د. آمال مدللي
مستشارة في الشؤون الدولية - واشنطن
TT

لا أمل للفقراء

إذا كان من عنوان يصف الرسالة التي يخرج بها متابع اجتماعات الربيع هذا الأسبوع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي هذا أفضل وصف.
هذه الصورة غير المشرقة، خصوصاً للدول الفقيرة والنامية، هي حصيلة إجماع قادة المؤسسات المالية العالمية والخبراء الماليين من حول العالم. الاجتماعات هذه السنة تأتي في وقت عصيب لاقتصاد عالمي مشكوك في صحته، ويعاني من مشكلة تضخم كبيرة، وارتفاع في الفائدة لم تره الأسواق منذ زمن، وأزمة ديون خانقة تعاني منها الدول الفقيرة والنامية، ونمو منخفض، وأزمة تغير مناخ تزيد الدول الفقيرة فقراً، وبوادر ركود اقتصادي أميركي يؤثر إذا حدث على النظام المالي العالمي بأسره، وتفكك في الروابط التي كانت تربط العالم ببعضه وتراجع العولمة. وفوق كل هذا هناك التوتر الجيوسياسي بين الصين والولايات المتحدة، وحرب أوكرانيا التي تهدد الأمن العالمي وخصوصاً الغذاء للملايين حول العالم. وسط هذه العاصفة من الأزمات أتى قادة العالم في قطاع الاقتصاد والمال إلى واشنطن يبحثون عن ربيع مفقود. صندوق النقد نقل الصورة «غير المشرقة» متوقعاً ألا يتعدى النمو العالمي الـ3 في المائة في السنوات الخمس المقبلة ومخفضاً توقع النمو إلى 2.8 في المائة. وحذر أحد كبار المسؤولين في الصندوق من أزمة حادة في النظام المالي العالمي. المديرة التنفيذية لصندوق النقد كريستينا جورجيفا، قالت: «هذا يعني لا أمل أن نلبي طموحات الفقراء حول العالم».
وظهرت خلال الاجتماع خلافات وتنافر في المواقف حول الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع للاقتصاد العالمي، وما إذا كانت المؤسسات المالية العالمية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية ما زالت مناسبة لحل مشاكل النظام الاقتصادي المعاصر، وما إذا كان هناك التزام كافٍ من الدول الغنية لمساعدة الدول الفقيرة. الخلاف الثاني كان حول أزمة الديون وكيفية حلها. هذا كله يجري بينما هذه المؤسسات الدولية جميعها تعمل وسط صراع أميركي - صيني يؤثر على فعاليتها.
فبينما أعطت وزيرة الخزانة الأميركية صورة متفائلة للاقتصاد الأميركي وقالت إنها لا تتوقع تراجعاً في الاقتصاد، كانت هناك وجهات نظر مغايرة. فقد وجد استفتاء لـ«بلومبرغ» للاقتصاديين أن 65 في المائة منهم يتوقعون إمكانية الركود الاقتصادي في الولايات المتحدة. وزير الخزانة الأميركي السابق لاري سامرز وضع إمكانية الركود بنسبة 70 في المائة. ويتوقع الخبراء الماليون أن ترفع الولايات المتحدة الفائدة في مايو (أيار) المقبل، مما يعني أن «حنفية الإدانة ستقفل»، كما قال اقتصادي في وكالة مودي.
وكان هناك اختلاف في الآراء حول تأثير خطوة الاحتياطي المركزي برفع الفائدة على الوضع الذي يواجهه النظام المالي اليوم. الخبير الاقتصادي محمد العريان، قال في مقابلة مع رئيس البنك الدولي ديفيد مالباس، إن أميركا هي «قلب النظام المالي العالمي، وإن الاحتياطي المركزي الأميركي جعل هذا القلب غير مستقر بموقفه وخطواته للجم التضخم، لأنه خلال 2021 اعتبر التضخم عابراً ولم يفعل شيئاً للجمه. والعالم اقتنع بأنه عابر. وحتى عندما اقتنع الاحتياطي بأن التضخم غير عابر لم يفعل شيئاً. ثم فجأة رفع سعر الفائدة بسرعة وبنسبة عالية»، وهذا أدى إلى ما شبهه باصطدام سيارة كانت تسير بسرعة عالية وسط الضباب وتوقفت فجأة. وقال إنه إذا «لم تقد الولايات المتحدة قلب النظام المالي بمسؤولية فإن الأطراف تصبح غير مستقرة».
صندوق النقد الدولي أيضاً في تقريره حول الاستقرار المالي العالمي ربط بين خطوة المركزي الأميركي وانهيار بنك سيليكون فالي وبنك سيغنتشر. شرح مسؤول في الصندوق أن رفع سعر الفائدة كشف نقاط الضعف. ولكن رئيس البنك المركزي في نيويورك نفى أن تكون هناك علاقة بين رفع سعر الفائدة والذي حدث.
مشكلة الديون أخذت حيزاً هاماً من النقاشات، لتأثيرها على فرص التنمية، وازدياد الفقر والجوع في العالم النامي وعلى الاقتصاد العالمي ككل. نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد قالت إن «52 بلداً نامياً، حيث يعيش نصف سكان العالم الفقراء جداً، يعانون من مشاكل دين حادة. 25 من هذه الدول تدفع 20 في المائة من دخلها العام على خدمة الدين فقط».
الواقع أن التوتر الأميركي الصيني وحرب أوكرانيا التي تستنزف المجتمع الدولي وتؤثر على فعالية المؤسسات الدولية، يعرقلان التوصل إلى حل. لقد كان هناك تذمر من الكيل بمكيالين خصوصاً من قبل الدول النامية التي ترى أنه لا تتم الاستجابة إلى احتياجاتها بينما تتدفق المساعدات على أوكرانيا بمليارات الدولارات وبسرعة لم يعهدها العالم النامي عند التعامل مع أزماته.
وكانت أطلقت مبادرات لحل مشكلة ديون الدول الفقيرة أهمها مبادرة المملكة السعودية عندما ترأست قمة العشرين في 2020 وأطلقت «الإطار المشترك» لمساعدة الدول الفقيرة ودول الجنوب على الحصول على تمويل لمعالجة أزمة ديونها، إضافة إلى دعم قدرة المؤسسات الدولية لمساعدة الدول الفقيرة.
ولكن الصين، التي أصبحت أكبر دائن للدول النامية، هي خارج نادي باريس، وترفض محو الديون. ويتهم الغرب الصين بأنها تخلق نظام تمويل للتنمية موازياً للنظام الحالي ولكنهم يقولون إن أسلوبها في الإدانة غير شفاف، ويكبل الدول النامية بالديون. الصين ترى أن الغرب يريدها دفع كل تكلفة الدين، بينما الغرب لا يريد إعادة هيكلة الديون لكي لا تذهب الأموال للصين.
لذلك وللخروج من عنق زجاجة الدين عقدت طاولة مستديرة حضرتها لأول مرة الصين وجميع الأطراف من الدائنين في القطاعين العام والخاص والمدينين لمحاولة إيجاد حل. كانت هناك تقارير عن بارقة أمل بالتوصل إلى حل عبر خلق آلية تحاور والاتفاق على حل مع قول البعض إن الصين قدمت تنازلات ولكن لا توجد تفاصيل بعد عن مضمون التقدم.
كان واضحاً التباعد بين الصين والولايات المتحدة وحلفائهما خلال الاجتماعات. لكن النظام المالي العالمي المأزوم ومشاكل العالم لا يمكن لطرف وحده حلها. إن وحدة المجتمع الدولي هي الطريق الوحيدة للحل لأن المواجهة يدفع ثمنها الفقراء فقط.