علي العميم
صحافي ومثقف سعودي بدأ عمله الصحافي في مجلة «اليمامة» السعودية، كتب في جريدة «الرياض» وكتب في جريدة «عكاظ» السعوديتين، ثم عمل محرراً ثقافياً في جريدة «الشرق الأوسط»، ومحرراً صحافياً في مجلة «المجلة» وكتب زاوية أسبوعية فيها. له عدة مؤلفات منها «العلمانية والممانعة الاسلامية: محاورات في النهضة والحداثة»، و«شيء من النقد، شيء من التاريخ: آراء في الحداثة والصحوة في الليبرالية واليسار»، و«عبد الله النفيسي: الرجل، الفكرة التقلبات: سيرة غير تبجيلية». له دراسة عنوانها «المستشرق ورجل المخابرات البريطاني ج. هيوارث – دن: صلة مريبة بالإخوان المسلمين وحسن البنا وسيد قطب»، نشرها مقدمة لترجمة كتاب «الاتجاهات الدينية والسياسية في مصر الحديثة» لجيميس هيوارث – دن مع التعليق عليه.
TT

السلفية بين تفكيكي مغربي وماركسي سوري

استمع إلى المقالة

كتاب «ISLAM – THE STRAIGHT PATH» الذي وضع خطته وأشرف على تنسيقه وتحريره كنيث و. مورغان، والذي صدر عام 1958، وترجمه إلى العربية محمود عبد الله يعقوب تحت عنوان «الإسلام: الصراط المستقيم»، وصدر في جزأين عام 1963، كان يسمي المتشددين في الدين الإسلامي أرثوذكساً، وقد اختار محمود عبد الله يعقوب كلمة «الحنابلة» ترجمة لكلمة «أرثوذكس»، وهو في هذا متبِع وليس بمبتدع، لأن الحنبلية تستعمل على هذا النحو في بعض الكتابات الاستشراقية، لكن هذا الاستعمال في اللغة العربية (بحدود ما قرأت) لم يتجاوز حدود ترجمة محمود عبد الله يعقوب لهذا الكتاب.

وقبل أن أنتقل إلى كتاب مفكر ماركسي آخر صدر في عام 1976، أقف قليلاً عند كتاب ناقد العروي، عبد الكريم الخطيبي، «النقد المزدوج» الذي ترجمه إلى العربية، عام 1980، أدونيس وعبد السلام بن عبد العالي ومحمد برادة.

يرى عبد الكبير الخطيبي أن أشكال الخطابات السائدة في العالم العربي هي 3 خطابات: التراثية والسلفية والعقلانية.

إجابة عن سؤال طرحه، وهو: ما الداعي إلى هذا النقد الجذري؟ يقول: «ذلك أن التراثية (إصلاحية كانت أم مطلقة) تسعى إلى بلورة الوجود العربي في سؤال ديني لاهوتي في أساسه. أما السلفية فهي محاولة وهمية للتوفيق بين الدين والعلم بحسب مشروع تاريخي يرمي إلى تحقيق إصلاحات أصبحت متجاوزة. وأخيراً فإن العقلانية التي تعلي من شأن العلم، تنسى بفعل ذلك، المسألة الأساسية للاشعور».

في تعريفه للتراثية، قال: «نسمي الميتافيزيقا التي تحولت إلى لاهوت تراثوية، ويشير اللاهوت هنا إلى فكر الواحد الأحد، والموجود كوجود أول، كعلة أولى».

وفي تعريفه للسلفية، قال: «نسمي الميتافيزيقا التي تحولت إلى مذهب، سلفية. ويشير المذهب هنا إلى أخلاق سلوك سياسي، إلى تربية اجتماعية».

وفي تعريفه للعقلانية، قال: «العقلانية (السياسية، الثقافوية، التاريخية، الاجتماعية) نسمي الميتافيزيقا التي تحولت إلى تقنية، عقلانية، وتشير العقلانية هنا إلى تنظيم العالم بإرادة قوية جديدة تقوم على الوضعية العلمية».

ولأن ما يهمنا في هذه التعابير الثلاثة تعبير «السلفية»، أضيف إلى أنه قال عنها، أيضاً: «فالدعوة السلفية لتفسير الأصالة تكشف عن عقيدة إصلاحية تدعو للارتياب. هذا الهدف العقائدي يقوم على تحويل العرب إلى شعب من اللاهوتيين السياسيين».

«تريد العقيدة السلفية أن تؤالف التقنية مع اللاهوت، معتقدة أنها تحقق بهذه المؤالفة المصطنعة اقتصاداً مزدوجاً».

يجدر بي أن أنبه إلى أن هذه الاقتباسات مأخوذة من النص الأول في كتابه «النقد المزدوج»، الذي يحمل عنوان «المغرب: أفقاً للفكر». وهذا النص كان قد نشره أدونيس مترجماً إلى العربية في مجلته مجلة «مواقف» في عددها الصادر في 1 يناير (كانون الثاني) 1978.

ينطبق كلامه الأول عن السلفية على أصحاب التفسير العلمي للقرآن. وهذا الاتجاه اتجاه قديم في الفكر الإسلامي الحديث ومستمر إلى يومنا هذا. كما أن هذا الاتجاه من مذاهب المفسرين في العصر الإسلامي الوسيط. وله منكروه في العصر الوسيط ومنكروه في العصر الحديث.

وقضية التوفيق بين الدين والعلم هي قضية لا تصلح لأن نحدد من خلالها ملامح تيار بالمعنى السياسي والاجتماعي والاقتصادي والفكري الحصري، وإن كان القائلون بهذه القضية من أهل الدين، سواء أكانت تخصصاتهم الأساسية في علم من العلوم الدينية أو في علم من علوم اللغة العربية أو في علم من العلوم الحديثة البحتة.

العقبة المنهجية الكأداء التي تجعل كلامه الثاني عن السلفية غير سائغ، أن السلفية، في اللحظة الزمنية الأولى التي ظهرت في الإسلام، فرق متباينة في الاعتقادات لم تكن موجودة على نحو ناجز. فهل يقصد بالسلفية، المذهب السني؟!

ينطبق كلامه الثالث عن الدعوة السلفية على الإسلام الحركي منذ نشأته الأولى عند مسلمي الهند في القرن الماضي، ومنذ أن غشي العالم العربي، مصر والشام، من أربعينات ذلك القرن؛ فهذا الصنف من الإسلام المحدث قصد أن يحول العرب وغير العرب من المسلمين إلى لاهوتيين في السياسة وغير السياسة.

كلامه الرابع عن العقيدة السلفية هو نفس كلامه الأول عن السلفية. والفارق بين الكلامين أنه في الكلام الأول استعمل تعبير «التوفيق بين الدين والعلم»، وفي الكلام الرابع استعمل تعبير «مؤالفة التقنية مع اللاهوت»، وأنه (لسبب غير معلوم) فصل العلوم عن التكنولوجيا، مع أنهما متلازمان ومتكاملان ومتداخلان.

يقول محمد بن عبد الرحمن القويز، أستاذ علم الرياضيات المتقاعد من جامعة الملك سعود في ملحق من ملحقات سيرته الذاتية، «البحث في زمن مضى: لمحة من سيرة أبي ومسيرتي في التعليم»، في تعريف العلوم والتكنولوجيا: «العلوم الأساسية هي العلوم الرياضية (الرياضيات البحتة والتطبيقية والحاسبة)، والعلوم الفيزيائية (الفيزياء والكيمياء)، وعلوم الحياة (الحيوان والنبات)، وهي معنية بوضع القواعد المنطقية ورصد الظواهر الطبيعية لصياغة القوانين التي تحكم تطور الكون والحياة».

أما التكنولوجيا، فمهمتها تطويع هذه العلوم لخدمة الإنسان، وتشمل الهندسة بفروعها وتكنولوجيا الحاسب الآلي، كما تشمل، حسب تعريفنا، الطب والزراعة باعتبارهما تطبيقين لعلوم الحياة.

تحدث طيب تيزيني في كتابه «من التراث إلى الثورة: حول نظرية مقترحة في التراث العربي» عن السلفية والنزعة السلفية على نحو واسع؛ ذلك لأنه في تقسيمه لوجهات النظر في التاريخ والتراث العربي الفكري في الوطن العربي إلى النزعة السلفية، وإلى نزعة المعاصرة، وإلى النزعة التلفيقية، وإلى نزعة المركزية الأوروبية، وإلى النزعة التحييدية، تحدث أيضاً عن النزعة السلفية حين حديثه عن نزعة المعاصرة وعن النزعة التلفيقية وعن نزعة المركزية الأوروبية.

بطبيعة الحال، فإن المركزية الأوروبية ذات مصدر خارجي، وقد برر إدراجها ضمن النزعات السابقة في الفصل المخصص لمناقشتها؛ بأن «مجموعة من الكتاب والمؤرخين والباحثين العرب في التاريخ والتراث العربي قد خضعوا بدرجات وأشكال مختلفة للطروح التي قدمها ممثلو النزعة الأوروبية المركزية تلك حول التاريخ والتراث. وظهر هذا الأمر خصوصاً لدى ممثلي (نزعة المعاصرة) في منحاها التراثي العدمي، وإن كان بدرجات مختلفة بالنسبة إلى هذا وذاك من أولئك الممثلين».

كل وجهات النظر هذه، التي هي (بحسب تقسيمه) 5 نزعات، يصفها باللاتاريخية واللاتراثية، لذا فهو بعد مناقشة طويلة، ونقد كثير وجهه لها، قدم نظريته المقترحة في قضية التراث العربي.

للسلفية عنده وجهان: إيجابي وسلبي.

الإيجابي في تفسيره لظهورها بأنها واحد من الردود الفكرية الآيديولوجية على الحركة الشعوبية المناوئة للعرب بشكل عام، واعتباره لها بأنها من أشكال الرد على الانهيار الحضاري العربي الإسلامي.

والسلبي ظهورها (كما رأى) بوصفها دعوة آيديولوجية رجعية للانكفاء على الأصول الدينية الأولى في صيغتها النصية المعتقدية، وإلى رفض وإدانة الاجتهاد والتأويل العقلاني لها. وللحديث بقية.