جنرال للمرة الأخيرة بعد القمة العربية

جنرال للمرة الأخيرة بعد القمة العربية

الثلاثاء - 16 شهر ربيع الأول 1444 هـ - 11 أكتوبر 2022 مـ رقم العدد [16023]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق

في حال استقر أمر السودان، وتم بالتراضي المأمول اقتسام السُّلطة، فإن الفريق عبد الفتاح البرهان سيشارك للمرة الأُولى في مؤتمر عربي على مستوى القمة، وتكون هذه المشاركة مناسبة لكي يتعرف على قادة لم يسبق أن يتعرفوا به، ذلك أنه على مدى سنتين تولى فيهما، وما زال، رئاسة مجلس السيادة، زار مصر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، ولقي من المساندة والنصح ما جعل صيغة الحكم الانتقالي في السودان تتماسك، ولا تعصف بها جولات وصولات الحراك الشعبي الذي رأى محركوه أنهم بالمظاهرات وببعض الهتافات المستفزة يمكنهم استبدال بصيغة المشاركة العسكرية - المدنية صيغة يكون الطيف العسكري مجرد مؤسسة من مؤسسات الحكم، وليست الحكم الذي يحتوي المؤسسات.
في القمة العربية الدورية العادية المأمول انعقادها في الجزائر يومي 1 و2 نوفمبر (تشرين الثاني) الآتي، سيجد الفريق البرهان أنه العسكري الوحيد بين الجمع الملكي والأميري والسلطاني والرئاسي، وهذا سيجعله يتأمل بعمق في نعمة استقرار الحكم الذي ثبَّت هؤلاء القادة أساساته، وفي أهمية الأخذ بالصيغة التي تجعل الاستقرار هذا يشق طريقه، وبخطوات مدروسة. وهذا على سبيل المثال والحصر، كون التجربة فريدة، ما اعتمده الرئيس عبد الفتاح السيسي في مصر الذي ابتكر صيغة شراكة الحكم على قاعدة التنمية، وبجميع مستوياتها تؤدي بموجبها المؤسسة العسكرية، إلى جانب الدور الأساسي لجهة صيانة الوطن وكيانه، وكذلك الأمن المجتمعي، مهمات في مشاريع متعددة الغرض ومتنوعة الإنتاج؛ من الغذاء إلى الدواء إلى التصنيع الخفيف، وبهذه الصيغة بات المواطن المصري مطمئناً إلى أن الحكم بالمعادلة التي بلور معالمها رئيس البلاد يحقق المطالب بقدر المستطاع، وانتهاج سياسة متوازنة، وبات في ضوء ذلك أيضاً لا يرى أنه يحتاج إلى الحزب السياسي الذي يتبنى المطالب ويمارس الضغط على مؤسسات الحكم لتأمين الاحتياجات، بل حتى إن صيغة «الحزب الوطني» الذي رأى فيه الرئيس الراحل أنور السادات سياجاً يحمي النظام من كثرة الأحزاب، لم تعد واردة في حقبة الحكم الحالي الذي يرى في الحوار الوطني الرحب خير بديل عن الحزب والمتحزبين.
وبالنسبة إلى السودان الذي يعيش منذ إسقاط نظام ذهب بعيداً في اقتباس حالة الحكم في مصر في ظل تجربة «الإخوان المسلمين»، حالة عدم الاستقرار على ما يحقق طمأنينة شعبية كتلك التي أمكن الرئيس عبد الفتاح السيسي تحقيق خطوات على طريق تثبيتها، فإن الصيغة المشار إليها هي الخيار الذي يبقى أفضل من أي صيغة قد تكون واردة في بال الثنائي البرهاني - الحميدتي القابض على الحكم منذ سنتين حفلت أيامهما الساخنة عموماً بالاجتهادات التي كانت تحتاج إلى الكثير من ترتيب الأولويات.
وإذا جاز الافتراض، فإن العالم العربي على موعد مع تغيير جذري في السودان بعد القمة العربية، ومشاركة البرهان فيها بالزي المدني (كما بدا في إطلالته من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة) غير تلك (البدلة) الجنرالية التي رأيناه مع أبناء الشعب السوداني المتلهف إلى رئيس مدني، يتعمد ارتداءها لدى تسلُّمه يوم الخميس أول سبتمبر (أيلول) 2022 أوراق اعتماد جون غودفري الذي هو أول سفير للولايات المتحدة لدى السودان بعد قطيعة دامت ربع قرن. وكان لافتاً أن غودفري، ومن قبل أن يقدم أوراق اعتماده إلى البرهان، حدد باللغة العربية التي اكتسبها من سنوات عمل دبلوماسي - أمني في سوريا وليبيا والعراق والسعودية، خريطة طريق مهمته سفيراً للولايات المتحدة لدى السودان غير المستقر على حال، وبدا بذلك قاطعاً الطريق أو مستبقاً خطوة نوعية يعمل الثنائي البرهاني - الحميدتي على إنضاجها، بحيث يتم حسم أمرها بعد أن يكون رموز العمل الحزبي والحراك الشعبي استقروا على حال، مقتنعين أن مرحلة الشراكة العسكرية - المدنية هي الصيغة التي يمكن الأخذ بها وقد اكتملت مقوماتها، حكومةً على قاعدة التراضي والإرضاء، أو برلماناً يكون نتاج انتخابات لا ضغوط عليها، أو برنامج عمل في ضوء خطة تنقذ السودان، فلا يصيبه ما أصاب ليبيا على سبيل المثال لا الحصر؛ حيث انتهى أمرها، وحتى أعجوبة تغيير تحدُث أو تُستحدث، أفغانستان بطبعة فريدة من نوعها.
وأما خريطة الطريق التي بكَّر السفير الأميركي في طرح ملامحها على الملأ السوداني، وكان بذلك سفير إحراج أكثر منه سفير لَأْم جراح معنوية أتعبت الطيف العسكري المستحوذ على السُّلطة، ورموز الحراك الشعبي الذين أنهكهم الصد العسكري لمطالبهم؛ فإنها تتمثل في الإيحاء بأنه جاء سفيراً ليحقق مطالب المطالبين بالحكم المدني، وإن هو اعتمد الصياغة الملطَّفة المتمثلة في قوله لرموز في الحراك الشعبي ضد الثنائي العسكري البرهان وحميدتي، كمثل عبارته: «إن السودان يجب أن يستأنف التحول الديمقراطي تحت قيادة مدنية»...
هنالك من دواعي الخشية ما يجعل الإدارة الأميركية تختار مَن يمثلها في السودان بلغتهم، ويتضمن كلامه ما يراه الطيف العسكري الممسك بمقاليد السلطة، إلى حين يجتمع رموز الطيف المدني على كلمة تحقق توافقاً ثابتاً على صيغة حكم بديلة، ليست تلك التي تعكسها بياناتهم، وبداية تصريحات السفير الأميركي، على نحو ما أشرنا إلى نموذج منها في سطور سابقة، وبالذات كلمة «يجب». وأما الدواعي فإنها الخشية من أن الطيف العسكري، وتحديداً الجناح الذي يمثله جنرال التدخل السريع حميدتي، قد يرى تحت وطأة الالتفاف على ما هو قائم - ومن أجل ذلك يأتي السفير جون غودفري - إبرام معاهدة فاعلة المضمون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خصوصاً أنه سبق لجنرال التدخل السريع أن باغت الإدارة الأميركية وزار موسكو، وأبرم اتفاقاً مع الرئيس الروسي ما زال طي الكتمان، وإن قيل في حينه إن ذهب السودان كان من ضمن التباحث بين الاثنين، وكذلك حسم مسألة القاعدة البحرية الروسية... إنما بعد استتباب الأمور وإمساك الثنائي العسكري بكامل خيوط المعادلة.
من شمائل أهل السودان عموماً أنهم صوفيون حتى إذا لم يكونوا في مجملهم تابعين لهذه الطريقة أو تلك. وهذه الصوفية تجعلهم أكثر قدرة على التحمل، ولكن يبدو أنهم في ضوء الدور الأميركي الذي رسم السفير بعض ملامحه على موعد ربما تكون التطورات فيه درامية، لكن في استطاعة البرهان في ضوء المشهد الوفاقي في القمة العربية الدورية المستضافة في الجزائر التي عانى شعبها على مدى ثلاث سنوات بمثل معاناة الشعب السوداني، أن يستخلص المتيسر من العِبر التي تقطع الطريق على العَبَرات في حال حدثت المفاجأة الدرامية الواردة الحدوث في أي لحظة.
ويبقى أنه لو أُجيز لمتابع - مثل حالي - قضايا السودان ماضياً وحاضراً ودائماً، تسجيل نقطة نظام، لكنت أوجزتها بالاستغراب لمطالبة البرهان يوم الثلاثاء 6 سبتمبر 2022 بريطانيا بالاعتذار عن جرائم مرحلة استعمار السودان، فيما المملكة المتحدة ومعها العالم من أقصاه إلى أقصاه في حالة من التآسي لرحيل الملكة إليزابيث الثانية التي كانت ذات ثلاثة أيام من الخمسينات زائرة مرحباً بها كل الترحيب من السودان، بدءاً بعاصمته المثلثة، وانتقالاً إلى مناطق أُخرى. وبعد انقضاء الأيام الحزينة، فلتكن مطالبة الملك تشارلز بالاعتذار عن مرحلة استعمار السودان.
أعان الله السودان وفرَّج كرب أهله الطيبين في ضوء القمة العربية في الجزائر، وخصوصاً إذا شارك فيها البرهان بصفته رئيس سلطة عسكرية، وعاد منها إلى السودان جنرالاً للمرة الأخيرة، وبدءاً لرئيس سلطة مدنية - عسكرية تعطي لكل طيف حقه ودوره. وعندها تستعيد ميادين العاصمة المثلثة هدوءها وصفاءها.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو