عندما اندلع حريق خلال الأسبوع الماضي في مركز احتجاز مكسيكي للمهاجرين وطالبي اللجوء في سيوداد خواريز على الحدود مع مقاطعة إل باسو، بدا الأمر كحظ عثر سيئ كونياً، ومأساة مزدوجة، حيث اضطر الناس بسبب الاضطراب السياسي، أو عنف الجرائم، أو التغير المناخي، أو الحرمان الاقتصادي إلى الهروب من منازلهم، وواجهوا نيراناً مهلكة وهم يحاولون طلب اللجوء. تُوفي 39 شخصاً على الأقل، وانتبه العالم إلى الأمر. وأمرت السلطات المكسيكية بفتح تحقيق جنائي في الواقعة.
مع ذلك هل كان الأمر عشوائياً إلى هذه الدرجة، أم أن تلك المأساة المزدوجة نذير بما سوف يحدث في عالم يؤدي فيه صراع يبدو غير قابل للحل والتسوية، والتغير المناخي، إلى كوارث حول العالم؟ عندما شاهدت التقارير الإخبارية، سرعان ما توجه عقلي إلى رحلتي التي قمت بها مؤخراً إلى جنوب تركيا لأنقل تطورات الأوضاع بعد وقوع الزلزال المدمر في فبراير (شباط) الماضي. هناك أكثر من 3.5 مليون سوري في تركيا فرّوا من الحرب الأهلية السورية، وقد قابلت عشرات منهم حين ذهبت إلى تلك البلاد. عندما ضرب الزلزال المنطقة باتوا هم أيضاً في مواجهة حظ سيئ ومأساة مزدوجة.
لقد كان الزلزال حدثاً إلهياً قدرياً، لكن وضعهم وما هم فيه من فعل البشر، حيث لا يستطيع أولئك السوريون العودة إلى وطنهم في الظروف الراهنة، لكنهم لا يستطيعون الذهاب إلى أي مكان آخر أيضاً لأن الحكومة التركية أغلقت حدودها البحرية مقابل 6 مليارات يورو من الاتحاد الأوروبي لمنع أي شخص من الاتجاه إلى أوروبا.
كان الناس، الذين توفوا في مركز الاحتجاز المكسيكي، محبوسين على نحو مماثل. في مواجهة توافد غير مسبوق من جنوب ووسط أميركا، ضغطت الولايات المتحدة على المكسيك لإيواء طالبي اللجوء في إطار السياسة التي طبّقها ترمب خلال فترة انتشار الوباء، التي ربما يحل محلها قريباً إعادة تطبيق ممارسة احتجاز الأسر التي تحاول عبور الحدود دون تصريح.
إن هذا هو النظام المريب أخلاقياً، الذي صنعه العالم الغني، لإدارة أوضاع عشرات الملايين من الناس في العالم الفقير ممن هربوا من منازلهم وأوطانهم، إنهم يقولون لهم ابقوا في أماكنكم، ونحن سندفع. ومع تزايد أعداد الأشخاص، الذين يسعون وراء الهروب من كوارث طبيعية أو صراع أو الاثنين معاً، أوضحت الدول الغنية أنها سوف تفعل كل شيء من أجل ضمان بقاء هؤلاء النازحين في أبعد نقطة ممكنة عن بلدانهم، وجعلهم عالقين في مطهر موجع معذّب فيما يسمى «دول العالم الثالث».
ألم تعد الالتزامات العالمية الكبرى، التي تعهد بها العالم لحماية الضعفاء العزّل في أعقاب الحرب العالمية الثانية تعني أي شيء؟ لقد بات العالم الغني متسامحاً بدرجة صادمة مع القسوة حتى يبعد اليائسين. لقد سافرت إلى مناطق في تركيا مع أحمد كنجو، وفي بداية الحرب، كان أحمد مذيعاً بمحطة إخبارية ناطقة بالعربية في سوريا، وتحديداً في حلب، لكن منذ هروبه مع أسرته إلى تركيا، يواجه صعوبة ومعاناة في كسب الرزق من عمله في المجال، وقد استعنت به للعمل معي مترجماً.
لقد دمّر الزلزال المبنى السكني الذي كان يقيم فيه مع زوجته وأبنائه الأربعة، وقد أرسل أسرته للإقامة مع شقيقه في منطقة أخرى للحفاظ على سلامتهم من توابع الزلزال، لكنه عاد إلى غازي عنتاب في تركيا من أجل العمل. وكان مع صديقه عبد القادر، وهو شاب أخبرني أنه كان قد فرّ من حلب بعد تعرّضه للضرب والإهانات والملاحقة من جانب أجهزة الاستخبارات.
قال أحمد: «إن العالم يعتقد أن السوريين المقيمين في تركيا في وضع جيد. لقد فتحوا ملجأ، لكنه في الحقيقة سجن». تجمعني بأحمد أمور تتجاوز مجال العمل، فجذوري تمتد في إثيوبيا، وهي بلد مثل سوريا يشتهر بإفراز اللاجئين. هربت أمي مع بداية حكم نظام ديكتاتوري عسكري ماركسي وحشي، وتزوجت رجلاً أميركياً، ومنحوني جواز السفر الأزرق الذي أتاح لي التحرك بحرية في العالم، والحصول على الوظيفة التي أتت بي إلى تركيا، وعيش حياة من الحرية. ما هو الشيء الذي يصنع فارقاً واختلافاً بين قصة حياتي وبين قصة حياة أحمد سوى الحظ الجغرافي؟ وربما يكون هذا هو الفارق بين حيواتنا جميعاً.
قطع صوت أجش لحظة صمت في المحادثة، متسائلاً: «هل لديك أي أسئلة لي؟»، وكان لإحدى النساء المسنات البالغة من العمر 90 عاماً، التي كانت تجلس في هدوء، وتنصت إلى محادثتنا وهي تستريح على أريكة يمكن تحويلها إلى سرير. لقد سألتها عن شكل الحياة في تركيا، فأجابتني قائلة: «لقد كنا نشعر بالأمان هنا لعدم قصف جوي، وعدم وجود حرب». مع ذلك كان من الواضح أن غياب الخوف لم يكن كافياً لصنع حياة. سألتها عن أكثر ما تفتقده، قالت إنه زيت الزيتون الذي كانت تعصره وتصنعه بنفسها من الأشجار الموجودة في حديقة منزلها. وأضافت قائلة: «لقد تركنا ذكرياتنا في سوريا».
هذا الحنين إلى البيت والوطن هو أمر لم يخطر ببال من يهاجمون وينتقدون المهاجرين على ما يبدو. أفكر في أمي، التي أصبحت مواطنة أميركية منذ عقود، وتخبرني بين الفينة والأخرى عن رغبتها في بناء منزل في قريتها في إثيوبيا. في كل بلد فقير زرته هناك منازل غير مكتملة البناء لأشخاص هاجروا، إنها مثل مستودعات تجسد وتحفظ حلم العودة. قليل هم مَن اختاروا مغادرة أوطانهم، فالأمر يصبح مفروضاً عليهم.
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وضع العالم نظاماً لحماية الناس الذين اضطرتهم ظروف الحرب والاضطهاد إلى الهروب. اللاجئ هو توصيف قانوني لشخص يهرب عبر حدود دولية بسبب اضطهاد أو صراع، وهو أمر يختلف عن الفئة الأكثر شمولاً للمهاجرين، وهم الأشخاص الذين ينتقلون من بلد إلى آخر لأسباب أخرى، كأسباب اقتصادية أو مادية تتعلق بالبقاء على سبيل المثال. لطالما كانت تلك الفئات أكثر اتساعاً مما نعترف به، لكن في عالم يعجّ بالصراعات والنكبات، يبدأ الفارق في التحول إلى فارق أكاديمي إلى حد كبير.
مثل الكثير من الالتزامات، التي أعقبت الحرب العالمية، تحوّل التزامنا تجاه اللاجئين بمرور الوقت إلى التزام نظري أكثر منه التزاماً عملياً. إنه رسمياً مسؤولية عالمية مشتركة، لكن على أرض الواقع يقع عبء استضافة أولئك الأشخاص بشكل كبير على الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل، مع دفع الدول الغنية للتكاليف. وتقوم تلك الدول في الداخل بعمل مسار ضيق للجوء يستبعد تقريباً الجميع استناداً إلى حيثيات سليمة مع الحفاظ على إمكانية، وإن كانت ضئيلة، لعبور قلة من المحظوظين عبر ثقب الإبرة. لقد أقرّت الولايات المتحدة وأوروبا بوجود فئة تسمى «لاجئ» جدير بحماية خاصة، لكن هناك عراقيل أمام حصوله على تلك الحماية المنيعة تقريباً. عوضاً عن ذلك، يعامل الأشخاص، الذين يسعون وراء إثبات جدارتهم بالحصول عليها، كالمجرمين إلى أن يثبت عكس ذلك.
ربما تكون حكومات الدول الغنية راضية تماماً عن هذه الصفقة، التي يتم بموجبها تزويد من اضطروا إلى الهروب من منازلهم وأوطانهم بالاحتياجات الأساسية للبقاء على نفقة دافعي الضرائب في الدول الغنية. مع ذلك لا يحظى هذا البرنامج الشحيح المتواضع، الذي يتعامل بعنف كبير مع الفكرة الأصلية للجوء، بقدر كبير من الدعم في صفوف مواطني العالم الغني. يبدو أننا نتجه نحو مستقبل يحمل طابع فلسفة هوبز نقبل فيه ببساطة المصير البشع لأشخاص محددين باعتباره سوء حظ جغرافي.
يبدو أنه لا يوجد أمامنا خيار سوى مواصلة السير في هذا الطريق القاتم الكئيب. لقد أصبحت سياسة الهجرة سامة بشكل كامل. في عام 2015 أعلنت أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية حينها، بجرأة في وجه مجموعة من اللاجئين الوافدين إلى أوروبا: «نستطيع إدارة الوضع». استقبلت ألمانيا أكثر من مليون شخص هارب من الصراع والاضطهاد، أكثرهم من سوريا. تمكنت ألمانيا من إدارة الوضع، لكن ثار الناخبون في أنحاء أوروبا، وأبرمت ميركل وقادة أوروبا الآخرون خلال العام التالي اتفاقاً مع تركيا لمنع تدفق المهاجرين.
لم يتخذ أحد آخر أي موقف أفضل، فمن بين 32 مليون لاجئ في العالم اليوم، يبلغ الحد الحالي لإعادة التوطين في الولايات المتحدة الأميركية 125 ألف شخص فقط. ولم تقترب الولايات المتحدة الأميركية عام 2022 من الوصول إلى هذا الحد، حيث لم يتجاوز عدد الذين تمت إعادة توطينهم 25 ألف لاجئ. عقدت إدارة بايدن الاتفاق مع المكسيك بعد ترحيب اهتياج سياسي، أذكاه الجمهوريون وحلفاؤهم في المنصات الإخبارية، بوصول عشرات الآلاف من الفنزويليين الهاربين من الانهيار الاقتصادي والسياسي في بلادهم.
يقول ديفيد أوين، فيلسوف يكتب كثيراً عن الأبعاد الأخلاقية والعرقية للهجرة: «من الواضح أن هناك استقطاباً شديداً في الآراء السياسية. اتجه مسار وضع السياسات نحو أقصى اليمين بدرجة كبيرة». من الصعب تصور قائد يتمتع بشجاعة أخلاقية اليوم لفعل ما فعلته ميركل عام 2015، حتى «الأخيار» في العالم الغني يريدون إغلاق الحدود.
لطالما صورّت كندا، وجاستن ترودو، رئيس وزرائها الليبرالي، نفسها بأنها دولة عازمة على الترحيب باللاجئين والمهاجرين الماهرين لتعزيز القوة العاملة لديها، لكن الحقيقة هي أنه في مواجهة التدفق الكبير من الأشخاص الذين يعبرون الحدود الأميركية بشكل غير قانوني، تصرفت كندا مثل أي دولة أخرى. في نهاية مارس (آذار)، أبرمت واشنطن وأوتاوا اتفاقاً يسمح لكندا بإعادة عدد أكبر من الأشخاص الذين يحاولون عبور الحدود من الولايات المتحدة الأميركية.
* خدمة «نيويورك تايمز»
TT
نحن نعيش في عالم... الملاجئ فيه سجون
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
