لماذا لم يعد الصينيون يتطلعون إلى أميركا؟

لماذا لم يعد الصينيون يتطلعون إلى أميركا؟

الجمعة - 15 محرم 1444 هـ - 12 أغسطس 2022 مـ رقم العدد [15963]
وانغ وين
* يُجري وانغ وين أبحاثاً حول الحوكمة العالمية وقام بدراسة عودة ظهور الصين كقوة عالمية، وهو عضو في الحزب الشيوعي وكبير محرري صفحة الرأي السابق في صحيفة «غلوبال تايمز» الناطقة بلسان حال الحزب الشيوعي الصيني، ومحرر بصحيفة «ذي بيبولز ديلي» الصينية.
* خدمة «نيويورك تايمز»

لطالما تطلع جيلي الصيني إلى الولايات المتحدة. فعندما كنت طالباً جامعياً في شمال غربي الصين في أواخر التسعينات، كنا نقوم أنا وأصدقائي بضبط البث على الموجات القصيرة لـ«صوت أميركا»، حيث صقلنا لغتنا الإنجليزية من خلال سماعنا واستيعابنا للأخبار الأميركية والعالمية. وكثيراً ما توافدنا على قاعات المحاضرات المكتظة كلما سمعنا عن وجود أستاذ أميركي زائر في الحرم الجامعي.
كانت أياماً مثيرة وكانت الصين في سبيلها للخروج من الانعزالية والفقر، وبينما كنا نتطلع إلى المستقبل، كنا ندرس الديمقراطية واقتصاديات السوق والمساواة والمُثل العليا الأخرى التي جعلت أميركا دولة عظيمة. لم نتمكن من تبني كل ما انبهرنا به بشكل واقعي بسبب ظروف الصين آنذاك، لكن حياتنا تغيرت عندما أعدنا معايرة اقتصادنا وفقاً لمخطط الولايات المتحدة.
قبل عقود، قال عالم إصلاحي إنه حتى القمر في الولايات المتحدة كان أكثر استدارة منه في الصين، وكنت أنا وزملائي في المدرسة نصدق ذلك.
لكن بعد سنوات من مشاهدة حروب أميركا في الخارج، والسياسات الاقتصادية المتهورة والحزبية المدمرة -التي بلغت ذروتها في هجوم العام الماضي المشين على مبنى الكابيتول الأميركي- فإن الكثير من الصينيين، بمن فيهم أنا، بالكاد يستطيعون التباهي بذلك الرقي بعد الآن.
لكن مع تدهور العلاقات بين بلدينا، أخذت الولايات المتحدة في توجيه اللوم لنا. فعل وزير الخارجية أنتوني بلينكن ذلك في مايو (أيار) عندما قال إن الصين «تقوض» النظام العالمي القائم على القواعد ولا يمكن الاعتماد عليها «لتغيير مسارها».
لكن لديّ مخاوف بشأن بعض سياسات بلادي. فأنا أدرك أن بعض الانتقادات لسياساتها لها ما يبررها. لكن يجب على الأميركيين أيضاً أن يدركوا أن سلوك الولايات المتحدة لا يشكل نموذجاً جيداً. لم يكن التحول في المواقف الصينية أمراً مفروغاً منه. ولكن عندما قصفت قوات حلف شمال الأطلسي (ناتو) بقيادة الولايات المتحدة عن طريق الخطأ السفارة الصينية في صربيا، عام 1999 في أثناء حرب كوسوفو، بدأ تمجيدنا لأميركا في التلاشي. وأسفر ذلك الهجوم عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 20 آخرين. بعد ذلك بعامين، اصطدمت طائرة تجسس أميركية بطائرة مقاتلة صينية في بحر الصين الجنوبي، مما أسفر عن مقتل طيار صيني. ربما بدت هذه الحوادث طفيفة نسبياً بالنسبة للأميركيين، لكنها صدمتنا. لقد تجنبنا إلى حد كبير الحروب الخارجية ولم نعتَد على موت مواطنينا في النزاعات التي تشترك فيها دول أخرى. واكتسب التحول في الإدراك وتيرته مع تطور العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وأصبح المزيد من الصينيين يمتلكون أجهزة تلفزيون. وشاهدنا تورط أميركا الكارثي في العراق، والتي انطلقت عام 2003 بذرائع كاذبة، وهي تُبث في منازلنا.
في عام 2008، كان على الصين أن تدافع عن نفسها ضد عواقب الجشع الأميركي عندما تسبب الإخفاق في إقراض الرهن العقاري في الولايات المتحدة في الأزمة المالية العالمية. واضطرت الصين إلى عمل حزمة تحفيز ضخمة، لكنّ اقتصادنا ما زال يعاني من أضرار جسيمة وفقد ملايين الصينيين وظائفهم.
بعد أسلافه من الرؤساء السابقين، أعلن باراك أوباما عن سلسلة من مبيعات الأسلحة إلى تايوان وشرع فيما يسمى «محور آسيا»، الذي عددناه محاولة لحشد جيراننا الآسيويين ضدنا. وأعلن الرئيس دونالد ترمب حرباً تجارية مدمرة ضدنا، وصُدم المواطنون الصينيون مثل أي شخص آخر عندما اقتحمت عصابة مؤيدة لترمب قلعة الديمقراطية الأميركية في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، وجاءت الزيارة التي قامت بها رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي إلى تايوان مؤخراً لتعكس خيبة أمل الكثير من الصينيين، الذين رأوا في ذلك انتهاكاً لالتزامات الولايات المتحدة بشأن تايوان.
إن منتقدي الصين في الولايات المتحدة بحاجة إلى إدراك أن مثل هذه التصرفات الأميركية لها انعكاساتها على الصين، وهو ما لا تريده الولايات المتحدة نفسها. فليس من قبيل الصدفة أن الإنفاق العسكري الصيني -وهو مصدر قلق في واشنطن لسنوات- بدأ في الارتفاع في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بعد قصف بلغراد وتصادم الطائرة. وسرعان ما انطلقت بعده الحرب في العراق لتُظهر مدى تقدم الجيش الأميركي مقارنةً بجيشنا. كان ضعف الصين في الماضي كارثياً، حيث هاجمت القوى الغربية الصين وأجبرتها على تسليم أراضيها في القرن التاسع عشر، وتسبب الغزو الياباني الوحشي في القرن العشرين في مقتل الملايين.
لا شك أن المسؤولين الأميركيين يريدون من الصين أن تتبع المسار الأميركي لليبرالية. ولكن على عكس أيام دراستي الجامعية، فقد تغيرت نغمة البحث الأكاديمي الصيني في الولايات المتحدة بشكل ملحوظ. واعتاد المسؤولون في الحكومة الصينية على التشاور معي بشأن فوائد أسواق رأس المال الأميركية والمفاهيم الاقتصادية الأخرى. فأنا مدعوٌّ الآن لمناقشة الروايات التحذيرية الأميركية، مثل العوامل التي أدت إلى الأزمة المالية. وقد سعينا ذات مرة إلى التعلم من نجاحات الولايات المتحدة، والآن ندرس أخطاءها حتى نتمكن من تجنبها.
كما أن الشعور بأميركا كقوة خطرة في العالم قد تسرب إلى المواقف العامة الصينية أيضاً. في عام 2020، لاحظت في برنامج تلفزيوني صيني أنه لا يزال لدينا الكثير لنتعلمه من الولايات المتحدة -وقد تعرضنا للهجوم على وسائل التواصل الاجتماعي الصينية. أنا متمسك بوجهة نظري ولكني الآن أكثر حرصاً في الحديث بإيجابية عن الولايات المتحدة. وعندما أفعل، أبدأ بالنقد.
لا يزال الطلاب الصينيون يرغبون في الدراسة في الجامعات الأميركية، لكنهم يخشون بشدة من العنف الأميركي باستخدام الأسلحة النارية أو الهجمات ضد الآسيويين أو وصفهم بأنهم جواسيس. ولذلك يجري تزويدهم بنصائح مشؤومة قبل ابتعاثهم إلى الولايات المتحدة مثل: لا تبتعد عن الحرم الجامعي، انتبه لما تقول، وابتعد عن الصراع.
وعلى الرغم من ضجر الصينيين من سياسة مكافحة فيروس «كورونا» الصارمة التي تتبعها بلادنا، فإن سجل أميركا السيئ بشأن الوباء قد عزز الدعم الشعبي الصيني لحكومتنا.
لنكنْ واضحين: الصين بحاجة إلى التغيير أيضاً. يجب أن تكون أكثر انفتاحاً على الحوار مع الولايات المتحدة، والامتناع عن استخدام مشكلات الولايات المتحدة كذريعة للتباطؤ في الإصلاح والرد بشكل أكثر هدوءاً وبناءً على الانتقادات الأميركية بشأن أمور مثل السياسة التجارية وحقوق الإنسان. لكن على الرغم من أننا لا نتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها الأميركيون، فإن الكثيرين في الصين يحبون ما نحن فيه الآن.
في أواخر السبعينات، كانت الصين منهكة ومصدومة من الدمار والمشقة التي سببتها الثورة الثقافية، التي كادت تدمّرنا. وبدأ دينغ شياو بينغ إصلاحات جلبت الاستقرار وساعدت في انتشال 800 مليون شخص من الفقر، فقد حققنا زيادات مذهلة في الدخل ومتوسط العمر المتوقع وبقينا بعيدين عن الحروب الخارجية.
تسمح لنا اللوائح الصارمة المتعلقة بالأسلحة النارية بالسير في أي شارع في البلاد ليلاً بلا خوف من التعرض للأذى. عندما ننظر إلى حصيلة الوباء الهائلة في أميركا، والعنف المسلح، والانقسامات السياسية، والهجوم على مبنى الكابيتول الأميركي، فإن ذلك يذكّر الشعب الصيني بماضيه الفوضوي الذي تركناه وراءنا.
لكن علينا أن نقول إنه لا شيء من ذلك يجب أن يكون موضع شماتة في أميركا ومشكلاتها. الولايات المتحدة القوية المستقرة والمسؤولة أمر حميد للعالم. لا يزال أمام الصين الكثير لتتعلمه من أميركا، ولدينا الكثير من الأشياء المشتركة. فها نحن نقود سيارات «فورد»، و«تسلا» الصينية، ونغسل شعرنا بشامبو «بروكتر آند غامبل» ونحتسي القهوة في «ستار باكس».
إن حل بعض أكبر مشكلات الكوكب أن نعمل معاً، لكن هذا لا يعني السير خلف أميركا إلى حافة الهاوية.
* يُجري وانغ وين أبحاثاً حول الحوكمة العالمية وقام بدراسة عودة ظهور الصين كقوة عالمية، وهو عضو في الحزب الشيوعي وكبير محرري صفحة الرأي السابق في صحيفة «غلوبال تايمز» الناطقة بلسان حال الحزب الشيوعي الصيني، ومحرر بصحيفة «ذي بيبولز ديلي» الصينية.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو