«داعش» ومعركة الاسم

«داعش» ومعركة الاسم

السبت - 8 شوال 1436 هـ - 25 يوليو 2015 مـ رقم العدد [13388]
عبد الرحمن الراشد
اعلاميّ ومثقّف سعوديّ، رئيس التحرير السابق لصحيفة "الشّرق الأوسط" والمدير العام السابق لقناة "العربيّة"
صار العديد من الحكومات تحث وسائل الإعلام على تجنب استخدام مصطلح «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، الاسم الذي أطلقه التنظيم الإرهابي على نفسه منذ سنتين، بعد أن أعلن زعيمه نفسه خليفة، وتوسيع نفوذه من الاسم السابق «دولة العراق الإسلامية»، ليضم سوريا إليه.
وعندما أعلن التنظيم في أبريل (نيسان) عام 2013 عن إطلاق اسم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» على نفسه، قرر الإعلام، وفي قناة «العربية» تحديدًا، أن نسميه «داعش». كنا ندرك أن التنظيم يريد أن يستخدمنا، أي منصات الإعلام في أنحاء العالم، لبناء صورة تخدم أغراضه. وقد جاءت الاعتراضات حينها من أناس غررت بهم أدبيات الإرهابيين حينها، احتجوا على التسمية والتغطية لأنها مهينة للمدافعين عن الإسلام ضد المحتل الغربي، أو السنة المضطهدين، أو الدفاع عن عرب الأنبار، أو هم الثوار ضد نظام الأسد في سوريا. وفعلاً، هناك نشاطات مشتركة كانت تشوش على فهم الكثيرين، إنما أغلبهم اكتشف لاحقًا أن «داعش» ليس إلا تنظيم القاعدة الشرير، حتى لو تبنى قضايا حقة.
و«داعش» ليست تسمية ساخرة، كما قيل وكتب في وسائل الإعلام الغربية، بل تمثل حروف التنظيم الأولى التي تختصره. وبالطبع التسمية المختصرة لا ترضي التنظيم، لأنه عن عمد يريد أن يجعل اسمه «الدولة الإسلامية في العراق والشام» عنوانًا بريديًا للمسلمين في كل مكان، هذه هويته وهذه أرضه ومشروعه وهو من يمثلهم! حتى إن التنظيم مرة قام بجلد أحد الأطفال في الأنبار لأنه تجرأ على تسميته بـ«داعش» التي اعتبرها إهانة له، ونشر الفيديو عبرة لمن هم خاضعون لحكمه.
ومعركة التسميات قديمة مع المتطرفين. قبل أربعة عشر قرنًا حارب المسلمون الأوائل تنظيمًا مثل «داعش» تمامًا، يكفر المسلمين ويعلن الخروج على الدولة، سمى نفسه بـ«جماعة المؤمنين»، إلا أن المسلمين سموه بـ«الخوارج». التاريخ يعيد نفسه، ونحن نواجه مشكلة فكرية لا يمكن الاكتفاء بمحاربتها بالسلاح، بل بالفكر، ومن ذلك تحديه اسمًا وموضوعًا. وقد انساقت وسائل إعلام عربية وأجنبية وراء التسمية، تكررها في نسبة الجرائم البشعة لـ«تنظيم الدولة الإسلامية»، وليست التسمية عملاً خاطئًا بقدر ما هي غير ضرورية، في ظل وجود تسميات صحيحة ومهنية، وتجنب المسلمين الأذى المزدوج؛ الأول في الدول الإسلامية حيث يكسب التنظيم من اسمه تحريض شباب المسلمين للانخراط في صفوفه، والثاني في المجتمعات الأخرى، بتحريض غير المسلمين ضد المسلمين في مجتمعاتهم التي يشتركون في العيش معهم فيها، مثل أوروبا وروسيا والصين والهند، وتحقيق تقسيم العالم وفق رؤية بن لادن، حين سماه بـ«الفسطاطين».
وكانت الحكومة الفرنسية أول من حذّر من استخدام الاسم، «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، وأن خطر الاسم مثل خطر الفعل الإرهابي. ولاحقًا، تمنى رئيس وزراء أستراليا على الإعلام عدم استخدام اسم التنظيم، لأنه يخلط بين المسلمين والإرهابيين.
وليس صحيحًا أن الجميع من العلم والدراية بحيث يعي أن «داعش» تنظيم إرهابي مثل التنظيمات الفاشية المنتشرة في العالم. فعامة المسلمين البسطاء، وصغار السن، قد يصدقون أن التنظيم إسلامي يدافع عنهم بسبب اسمه، «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، وعلمه الذي يحمل «الله أكبر». اسمه يختصر التاريخ والدين، ويسهل مهمة المدافعين عنه من متطرفي المسلمين، الذين هم أخطر من مقاتلي التنظيم، وأكثر جمهورًا. والأذى الثاني، أن ربط «الإسلام» بنشاطات التنظيم يوحي لغير المسلمين في أنحاء العالم بأن الجرائم من فعل دين الإسلام وأتباعه. ودائمًا، سهل إلصاق الجريمة بجنسية أو عرق أو دين أو فكر إذا كثف الإعلام ربطها به، كما هو الحال مع «داعش».
«داعش» تنظيم ذكي جدًا، ينفق جهدًا كبيرًا لترويج الصورة نفسها؛ أنه يمثل الإسلام والمسلمين، في صراع مع العالم كله. وهو يعرف نفسية الجمهور الذي يتوجه إليه، المسلمين في أنحاء العالم، بإعلان نفسه دولة، أو خلافة، تضرب في عمق التاريخ ويمكن أن تجد قبولاً عندهم، وقد يدعمونها ويقاتلون دفاعًا عنها، أيضًا. لهذا حرص على أن ينشر اسمه كاملاً «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، مدركًا أن وسائل الإعلام الشعبية هي خير من ينقل هويته وعنوانه في سوريا والعراق ورسائله إلى ملايين المسلمين في أنحاء العالم. وهذا ما يميز «داعش» عن تنظيم القاعدة، الذي لم يبالِ كثيرًا بسيكولوجية الرمزية، ولا ببناء ماركة من تصميمه. حتى اسمه «القاعدة» قرره له الإعلام الدولي منقولاً عن مصطلحاته مثل «قاعدة الجهاد»، ولم يروج لرايته، واشتهر له اسمان؛ «القاعدة» و«أسامة بن لادن»، واندثر بمقتله، وتفرق شمل التنظيم بعده، وفشل خليفته الظواهري في شغل الفراغ القيادي بأن يحل محله.
[email protected]

التعليقات

عصام حمادي
البلد: 
برمنقهام
24/07/2015 - 23:59

اللهم احفظ أرض اليمن واحفظ اهلة الغاليين اللهم الطف على أرض اليمن من كل شر

محمد منصور
البلد: 
Saudi arabia
25/07/2015 - 00:27

الكاتب اجاد واختصر ، وبعبارته معارضيه قد انبهر ، فلسفة اسلوب يعيد النظر ،
في افكار علينا في خطر . اه واه من عقول افتقدت البصر ، انتكست بأعمالهم
بسوء المنتظر . ذلك هو ما يحز بالنفس من قهر . وغيب المسقبل في غير مستقر .

أكرم الكاتب
البلد: 
السعودية
25/07/2015 - 09:02

الإخوان رواد وسبقوا الجميع في الترويج لأنفسهم باستخدام رمزية اسمهم وكاريزما البنا في الترويج لأنفسهم حتى تخرج من مدرستهم سائر القيادات والتنظيمات الإرهابية الأخرى، وتجنيد العناصر يعتمد على الإحباط الذي يعيشه المسلمون، إذ أن البسطاء من المسلمين تستهويهم رمزية الأسماء كما تستهويهم كاريزما قادة تلك التنظيمات، لقد حرصت أمريكا على قتل بن لادن رغم غيابه عن ساحة المعارك لأن بقتله تقتل فكرة التنظيم نفسها التي ارتبطت بصورته على صهوة فرسه حاملا سيفه يقاتل به الكفار، إنه صراع بين أشخاص على العمامة وعصا الخلافة كسبه البغدادي وخسره الظواهري الذي غابت عنه كاريزما بن لادن، أمريكا تسعى لخلق شرق أوسط جديد وتستغل داعش اليوم لتحقيق هدفها، حرصت على قتل مختار بلمختار قائد القاعدة في ليبيا وبقتله انفرط عقد التنظيم هناك وانتقلت عناصره إلى صفوف داعش عدوه اللدود،

عبدالله الحسني
البلد: 
الظهران - السعوديه
25/07/2015 - 10:55

صدقت أخ عبدالرحمن و قد قلت صدقا و كتبت حقا، شكر الله لك.
داعش تنظيم إجرامي خطير جدا ولا يستحق أن ينسب إلى الإسلام، مثله مثل من سمى حزبه "حزب الله"، وهو يمارس الطائفية بأبشع صورها.
كلنا مسلمون ويجب أن نبتعد عن هذه المسميات التي لا تعكس حقيقة تصرافتنا بل ولا تعكس مباديء الإسلام وعلى رأسها: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"

خالد عبد الله
25/07/2015 - 11:02

كانت هذه المعركة واضحة تماما وقت الرسول عليه السلام فكان المشركون يطلقون عليه أسماء أخرى
وكانت قائمة مع اليهود وأنزل الله فيها :يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا ...)
هي معركة المسميات
ووجهة نظري أن أفضل من سمى داعش هو الأزهر فقد أطلقوا عليهم اسم منشقي القاعدة
وهو اسم يحتوي دلالات مهمة

ملاحطة أخيرة/
لا أتفق مع وصف التنظيم بالذكاء لأن هذا المصطلح يطلق في للمدح
والأولى أن يستبدل بالمكر مثلا

أكرم الكاتب
البلد: 
السعودية
25/07/2015 - 11:13

ثم جاء الخميني فعطف بالمتاجرة بالشعارات الإسلامية منعطفا أشد تطرفا، إذ أسبغ عليها صفة الحق الإلهي وجعل من نفسه نائبا للمهدي المنتظر الذي تجب له الولاية المطلقة على المسلمين، وأسمى ثورته بالثورة الإسلامية ورفع شعار الجهاد ضد الشيطان الأكبر، وقام الإخوان بدور مندوب المبيعات للترويج لسلعته الفاسدة في الأوساط السنية، ثمّ دخل استخدام شعار المقاومة على يد حزب الله سوق المتاجرة بالشعارات وقام الإخوان أيضا بنفس الدور للترويج للسلعة الجديدة بين السنة وجعلوا لحسن نصر الله كما للخميني هالة من الزعامة أغرت البعض من شباب السنة بالتشيع، ثم يشاء العلي القدير أن تسقط الثورة السورية القناع عن زيف كل الشعارات الإيرانية للجهاد والمقاومة.

فرات خليفة
البلد: 
عراق
25/07/2015 - 17:55

ادعاءات عصابات داعش بأنها تدافع عن السنة تدحضها الوقائع و الاحداث على الارض الواقع حيث اكثر الضحاياه هم من المناطق العربية السنية في موصل و انبار و تكريت و في سوريا مناطق دير الزور و الحسكة و الرقة و حلب..معلوم ان التدمير طالت المناطق السنية و شردت اهلها و ناسها ذات اغلبية سنية.و حتى معاركهم و مواجهاتهم مع كورد السنة لدليل واضح بانهم عكس ما يدعون.اما اجرامهم فلم تسبق عليها احد و لا حتى الخوارج،مع العلم انهم يدعون الخلافة(على منهاج النبوة)لكن تصرفاتهم ليست كما كان المسلمون ايام النبي(ص).من يدعي اتباع منهاج النبي عليه ان يتحلى باخلاق النبي و يمشي على دربه و يمارس سنته و يحترم كلامه.و هنا نسال الدواعش:هل النبي و اصحابه ذبحوا اسرى الكفار ليأتي الدواعش و يذبحوا اسرى المسلمين؟و هل الصحابة كانوا يمارسون جهاد النكاح لياتي الداعشي و يشرع الزنا؟

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة