كتاب إسلامي عنوانه حاكى عنوانَ أحد أفلام البِكِّيني!

كتاب إسلامي عنوانه حاكى عنوانَ أحد أفلام البِكِّيني!

الأحد - 25 شهر ربيع الثاني 1444 هـ - 20 نوفمبر 2022 مـ رقم العدد [16063]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

قبل ثمانية عشر عاماً من نشر حسين أحمد أمين مقاله عن محمود محمد شاكر في كتابه «شخصيات عرفتها»، الصادر عن دار «العين» تحت عنوان «محمود محمد شاكر.. عالم ومحقق للتراث العربي»، كان قد نشره لأول مرة في الطبعة الثانية من كتابه «في بيت أحمد أمين ومقالات أخرى»، الصادرة عن «مكتبة مدبولي» عام 1989، تحت عنوان «لقاء مع الأستاذ محمود شاكر».

وقد كانت الطبعة الأولى من هذا الكتاب صدرت بعنوان «في بيت أحمد أمين» عام 1985، ضمن سلسلة كتاب «الهلال» الشهري، والمقالات الأخرى التي أضافها إلى الطبعة الثانية منه والتي سبق نشرها في مجلة «المصور»، يزيد حجمها على أكثر من ضعفي صفحات الطبعة الأولى من الكتاب. وفي ظني أنَّ مقاله عن محمود محمد شاكر لم يسبق له أن نشره في مجلة مصرية؛ لأنه لم يجز نشره في أي منها.

وفي كتابه «رسالة من تحت الماء.. وسخريات صغيرة أخرى»، الصادر عن دار «سعاد الصباح» عام 1992، أعاد نشر مقاله عن محمود محمد شاكر مرة ثانية.

في حاشية من حواشي كتابه «محمود محمد شاكر.. الرجل والمنهج»، يَسِمُ عمر حسن القيّام مقال حسين أحمد أمين عن محمود شاكر بالحوار. ففي هذه الحاشية قال: «وههنا شيء يحسن الإشارة إليه، وهو اختلاف ابني شاكر في الحكم على محمد عبده، فهذا أحمد شاكر يسميه بالأستاذ الحكيم، وكذا فعل في كتابه (الكتاب والسنة)، أما محمود فهو يصفه بأنه ذَنَب للاستعمار وماسوني أكبر. انظر الحوار الذي أجراه معه حسين أحمد أمين في كتابه (في بيت أحمد أمين)، حسين أحمد أمين، (مكتبة مدبولي)، القاهرة، ط2، 1989، ص290».

وقد وسم مقاله بالحوار؛ لأن حسين أحمد أمين عنونه في هذا الكتاب بـ«لقاء مع الأستاذ محمود شاكر».

كما أن صلاح حسن أحمد رشيد في مقاله «العقاد وصلاة الجمعة»، وسمه أيضاً بالحوار.

مقاله عن محمود محمد شاكر أو الحوار الذي أجراه معه قائم في جزء كبير منه على حديث شخصي، أو في اللهجة الدارجة «دردشة» كان فيها هو السائل، وكان محمود شاكر المجيب في البداية باقتضاب لتأففه وضيقه بتوجه سائله؛ لأنه كان قد قرأ كتابه «دليل المسلم الحزين» حين صدر في عام لقياهما، وكان يقرأ مقالاته التي كانت تُنشر في مجلة «المصور»، وقتذاك. ولما ألحّ عليه في السؤال وطلب الإجابة عن السؤال، انطلق لسانه بإجابات غاضبة وراجمة.

وقبل أن يجيب عن السؤال ما قبل الأخير – كما حدثنا حسين أحمد أمين في مقاله – تململ في كرسيه مؤذناً بانتهاء الجلسة. وبعد كلامه الذي تعمد فيه ألّا يجيب عن السؤال الأخير – يقول حسين أحمد أمين – تحرك في مقعده حركة من يهم بالوقوف، فنهضنا على الفور للانصراف!

ولغرض فني هدفه التسلسل في عرض حكايته مع محمود محمد شاكر، قال في هذا المقال إنه وهو في رفقة محمد المعلم صاحب «دار الشروق» في الطريق إلى بيت شاكر، تذكر حديثاً كان دار مع صاحب «مكتبة وهبة»، حول شاكر في عام 1982، ثم أورده، وكان حسين أحمد أمين فيه هو السائل، وكان المجيب الحاج وهبة حسن وهبة. وهذا الحديث كان أقصر بكثير من حديثه مع محمود محمد شاكر. وكانت إجابات الحاج وهبة من أولها إلى آخرها ذماً في محمود محمد شاكر.

وقبلها كتب حسين أحمد أمين مقدمة للمقال تضمنت معلومات عن تاريخ لقائه محمود محمد شاكر الأول والأخير – وهو يوم 12 ديسمبر (كانون الأول) 1983 – وكيف حصل هذا اللقاء ومناسبته، وعن سبب تطلعه إلى مقابلته، وعن ملامح شخصيته كما سمع بها من آخرين...

ومن هذه المقدمة نعرف أن لقاءه به جاء بالصدفة؛ إذ كان في صباح ذلك اليوم أو عصره يحادث محمد المعلم في «دار الشروق»، فعرض عليه أن يرافقه في مساء ذلك اليوم في زيارته لمحمود محمد شاكر في بيته لتهنئته بإعلان فوزه بجائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي، فوافق على ذلك. وفي المقال جملة نعلم منها أن هذه الزيارة حصلت بغير ترتيب مسبق من محمد المعلم مع محمود شاكر، وهي قوله: «وإذ اعتذرنا له عن قدومنا في وقت غير مناسب، ودعوناه إلى إكمال مشاهدة التمثيلية؛ تظاهر ضاحكاً بعدم المبالاة بتفاهات التلفزيون». أوضح هذا الأمر لكيلا يعتقد القارئ الذي لم يقرأ هذا الموضوع أن حسين أحمد أمين أجرى حواراً مع محمود محمد شاكر مُعداً سلفاً – بالاتفاق بينهما – للنشر؛ فحسين أحمد أمين ليس بصحافي.

أعاد حسين أحمد أمين نشر المقال مرة رابعة في كتابه «شخصيات عرفتها»، الصادر عام 2007.

وحينما أعاد للمرة الرابعة نشر المقال في هذا الكتاب حذف منه كلاماً فيه زراية بمحمود محمد شاكر وبأهل بيته، كان من العيب عليه أصلاً أن يكتبه.

هذا الكلام هو قوله: «ووصلنا إلى الشقة ففتح لنا بابها شاب دميم شديد الأدمة، يرتدي جلباباً، حسبته الخادم حتى حيّاه محمد المعلّم تحية حارة وناداه باسمه فهر، فأدركت أنه ابن رب الدار. ودلفنا مباشرة إلى الصالة، فإذا محمود شاكر وأم فهر وابنته وزوج ابنته، وقد اجتمعوا حول جهاز التلفزيون يتابعون تمثيلية مسلسلة. وقد كانت صدمة لي أن أرى هذا العملاق المخيف جالساً أمام التلفزيون يضيع وقته بمراقبة تمثيلية غثة».

فبعد الحذف تغير تصوير لحظة الوصول إلى الشقة ولحظة الدخول إليها إلى هذه الصيغة: «وصلنا إلى الشقة ففتح لنا بابها ابنه فهر. وإذ دلفنا وراءه إلى الصالة، فإذا بمحمود وأم فهر وابنته، وقد اجتمعوا حول جهاز التلفزيون يتابعون حلقات تمثيلية مسلسلة، وقد كانت صدمة لي... ».

أتذكر أني هاتفته عام 1998، في أثناء إعدادي لكتاب «العلمانية والممانعة الإسلامية: محاورات في النهضة والحداثة»، لأمر يتعلق بإيراد كلام له من كتابه «رسالة من تحت الماء.. وسخريات صغيرة أخرى»، أوردته على سبيل النقد، فأبديت له إعجابي الكبير بمقالاته وبكتبه، وأخبرته أني لم أستحسن حديثه عن فهر ابن محمود محمد شاكر، فهذا الحديث يتناقض والقيم التقدمية التي هو ينتمي إليها. ففي هذه القيم لا يعاب المرء على دمامته، ولا على لونه الأسود. وقلت أيضاً: إني لم أستحسن سخريته من الهيئة التي ظهر بها حين فتح لهما باب الشقة، ولا تقديمه للهيئة التي وجد هو ومحمد المعلم، محمود شاكر وزوجته وابنته وزوجها عليها بطريقة كاريكاتورية قدمهم فيها بصورة بائسة، وبخاصة أنهما زارا بيت محمود محمد شاكر على نحو مفاجئ. وفي تلك السخرية من ملبس فهر، وفي ذلك التقديم الكاريكاتوري، تعدٍّ سافر على الحريات الشخصية. وذكّرته أن هذا ليس من الليبرالية بشيء.

أجابني ضاحكاً: الكاتب أحياناً في لحظة الكتابة يقول أشياء عن الأشخاص المتحدث عنهم لا يقصد بها الإساءة إليهم، وإن بدت للقارئ أنها كذلك.

إجابته هذه كانت للتخلص من هذه الملحوظات المحرجة له، فهو قال عنهم ما قاله، لحنقه على محمود محمد شاكر؛ لأنه أساء استقباله، واتهم أباه أحمد أمين بأنه رجل خبيث، واتهمه بالاستسلام والإذعان لتأثير طه حسين وآرائه، واتهمه بالوقوف موقفاً ذليلاً من المستشرقين الخبثاء الحاقدين على الإسلام... إلخ.

ومما يدل على أنه يغلي من الحنق على محمود محمد شاكر بسبب ذلك، نبزه لابنه فهر بالدمامة وشدة السواد، مع أنه عادي الشكل، ساهياً عن أنه هو ليس بالقسيم الوسيم، وضيء الطلعة، أزهر اللون، بديع المحاسن، صافي الأديم.

وإذا ما تجاوزنا الكلام المحذوف بآخره، فالمقال كله كتبه بغرض الانتقام لكرامته الشخصية، والانتقام لكرامة أبيه الذي سبّه محمود محمد شاكر وأهانه أمامه. والمقال يُصنف على أنه مقال فضائحي.

ولا بد أن غيري من بعض المقربين له كانوا نبّهوه إلى تلك السقطة في مقاله، فأزالها منه.

في رد محمود محمد الطناحي على مقال حسين أحمد أمين الذي كان عنوانه «محمود محمد شاكر والسهام الطائشة»، أحال إلى مجلة «الجيل»، العدد الثاني، 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 1998. وهو في ردّه هذا كان يعتقد أن المقال نُشر أول مرة في هذه المجلة، وبهذا التاريخ!

ومع تأخر اطلاعه على هذا المقال الذي اطلع عليه مع إعادة نشره للمرة الثالثة في هذه المجلة، فإنه قدم معلومة مفيدة تتعلق بتاريخ كتابة حسين أحمد أمين لمقاله الفضائحي عن محمود محمد شاكر.

فلقد علم أنه كتب المقال بعد مقابلته لمحمود محمد شاكر يوم 12 ديسمبر (كانون الأول) 1983، ودفع به إلى مجلة «الهلال»، لكن رئيس تحريرها مصطفى نبيل رفض نشره. وهذا يعني أنه واجه عقبة رقابية تحول دون نشره في المجلات والصحف المصرية والعربية لسنوات، وأن نافذة النشر الوحيدة التي وجدها ليتيسر نشره فيها هي كتابه عن أبيه في طبعته الثانية.

وفيما يتعلق بتاريخ هذا المقال، أتذكر أن الكاتب والشاعر سعد الحميدين كتب في عام من أعوام أول التسعينات الميلادية، أو ربما عام 1989، مقالاً في جريدة «الرياض» عرض فيه بعض النقاط الساخنة والملتهبة في هذا المقال، وذلك استناداً إلى الطبعة الثانية من كتاب «في بيت أحمد أمين ومقالات أخرى».

المقال لافت؛ لأنه قدم عرضاً لمقال فضائحي عن محمود محمد شاكر، ومحمود محمد شاكر عند الإسلاميين هو بمثابة الصراط المستقيم في الأدب والثقافة العربية المعاصرة، وكاتبه حسين أمين يقدم الإسلاميون اسمه في مقالاتهم على أنه من معاول الهدم والتغريب وكتّاب الضلال والضلالة...

فمقال سعد الحميدين اللافت كان – على الأقل – يرشد الإسلاميين السعوديين إلى أصل المقال، أين نُشر أول مرة.

ومع قِدم مقال حسين أحمد أمين عن محمود محمد شاكر، فإني أجد الإسلاميين السعوديين وغير السعوديين الذين يستشهدون بأقوال شاكر على سبيل الاحتجاج بها، نقلاً عن مقال حسين أحمد أمين، عرفوا بخبر هذا المقال من كتاب «شخصيات عرفتها»، الصادر عام 2007، وذلك حين أعاد نشره للمرة الرابعة!

إعادة نشر مقال أو دراسة في أكثر من كتاب يعتبرها النبهاء مأخذاً على مؤلفها، إلا أن حسين أحمد أمين قلب هذا المأخذ عند قوم - هم الإسلاميون - إلى فضيلة؛ فمع تكرار نشره مقاله عن محمود محمد شاكر للمرة الرابعة، اطلع الإسلاميون - أخيراً - على أقوال شيخهم في هذا المقال التي طفقوا في سنوات متأخرة بإعادة روايتها في مقالاتهم بفرح وزهو وخيلاء!

لا يتوقف تأخر اطّلاع كثير من الإسلاميين على هذا المقال، بل يتعدى ذلك إلى كتبه، مع أن اسمه معروف لديهم عن طريق «العنعنة» الإسلامية التي يرجع تاريخ تردد اسمه فيها إلى المنتصف الأخير من الثمانينات وأول التسعينات الميلادية.

فهذا الكاتب الإسلامي منذر الأسعد في محاكاة لعنوان فيلم «بنات آخر زمن» – وهو فيلم سوري من أفلام البِكِّيني العربية الشهيرة، أُنتج عام 1973 – أخرج عام 1991 كتاباً عنوانه «إسلام آخر زمن» عن دار «المعراج» بالرياض، يرد فيه على الطبعة الثالثة من كتاب حسين أحمد أمين «دليل المسلم الحزين»، وعلى الطبعة الثانية من كتابه «حول الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية».

الطبعة الأولى للكتاب الأول كانت عام 1983، والطبعة الأولى للكتاب الثاني كانت عام 1985. وطبعتا الكتابين اللتين اعتمد عليهما في الرد، يرجع تاريخهما إلى عام 1987. وبعد فترة من إصدار هذا الكتاب أتبعه بجزء ثانٍ وجزء ثالث.

وفي عام 1997 جمع منذر الأسعد هذه الأجزاء الثلاثة، وأخرجها في كتاب واحد صادر عن «مكتبة العبيكان» بالرياض. وكانت «دار الصحوة» في القاهرة عام 1994، اختصرت خلاصة ما جاء في هذه الأجزاء الثلاثة في كتاب واحد، ووضعت له عنواناً جديداً هو «الكاذب الحزين وحبيب الملحدين والمنصِّرين حسين أحمد أمين»!

وإذا كان العنوان الأصلي يعيد إلى جيل السبعينات الميلادية المولعين بأفلام الإثارة والترفيه، ذكرياتهم البِكِّينية مع ناهد حلبي ونادية أرسلان وكاتلين وموني عبد في ذياك الفيلم، فالعنوان الجديد حوى ثلاث كلمات فيها قدر كافٍ من إيروتيكية التحريض العقدي الإسلامي.

إني متأكد لو أن الأستاذ منذر اطلع على مقال حسين أحمد أمين عن محمود محمد شاكر في الطبعة الثانية من كتابه عن أبيه، لشمل مقاله هذا بالرد؛ لأنه كان قد استعان بكتاب شاكر «أباطيل وأسمار» في مجادلته له. وهذا الكتاب هو الكتاب الذي وصفه حسين أحمد أمين في مقدمة مقاله بالكتاب الغريب!

والغرابة هي في هذا الوصف، فكتاب شاكر في الرد على لويس عوض «أباطيل وأسمار»، وكتاب زكي مبارك «جناية أحمد أمين على الأدب العربي»، هما من أمتن السجالات الأدبية والفكرية في القرن الماضي، وإن خالط الكتاب الأول تعصب طائفي وضيق أفق أدبي وفكري، وإن شاب الكتاب الثاني حدة وقسوة مفرطة على أحمد أمين وتصغير من شأنه.

العالم والمحقق الكبير محمود محمد الطناحي استقبل مقال حسين أحمد أمين عن محمود محمد شاكر بغير ما استقبله الإسلاميون به، لذلك تصدى للرد عليه بمقاله «محمود محمد شاكر والسهام الطائشة».

هذا المقال قرأته في كتاب «مقالات العلّامة الدكتور محمود محمد الطناحي) الذي صدر بعد وفاته في مجلدين (الكتاب صدر عام 2002، وهو تُوفي عام 1999). والذين جمعوا هذه المقالات ذكروا أنه نُشر في مجلة «الجيل» عام 1998، لكنهم لم يذكروا رقم العدد، ولم يسموا الشهر الذي صدر فيه.

ويبدو لي أن هذه المجلة مجلة مصرية صدرت في أواخر عام 1998، بدليل أن مقال حسين أحمد أمين – كما يذكر الطناحي في رده عليه – نشره في العدد الثاني منها فيما قبل الشهر الأخير من هذا العام. ولا أعرف إن كانت هذه المجلة مجلة أسبوعية أو نصف شهرية.

ويبدو لي أيضاً أن حسين أحمد أمين بدأ حذف الكلام الذي أشرنا إليه سابقاً من نشره مقاله في هذه المجلة. فلو لم يحذفه منه لكان الطناحي قد تناوله بالرد.

الطناحي من تلاميذ محمود محمد شاكر الذين كتبوا عنه كثيراً إيفاءً لحق أستاذه عليه.

فلْنَرَ إن كان موضوعياً في ردّه على حسين أحمد أمين، وعلى أسماء أخرى، أم كان متعصباً لأستاذه. وللحديث بقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو