الذكرى الستون لأزمة الصواريخ الكوبية

الذكرى الستون لأزمة الصواريخ الكوبية

الأربعاء - 17 شهر ربيع الأول 1444 هـ - 12 أكتوبر 2022 مـ رقم العدد [16024]

حين يتعرض المؤرخون، باختلافهم، إلى أزمة الصواريخ الكوبية في شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 1962 يتفقون على التأكيد بأن العالم كان محظوظاً، لنجاته من كارثة حرب نووية محقّة. وهو صحيح.
آنذاك، يؤكد المؤرخون أنه لولا حكمة الرئيسين الراحلين الأميركي جون كينيدي والسوفياتي نيكيتا خروتشوف، وانصرافهما عن سماع نصائح من كانوا حولهما من مستشارين ومساعدين، خصوصاً العسكريين منهم، لتحوّل عالمنا إلى أرض يباب.
نحن الآن في شهر أكتوبر عام 2022، على بُعد أيام قليلة من الذكرى الستين لتلك الأزمة، ومحاصرون برعب من احتمال نشوب حرب نووية، في حالة استمرار زحف الجيش الأوكراني وتراجع الجيش الروسي، في معارك الحرب التي اشتعلت في شهر فبراير (شباط) الماضي، وتزداد ضراوة كل يوم. مبعث الرعب هو أن خشية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من الهزيمة قد تكون حافزاً على لجوئه إلى استخدام الترسانة النووية الروسية. وسبق للرئيس الروسي أن لوّح مرات كثيرة بالتهديد باستخدامها، واللجوء إلى هذا الخيار، وأعاد التهديد مؤخراً. المعلقون الغربيون وصفوا التهديد الروسي الأخير بأنه أكبر تهديد نووي يهدد سلامة العالم منذ عام 1962. المعلقون لا يتوقفون، هذه الأيام، عن الحديث حول إمكانية لجوء الرئيس الروسي إلى تنفيذ وعيده، واستخدام أسلحة نووية تكتيكية صغيرة لردع الأوكرانيين، لمنع خسارة روسيا عسكرياً، على أمل الحفاظ على مصداقيته في بلده وخارجها. الكثيرون منهم يميلون إلى الأخذ بإمكانية رجحان كفة العقل والحكمة مقابل كفة التهور الكارثي. ومع ذلك لا أحد منهم يراهن بثقة على ذلك.
في أكتوبر عام 1962، كان الأمر مختلفاً. لم تكن هناك حرب قائمة، ولم يكن الجيش الروسي مهدداً بهزيمة، أو احتمال فقدان القيادة في الكرملين لمصداقيتها. وما حدث، حسب تفسيرات المؤرخين، هو أن الميزان العسكري النووي كان يميل لصالح الأميركيين بنسبة 17 إلى 1. وأن أميركا قامت بنشر صواريخ نووية متوسطة المدى في بلدين أوروبيين هما تركيا وبريطانيا. رجحان الكفة الأميركية نووياً، وقيامها بنشرها صواريخ نووية على مسافة قريبة من موسكو، دفع، وقتئذ، بالزعيم السوفياتي الراحل خروتشوف إلى المخاطرة، بالسعي إلى تجسير تلك الهوة النووية بين البلدين، بمحاولة نشر صواريخ نووية متوسطة المدى في جزيرة كوبا، قبالة الشواطئ الأميركية، كفيلة بتدمير مدن أميركية في حالة نشوب حرب. وما حدث هو أن السرّية المحاطة بها تلك العملية كشفتها طائرات التجسس الأميركية. وفي يوم 16 أكتوبر تأكد للرئيس الأميركي كينيدي ما قام به السوفيات، فجنَّ جنونه ومن معه من المساعدين في البيت الأبيض، وخرج على العالم مطالباً القيادة السوفياتية في موسكو بسحب الصواريخ، وأمهلهم فترة زمنية قصيرة، وإلاّ فإنها الكارثة.
الأزمة تلك استمرت ثلاثة عشر يوماً. وفي يوم 28 أكتوبر قرر الزعيم السوفياتي الانصياع للإنذار الأميركي، وسحب الصواريخ. خلال الفترة الفاصلة بين إعلان الإنذار الأميركي والانسحاب السوفياتي، قامت القوات البحرية الأميركية بضرب حصار حول جزيرة كوبا. وتجلت حكمة الرئيس الراحل كينيدي في ذلك الحصار بقراره ترك منفذ للخروج والانسحاب أمام السوفيات.
قرار الزعيم السوفياتي خروتشوف الامتثال للإنذار الأميركي، وسحب الصواريخ من كوبا، أثار غضب الرئيس الكوبي الراحل فيدل كاسترو، الذي كان يطالب بإطلاق الصواريخ النووية ضد المدن الأميركية. إلا أن حكمة الرئيس خروتشوف تجلّت في ذلك الموقف، ولم يولِ طلب الرئيس الكوبي إنصاتاً، مما أثار عليه غضب كاسترو ونقمته.
وعلى الجانب الأميركي كان المستشارون العسكريون يحيطون بالرئيس كينيدي على أمل إقناعه بشنّ غزو عسكري لاحتلال الجزيرة، وكانوا واثقين من تحقيق النصر. وتقول وثائق منشورة حول تلك الأزمة، إن رئيس أركان القوات الجوية، آنذاك، الجنرال كيرتيس ليماي، توقع أنه في حالة نشوب حرب نووية بين البلدين موت 400 مليون نسمة من سكان العالم. لكنه كان يرى بثقة أن ذلك ثمن مقبول مقابل التخلص من الشيوعية!
رفض الرئيس الأميركي نصائح جنرالاته العسكريين، كان مبعثه عدم ثقته بقدرة الطائرات القاذفة الأميركية على معرفة كل أماكن الصواريخ النووية الروسية في كوبا، ودكها. وفي تعليقه على مستشاريه من العسكريين في تلك الأزمة، قال الرئيس الراحل كينيدي ساخراً: «إذا استمعنا إلى ما يقوله لنا العسكريون، ونفّذنا ما يطلبون منّا، فلن يعيش منّا أي شخص، ليقول لهم فيما بعد إنكم مخطئون». ما قاله الرئيس كينيدي منذ 60 عاماً بخصوص العسكريين، يذكّر باللورد سيليزبيري، الذي كان رئيساً للحكومة البريطانية في بداية القرن العشرين، حين قال مرة إنه لو أنصت ونفّذ ما كان يطلبه منه العسكريون، لكان أرسل بقوات بلاده للحرب في كوكب المريخ!
الذكرى الستون للأزمة الكوبية، تمرّ بنا هذه الأيام الصعبة، والعالم يواجه واحدة من أخطر أزماته تعقيداً، والخروج منها أشبه ما يكون بمحاولة تمرير جمل من خرم إبرة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو