الروح» لتوفيق الحكيم، ولكن في ظل القبضة الحديدية التي كانت تملكها السلطة على كل مفردات الحياة، فإن الزعيم طلب من الإعلام ألا يظل متجهما وحزينا، وأن يبعث البهجة في نفوس الجمهور، فقرروا اختيار توقيت الذروة وهو شهر رمضان، وتم تكليف الساخر الكبير «أحمد رجب» باختيار الفكرة وتحمس للتنفيذ نجم الكوميديا الأول في هذا الزمن فؤاد المهندس مع توأمه الفني شويكار.
المستمعون الكبار ربما يتذكرون «التتر» الموسيقي الذي هو بمثابة رؤية عبثية أحالت أغنية وطنية يقول مطلعها «بلدي يا بلدي بلد الأحرار يا بلدي» لتصبح «شنبو يا شنبو والله ووقعت يا شنبو».
الشعوب القوية هي التي تملك القدرة على السخرية حتى في عز الهزيمة، وهذا دليل ملموس على أن المجتمع يتمتع بفيض من المرونة النفسية.
هل فقدنا في السنوات الأخيرة جزءا لا يستهان به من تلك الروح؟ أقول لكم مع الأسف هذا هو ما نراه على أرض الواقع.
نجوم الكوميديا يلعبون دائما أدوارا لصالح السلطة ولا يعني ذلك أنهم يقفون على الجانب الآخر من الشعب، بين الحين والآخر يحدث نوع من التلاقي بين ما تريده السلطة وما يرنو إليه الشعب، وتجد ذلك واضحا في تلك السلسلة من الأفلام التي لعب بطولتها عادل إمام وكتبها وحيد حامد وأخرجها شريف عرفة، مثل «اللعب مع الكبار»، و«الإرهاب والكباب»، و«طيور الظلام»، وغيرها حيث كان الغرض الجماهيري والرسمي في التسعينات هو مواجهة التطرف الذي يتدثر عنوة بالدين.
لو عدت مثلا لمطلع ثورة يوليو 52 سوف تكتشف أن الجمهورية الوليدة توجهت إلى إسماعيل يس للمساهمة في تحقيق واحد من أهم المبادئ الستة للثورة الوليدة، وهو إقامة جيش وطني قوي، فقدم «سُمعة» منذ منتصف الخمسينات أفلاما كوميدية بدأت بـ«إسماعيل يس في الجيش» وتتابعت باقي أسلحة الجيش مثل «الطيران»، و«الأسطول»، و«الشرطة العسكرية».
كثيرا ما ننسى في زحام الحياة أن الضحك في أحيان كثيرة يُصبح من أمضى الأسلحة لتحقيق التوازن النفسي للشعوب ولو كره المتزمتون.