شمال آيرلندا وغياب الحلول

شمال آيرلندا وغياب الحلول

الأحد - 12 شهر ربيع الثاني 1444 هـ - 06 نوفمبر 2022 مـ رقم العدد [16049]

هذه الأيام، تكاثف عتمُ الغيوم في سماء بلفاست. يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كان موعد انتهاء المدة المقررة أمام الأحزاب لتشكيل حكومة محلية في الإقليم. الفشل في تشكيل حكومة اضطر وزير شؤون شمال آيرلندا في حكومة لندن، إلى إصدار قرار بإجراء انتخابات عامة في الإقليم، قبل نهاية العام الحالي. في آخر الأسبوع المنقضي، تراجع الوزير عن قراره، وألغى الانتخابات. القرار قوبل في شمال آيرلندا بارتياح، لأنه لا أحد من السياسيين يود خوض انتخابات نيابية قبل أيام قليلة من احتفالات عيد الميلاد.
الحكومة المحلية في الإقليم معطلة منذ شهر فبراير (شباط) الماضي. والانتخابات التي أجريت في شهر مايو (أيار) على أمل أن تؤدي إلى عودة الحياة السياسية ساهمت في زيادة تعقيد وضع معقد، لأن نتائجها جاءت مخالفة لتوقعات الأحزاب الاتحادية البروتستانتية، بحصول حزب شين فين الكاثوليكي، للمرة الأولى، على أكبر عدد من المقاعد، الأمر الذي يؤهل زعيمته السيدة ميشيل أونيل لتولي منصب الوزير الأول في الحكومة المحلية، وفقاً لبنود اتفاق السلام لعام 1998.
الفشل في تشكيل حكومة محلية عقب الانتخابات يعود سببه إلى رفض أكبر حزب اتحادي بروتستانتي في الإقليم، وهو الحزب الاتحادي الديمقراطي DUP، المشاركة في الحكم إلا إذا قامت حكومة لندن بإلغاء بروتوكول شمال آيرلندا الموقع مع الاتحاد الأوروبي لدى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2020. البروتوكول جاء لحل معضلة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق. وضعية موقع شمال آيرلندا جغرافياً ملاصقاً لحدود جمهورية آيرلندا، صعّب من وصول الطرفين إلى اتفاق، لأن جميع الأحزاب السياسية في الإقليم رفضت بشدة عودة البوابات الحدودية مع جمهورية آيرلندا. للخروج من المأزق، غامر رئيس الحكومة البريطانية الأسبق بوريس جونسون بقبول التوقيع على اتفاق بروتوكول شمال آيرلندا مع الاتحاد الأوروبي. البروتوكول ينصّ على وضع حدود جمركية بين بريطانيا والإقليم في البحر، وبقاء الإقليم في السوق الأوروبي الموحد.
هذه الوضعية الجديدة زادت في حدة الانقسام بين البروتستانت والكاثوليك في الإقليم؛ ذلك أن حزب شين فين الكاثوليكي رحب بالبروتوكول، في حين أن الأحزاب الاتحادية البروتستانتية قبلته على مضض، واعتبرته بمثابة طعنة في الظهر من جانب حكومة لندن. الحزب الاتحادي الديمقراطي كان من أكثر الأحزاب البريطانية حماساً لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وشارك في الحملات الدعائية للخروج وقدم الدعم المالي، في حين أن حزب شين فين كان ضد الخروج. الآن، يشترط قادة الحزب الاتحادي الديمقراطي إلغاء البروتوكول لقاء عودة الحزب للمشاركة في الحكومة المحلية. الشرط غير قابل للتحقق، ولا يختلف عن «شرط النسيب الكاره» كما يقول مثل شعبي، لأنه يورط بريطانيا في حرب تجارية، ويفقدها سمعتها دولياً إذا أخلت به. ومع ذلك عملت الحكومة على إقناع بروكسل بإعادة التفاوض حول الاتفاق، إلا أن بروكسل رفضت الطلب البريطاني، ورضيت بإبداء مرونة في تطبيق بعض بنوده، كأن تسمح لبعض السلع التجارية البريطانية بالدخول إلى الإقليم من دون التعرض للضوابط والرسوم الجمركية.
الأمور ما زالت تراوح في نفس المربع. وترتب على ذلك تعطل الحكومة والبرلمان في بلفاست عن العمل، ولم يتم إنفاق الميزانية المقررة للإقليم لأن إنفاقها يتطلب وجود حكومة تحدد أوجه صرفها. هذا الموقف الإشكالي، فتح الأبواب أمام أصوات عديدة تدعو إلى التخلص من النظام الحالي، وإحلاله بنظام آخر، لا يتيح لأي حزب ابتزاز الوضعية التي أفرزها الاتفاق، باللجوء إلى الانسحاب من الحكومة والبرلمان المحليين، وتعطيل العملية السياسية في الإقليم، وموضحين بأن الوضع في الإقليم حالياً تغير عما كان عليه زمن توقيع الاتفاق في عام 1998.
وحظي أصحاب هذه الدعوة بدعم رئيس الحكومة الآيرلندية ميشيل مارتن، حين صرح مؤكداً أن «النظام الحالي لم يعد مناسباً للغرض الذي أنشئ من أجله».
واقترح البعض تشكيل حكومة محلية تتكون من الأحزاب غير الرافضة للمشاركة في الحكم والحكومة البريطانية. إلا أن حكومة دبلن عارضت المقترح، لأنه تجاهلها باعتبارها طرفاً ضامناً للاتفاق، ورأت أن تكون جزءاً في أي حكومة تؤسس بالمشاركة مع لندن. الاتحاديون البروتستانت، بدورهم، يرفضون أي تدخل لحكومة دبلن في الإقليم، ويعتبرونه تدخلاً خارجياً ممقوتاً في شأن داخلي، لأن الإقليم بريطاني السيادة. المشكلة هي أن قادة الأحزاب البروتستانتية على اختلافهم، بل حتى إن المعتدلين منهم، لن يقبلوا بأي وضعية سياسية تضعهم في مرتبة مساوية لحزب شين فين. وهذا السبب كان وراء رفض قادة الحزب الاتحادي الديمقراطي قبول المشاركة في الحكومة، لأن زعيمة حزب شين فين ستحظى بأعلى منصب فيها. لكنهم، وفي ذات الوقت لا يستطيعون المجاهرة بهذا الرأي، لأنه يُعدّ خروجاً على بنود اتفاق السلام الذي قبلوا به ووقعوا عليه عام 1998. المعلقون يقولون باستحالة قبول حكومة لندن إلغاء الاتفاق، ترضية لحزب سياسي واحد في الإقليم، نصيبه من الأصوات الانتخابية أقل من الخُمس.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو