خطأ ألمعي!

خطأ ألمعي!

الأحد - 3 جمادى الأولى 1444 هـ - 27 نوفمبر 2022 مـ رقم العدد [16070]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

ذكرت في المقال السابق أنَّ «الجيل» مجلة، وأنَّها نشرت مقال حسين أحمد أمين عن محمود محمد شاكر، ونشرت ردَّ محمود محمد الطناحي على هذا المقال، ذكرت ذلك استناداً إلى معلومة وردت في متن ردّه الذي حملَ عنوان «محمود محمد شاكر والسهام الطائشة»، واستناداً إلى معلومة وردت في أسفل أول صفحة من ردّه ذكرها الذين جمعوا مقالاتِه وأخرجوها في كتاب عنوانه «مقالات العلّامة الدكتور محمود محمد الطناحي».
صحّح لي الأستاذ أبو يعرب – وهو صاحب حساب في الإنترنت يعرّف نفسه بأنَّه «مهتم بالكتاب والموضوعات الأدبية والتاريخية»، وحسابه يحمل صورة الممثل الكوميدي وودي آلن – هذه المعلومة، فأخبرني أنَّ «الجيل» جريدة وليست مجلة.
ولم يكتفِ أبو يعرب بأن أكرمني بهذا التصحيح، بل جاد عليَّ بأن زوَّدني بصورة فوتوغرافية بأصل رد محمود محمد الطناحي المنشور في جريدة «الجيل» في ثلاثة أجزاء، وصورة فوتوغرافية من رد نسيم مجلي عليه، الذي كان عنوانه «حب الشيخ شاكر أعمى محمود الطناحي فأخذ يضرب بغير علم»، المنشور أيضاً في هذه الجريدة بتاريخ 7 فبراير (شباط) 1999.
الجزء الأول من رد الطناحي، نُشر بتاريخ 6 ديسمبر (كانون الأول) 1998، والجزء الثاني منه نُشر بتاريخ 3 يناير (كانون الثاني) 1999، أما الجزء الثالث، فلقد نُشر بتاريخ 10 يناير 1999. كما أنّي عرفت من أبي يعرب أنَّ مقال حسين أحمد أمين عن محمود محمد شاكر الذي نشره للمرة الثالثة في جريدة «الجيل» كان عنوانه «الشيخ شاكر يكشف مؤامرة الأفغاني الماسوني ومحمد عبده صديق الإنجليز».
لما راجعت أصل مقال «محمود محمد شاكر والسهام الطائشة»، رأيت أن الطناحي قد كتب جريدة «الجيل»، ولم يكتب مجلة «الجيل»، فمن هو المسؤول من بين الذين أخرجوا مقالاته في كتاب، عن تخطئته والتصحيح له بأن مقال حسين أحمد أمين نُشر في مجلة «الجيل»، وأن رده على هذا المقال نُشر أيضاً في مجلة «الجيل»؟!
وفي فهرس الكتب والدوريات في الكتاب الذي جمعوا مقالاته فيه أشاروا إلى «الجيل» بوصفها مجلة لا جريدة!
لمعرفة المسؤول عن ذلك سأقتطع لكم جزءاً مما كتبه ناشر الكتاب، صاحب «دار البشائر الإسلامية».
يقول الناشر: «تضافرت جهود أحبة له في إخراجه: أولهم ولده البار، الأخ محمد، الذي قام بجمع هذه المقالات، ثم الشيخ الألمعي محمد بن ناصر العجمي الذي سعى بجمعها وطبعها، وقدّم لها، ثم أخوه وصفيّه العالم الأديب عبد الحميد بسيوني، الذي تفضل بقراءتها تحضيراً لطبعها، وأخيراً الأخ الشيخ أمين شحرور الذي قام بتصحيحها وصنع فهارسها».
في تقديري أنَّ كل هؤلاء – ابتداء بـ«ولده البار»، وانتهاء بمصحّح الكتاب وصانع فهارسه – مسؤولون عن ذلك الخطأ. ويتحمَّل القدر الكبير من هذه المسؤولية محمد ناصر العجمي؛ لأنَّ الناشر قد لقّبه بـ«الشيخ الألمعي»، ورضي هو أن يوصف بالألمعية!
وسآذن لنفسي أن أسحب منه هذا اللقب وأخلعه على الخطأ الذي أجمعوا على صنعه؛ فخطؤهم خطأ ألمعي لفرادته في حقل مراجعة المقالات والتدقيق فيها، ولأنَّهم صنعوه من دون مسوِّغ معقول ومبرر مقبول وسبب مفهوم.
محمود محمد الطناحي قال في ردِّه «محمود محمد شاكر والسهام الطائشة»، المنشور في جريدة «الجيل» ما يلي:
«أمَّا الذي أغضبني أيها القارئ الكريم، فهو ما جاء في العدد الثاني من جريدة (الجيل)، 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 1998، من هجوم كاسح أكول على شيخ العربية وحارسها أبي فهر محمود محمد شاكر – برَّد الله مضجعه – والذي تولى كبر هذا الهجوم هو الأستاذ حسين أحمد أمين».
يقول هو: جريدة «الجيل». ويقول أولئك الأربعة – تصحيحاً: مجلة «الجيل»!
لنفترض – وإن كان هذا الافتراض مستبعداً أن يحصل – أن الطناحي وَهِمَ أن جريدة «الجيل» التي نشرت مقال حسين أحمد أمين، والتي أرسل إليها ردَّه على مقال لنشره فيها، مجلة وليست جريدة، فكيف يفوت المحرر الذي أعدَّ ردّ الطناحي للنشر أن المطبوعة التي يعمل بها هي جريدة وليست مجلة؟!
أحسب أنَّ علة تخطئة أولئك الأربعة لما هو صحيح، أنهم اعتقدوا أن «الجيل» اسم لا يكون إلا لمجلة، واعتقدوا أن المطبوعة المقصودة هي مجلة «الجيل» التي كانت تصدر عن «مؤسسة الجيل للصحافة» ببيروت منذ عام 1980، والتي توقفت عن الصدور بعد رحيل صاحبها ورئيس تحريرها مازن البندك بتاريخ 14/11/2011. اعتقدوا أنَّها هي المقصودة لشهرتها واتساع نطاق توزيعها في البلدان العربية.
لنذهب الآن إلى رد الطناحي على مقال حسين أحمد أمين وعلى أسماء أخرى، هي صافيناز كاظم ونسيم مجلي وسمير غريب، لنعرف هل كان موضوعياً في رده عليهم، أو كان متعصباً لأستاذه محمود محمد شاكر.
يحدثنا الطناحي في أول رده أنه تردد بين عدة عنوانات لمقاله: «منها: محمود شاكر والسيوف الكهام – وهي السيوف الكليلة التي لا تقطع ولا تؤثر – ليس هذا بعُشّك فادْرُجي – إن بني عمك فيهم رماح – كناطح صخرة يوماً ليوهنها، ونحو ذلك من العنوانات التي يحمل عليها الغضب. والغضب – ونعوذ بالله منه – نار تأجج في الصدر، وإذا استبد الغضب بالمرء أعمى بصره وأكل قلبه وفرى كبده وأطلق لسانه، وقديماً ما تعوّذ الناس منه».
إن عنوان رد نسيم مجلي على رد الطناحي عنوان دقيق جداً؛ فـ«حب الشيخ شاكر أعمى محمود محمد الطناحي فأخذ يضرب بغير علم».
وأول الضرب بغير علم، هو قوله: «والهجوم على محمود محمد شاكر بدأ غداة وفاته، وكان أول من نَقَب هذا النّقْب السيدة صافيناز كاظم، في كلمة لها بجريدة (الدستور) 20/8/1997؛ أي بعد وفاة الشيخ بثلاثة عشر يوماً، وهي كلمة تقطر غضباً، وتوشك أن تكون شماتة بالموت الذي هو غاية كل حي».
الذين تابعوا عمل صافيناز كاظم في الثقب أو الثغرة التي أحدثتها في الهجوم على محمود محمد شاكر غداة وفاته – حسب ما رآه الطناحي ووفق توالي أسمائهم في رده – نسيم مجلي في كتابه «صدام الأصالة والمعاصرة بين محمود محمد شاكر ولويس عوض»، وسمير غريب في فقرتين من كتابه «في تاريخ الفنون الجميلة»، وحسين أحمد أمين في مقاله عن محمود محمد شاكر.
ينطبق التفسير الذي قال به والحكم الذي أطلقه على صافيناز كاظم وحدها، ولا ينطبق على الآخرين.
ومع أن تفسيره وحكمه ينطبق عليها وحدها، إلا أنه أعلن أنه سيعفيها من الرد عليها؛ لسببين: الأول، أنه رأى ثورتها على محمود محمد شاكر ترجع إلى مقابلة جافة من الشيخ لها، في يوم من أيام سنة 1982. الثاني، لأنه رأى «في كتاباتها في السنوات الأخيرة وجوهاً من الخير ينبغي أن نستبقيها، وأن نستزيد منها (إحنا ما صدقنا!)».
وزيادة على أنه تجاوز عنها في الرد على مقالها عن محمود محمد شاكر الذي كتبته بمناسبة وفاته، لم يورد شيئاً مما قالته عنه، بل اكتفى بتقديم ملمح عام عنه، وهو أن مقالها يقطر غضباً، ويوشك أن يكون شماتة بالموت...
السبب الأول في إعفاء صافيناز كاظم من الرد عليها سبب غير مقنع؛ لأنه لم يعفِ حسين أحمد أمين من تخصيص مساحة واسعة له في ردّه، مع أن محمود محمد شاكر قابله بجفاء وذمّ أباه أحمد أمين في حضوره.
والسبب الثاني تضمن خطأً في تزمين تحولها إلى الاتجاه الإسلامي؛ فحين نشر مقالها في جريدة «الدستور» الذي أشار إليه، يكون قد مرّ على تحولها إلى هذا الاتجاه ما يقرب من العشرين عاماً. وفي غضون هذه الأعوام يكون المرء رضيعاً وطفلاً وغلاماً ومراهقاً وشاباً. وكان العامل الأساسي في تحولها من نقيض إلى نقيضه اندلاع الثورة الإيرانية ابتداءً من 7 يناير 1978.
وخطؤه هذا خطأ مقصود، لكي يتشفّع لها بأنها لا تزال وليدة في تحولها الإسلامي، وحديثة السن في عمر الهداية الدينية.
ولقد أُصبت وأنا أبحث عن «وجوه الخير» في انتقالها من تطرف يساري إلى تطرف إسلامي، بالدوار، تلاه صداع أقعد رأسي عن التفكير؛ فما المغري له في تحولها الإسلامي؛ إذ إن فيه «حشفاً وسوء كيلة»؟ والحشف هو تطرفها وسوء الكيلة هو غوغائيتها في هذا التطرف.
في تاريخ تعاملنا مع التطرف الإسلامي في القرن الماضي وفي القرن الحالي، كان هناك جانب شديد الخطورة، وهو أن بعضنا يحتمله وقد يستظرفه!
لو أن الطناحي أعفاها من الرد عليها بسبب أنَّها تعيب على محمود شاكر توعّر خُلُقه وغلظته وكزازته، وهي تشاركه هذا العيب؛ لكان سببه سبباً مقنعاً وكافياً. ومحال أن يقول بهذا لتعصبه لأستاذه وشيخه.
قال الطناحي عن نسيم مجلي: «فلما غاب وجه محمود شاكر بالموت رتع نسيم مجلي في لحمه، وإذا الذي كان همساً صار صراخاً، والذي كان تلميحاً أضحى تصريحاً، وإذا الذي كان كلاماً في الحواشي بالبنط الصغير، قفز إلى المتن بالبنط الكبير؛ فكان هذا الكتاب الذي صدر عن (دار الأهالي)».
وهذا الكتاب الذي صدر عن «دار الأهالي»، هو كتابه «صدام الأصالة والمعاصرة بين محمود شاكر ولويس عوض»، الذي صدر في عام 1998. وفي رد نسيم مجلي على مقال الطناحي «محمود محمد شاكر والسهام الطائشة»، حدد لنا صدور كتابه في ذلك العام بشهر يونيو (حزيران)؛ أي إن كتابه صدر بعد عشرة أشهر من نشر مقال صافيناز كاظم، فما الصلة بين كتابه وبين مقالها؟!
والأهم من ذلك أن ما قاله عن محمود محمد شاكر في هذا الكتاب، لم يخرج عن حدود ما قاله عنه في كتابه «لويس عوض ومعاركه الأدبية» الصادر عام 1995.
وهو الكتاب الذي لانت عريكة محمود محمد شاكر له والذي متّن صلة مؤلفه العلماني القبطي نسيم مجلي به. وكان الطناحي شاهداً على شيخه وأستاذه وهو يتلقّاه بوجه منطلق حين يزوره في بيته.
وأنصح القارئ بالرجوع إلى رد نسيم مجلي على الطناحي؛ فلقد هوى بكل ما قاله عنه في أول مقاله وفي آخره، وإن كان العثور عليه صعباً. لذا فإني أتمنى على العزيز أبي يعرب أن ينزل في حسابه في موقع «تويتر» صورة فوتوغرافية منه ليتمكن كثيرون من قراءته.
كان من الأجدر بالطناحي أن يصحّح لنسيم مجلي خطأً وقع فيه في كتابه «صدام الأصالة والمعاصرة بين محمود شاكر ولويس عوض» يتعلق بواقعة حصلت لشاكر في آخر الخمسينات الميلادية.
يقول نسيم مجلي في كتابه هذا بعد حديثه عن حماسة محمود محمد شاكر لثورة 1952: «ولكنه استمر على رأيه وخطّأهم (يقصد الإخوان المسلمين، وكان في كلام سابق يسميهم بالمتدينين!) طيلة فترة الصدام بينهم وبين السلطة حتى كانت الوقيعة الكبرى بين الفريقين، وزج الساخطين (المقصود هنا الإخوان المسلمون والشيوعيون) في السجون. ووصلته أنباء بما يدور فيها من وسائل التعذيب والإذلال، فكان له رأيه الذي يجاهر به في كل مجلس، حتى أمام بعض المسؤولين من رجال الدولة. وكان من رأيه أنه لا شيء يسوّغ للحاكم أو لغيره أن يمتهن كرامة الإنسان من حيث هو إنسان، ولم يبالِ بأي نصيحة ليكف عن مهاجمة ما تفعله السلطة، حتى أُدخل السجن لأول مرة سنة 1959 لمدة تسعة أشهر، حتى أُفرج عنه في أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1959».
وهذا الكلام عن سبب سجنه الأول غير صحيح. ومع أن الطناحي يعرف أنه غير صحيح، إلا أنه لم يصححه حين كتبته عايدة الشريف في كتابها «محمود محمد شاكر: قصة قلم»، الصادر عام 1997، تحت عنوان «شاكر والحرية والثورة والالتزام»، الذي كتب الطناحي له مقدمته.
وكان في عام 1982 قرأ هذا الكلام في الأصل الذي نقلته منه عايدة الشريف، ونقله منه بعدها نسيم مجلي، في كتاب كان هو أحد المشاركين فيه، وهو كتاب «دراسات عربية وإسلامية: مهداة إلى أديب العربية الكبير أبي فهر بمناسبة بلوغه السبعين».
والأصل كتبه ابن أخي محمود شاكر الصحافي والكاتب اليساري عبد الرحمن شاكر، في تجربته الخاصة التي عاشها مع عمه وسجلها في ذلك الكتاب تحت عنوان «الحرية... والثورة الحضارية».
سجن محمود محمد شاكر الأول كان بسبب جنائي وليس سياسياً؛ فهو شتم جمال عبد الناصر بأمه في التليفون – وكان تليفونه مراقباً – وقال عنه: ابن العاهرة!
يقول أحمد حسن الباقوري – الذي هو طرف في هذه القضية، كما أن يحيى حقي طرف فيها – عن هذه الواقعة: «ذات يوم اجتمعنا في الندوة في دار محمود شاكر، ورنّ جرس التليفون وإذا المتكلم هو يحيى حقي، وكان يشكو إليه أنه نُقل إلى عمل لا يناسبه. فقال محمود شاكر في حماسة عمياء: وما حيلتي يا أخ يحيى في هؤلاء العساكر الذين يحكمون البلد، على رأسهم جمال عبد الناصر ابن (الـ...)، وكانت كلمة تستوجب حد القذف لو كان القانون يأخذ بالتشريع الإسلامي».
هذه الواقعة رواها الباقوري في كتابه «بقايا ذكريات»، ولها تتمة في هذا الكتاب، ورواها في كتاب نِعَم الباز «ثائر تحت العمامة»، وفيه تفصيل آخر، لم يذكره في الكتاب السابق.
رواية الباقوري لهذه الواقعة في هذين الكتابين فيها ثغرات، مع أن أساسها صحيح. وهي رواية مهموزة؛ لأنه طرف فيها وأراد أن يبرئ نفسه من هذه الواقعة المشينة. وهناك مصدر آخر رواها رواية متسقة، مما جعلها رواية موثوقة. وللحديث بقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو