حلول إقليمية لأزمة المناخ العالمية: والبداية أفريقية

حلول إقليمية لأزمة المناخ العالمية: والبداية أفريقية

الأربعاء - 13 محرم 1444 هـ - 10 أغسطس 2022 مـ رقم العدد [15961]
د. محمود محيي الدين
اقتصادي مصري

في مبادرة غير مسبوقة للإعداد لقمة المناخ، التي ستستضيفها مصر في مدينة شرم الشيخ في شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، قامت رئاسة القمة بالتعاون مع الأمم المتحدة ورواد المناخ بتنظيم خمسة منتديات إقليمية تُعقد على مدار شهري أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول). انعقد أول هذه المنتديات الأسبوع الماضي في حدث نظمته لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا التي تضم دول القارة كافة، وذلك على مدار ثلاثة أيام، شارك فيها 400 من ممثلي الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات المالية والمكاتب الاستشارية ومنظمات المجتمع المدني.
وتحاول هذه المبادرة أن تبرهن عملياً على أن جهود العمل المناخي في مجالات التخفيف من الانبعاثات الضارة والتكيف مع آثارها يمكنها أن تقدم حلولاً للأزمات الراهنة التي تواجه العالم خصوصاً فيما يتعلق بارتفاع أسعار الطاقة والغذاء. كما أن تمويل العمل المناخي يمكنه يقدم فرصاً كبرى للاستثمار، وليس بالضرورة أن يكون هذا التمويل على حساب مزيد من الديون تثقل كاهل البلدان النامية المنهك أصلاً باستدانة تفوق الطاقة.
لقد عانت البلدان النامية من نهج اختزل الاستدامة في تخفيف انبعاثات الكربون وتسعيرها، واختصر إجمالي التمويل المطلوب في مائة مليار تُمنح سنوياً وعدت بها الدول المتقدمة في اجتماع كوبنهاغن في عام 2009 ولم يتم الوفاء بها بالكامل منذئذ.
كما كثرت التعهدات من الحكومات والشركات على السواء بالتزامات جديدة للعمل المناخي غُلِّفت بعبارات طنانة عن محبة الكوكب واستعادة خضرة أراضيه وزُرقة محيطاته وبحاره وتخفيف سخونة حرارته ولكن تأتي التقارير العلمية السنوية بأننا لسنا على النهج المنشود بل بانحراف شديد عن الأهداف الصفرية، وأن الرقم الحرج الذي يجب عدم تجاوزه، وهو 1.5 درجة مئوية ارتفاعاً عن متوسط درجة حرارة الأرض إبان بداية الثورة الصناعية الأولى، أصبح صعب المنال.
والبلدان الأفريقية مجتمعة لا يشكل إسهامها في الانبعاثات الضارة بالمناخ أكثر من 3 في المائة من إجمالي الانبعاثات العالمية، ولا يفسر هذا الرقم أنها تنتج وتستهلك بتكنولوجيا متوافقة مع تعهدات اتفاق باريس، بل إن هذا الرقم يعكس مأساة التراجع في الإنتاج وانخفاض متوسطات الاستهلاك وفقاً للتكنولوجيا السائدة. وليس المطلوب من القارة الأفقر أن تستمر على فقرها وأن يظل نصف أهلها محرومين من الكهرباء والطاقة النظيفة؛ فمن كل أربعة بلا خدمات كهرباء في العالم هناك ثلاثة أفارقة. وفي حين برر الاتحاد الأوروبي استخدامه للغاز الطبيعي كمصدر «انتقالي» للطاقة إلا أن هناك تعنتاً مع استخدام دول أفريقية لمصادر الغاز الطبيعي فيها التي لن تزيد من انبعاثاتها بأكثر من نصف نقطة مئوية ليصبح إسهامها في إجمالي الانبعاثات الضارة 3.5 في المائة، وإذا ما قارنّا متوسط نصيب الفرد في أفريقيا مقارنةً بالدول المتقدمة ستجد أن متوسط نصيب الفرد في دول مثل تشاد والنيجر وأفريقيا الوسطى لا يتجاوز 10 في المائة من الطن الواحد للكربون بما يقل 160 مرة عن نصيب الفرد الأميركي أو الأسترالي، و55 مرة عن نصيب الفرد في فرنسا أو المملكة المتحدة. لسنا حتماً، ولا ينبغي أن نكون، في سباق لمن هو الأكثر إضراراً بالمناخ، ولكننا بصدد الدفع نحو نمو شامل ومتوازن للدول النامية بتكنولوجيا متوافقة مع تحقيق أهداف التنمية المستدامة واتفاق باريس، تضمن إدارة عادلة وكفؤة لاستخدامات الطاقة التي من دونها لن ترى الدول نمواً أو تنمية.
وترجمت هذه الأولويات إلى جلسات وورش عمل المنتدى الإقليمي الأفريقي الأول الذي عُقد تحت عنوان «نحو القمة الـ27 للمناخ: مبادرات لتمويل العمل المناخي وأهداف التنمية المستدامة»، على النحو الآتي:
الانتقال العادل للطاقة، والأمن الغذائي، وأسواق الكربون، والتحول الرقمي، والاقتصاد الأزرق، وإدارة المياه والمدن.
وفضلاً على مناقشة أطر السياسة العامة الحاكمة للاستثمارات المطلوبة في هذه المجالات الستة الحيوية، تم استعراض 19 مشروعاً محدداً من قائمة ضمّت 140 مشروعاً مقدماً من الدول والمنظمات والمؤسسات الأفريقية، فضلاً عن إسهامات الاتحاد الأفريقي وبنك التنمية الأفريقي وعدد من بنوك الاستثمار العاملة في القارة. وقام فريق عمل من مؤسسة «بي سي جي» والمجموعة الأفريقية التابعة لرواد المناخ و«تحالف جلاسجو للصافي الصفري» المعروف اختصاراً بـ«جي فانز» والذي يضم 450 مؤسسة تمثل 130 تريليون دولار من الأصول التي تديرها أو تقدم استشارات لها، وقد وجّه مارك كارني الرئيس المشارك للتحالف، كلمة للملتقى مناقشاً فيها فرص ومجالات التمويل الممكنة في أفريقيا. وما يميز هذه المشروعات الواعدة في مجالات العمل المناخي أن 70 في المائة منها لها بُعد إقليمي أفريقي يتجاوز إيجابياً حدود الدولة المستضيفة لاستثماراتها. وقد حظيت مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وتكنولوجيا احتواء وتخفيض الانبعاثات الكربونية باهتمام في المناقشات التمهيدية مع فرص واعدة للاستثمار فيها بالتعاون مع ثلاثة بنوك استثمار أبدت اهتماماً بالمضي قدماً في الإعداد لها مع تحديد الجدول الزمني وحجم التمويل المطلوب؛ وستتابع اللجنة الاقتصادية لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا بإشراف مباشر من مديرتها التنفيذية فيرا سونغ وي، جميع ما تم التعهد به في هذا الشأن والإعلان عنه في فاعليات قمة المناخ بشرم الشيخ.
وفيما يتجاوز تفاصيل المشروعات المقترحة وقطاعاتها أظهرت جلسات نقاش المنتدى الأفريقي أهمية أن تعطي قمة المناخ الأولوية لتفعيل التعهدات الملزمة التي سبق الإعلان عنها، وهو ما أكده الرئيس المكلف لقمة المناخ وزير الخارجية المصري سامح شكري، في كلمته الموجهة إلى الملتقى. كما أوضحت كلمات المشاركين من المسؤولين الأفارقة أهمية أن توضع إجراءات العمل المناخي بالتوافق مع أهداف التنمية المستدامة والتصدي للأزمات الراهنة خصوصاً فيما يتعلق بأسعار الغذاء والوقود، وهو ما أشارت إليه أيضاً نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد.
وكما أشرت في كلمتي في الملتقى، فإن ما يميزه هو جمع أطراف قلّما اجتمعت تحت سقف واحد، ودأبت على الحديث عن التعاون مع غياب شركاء التعاون في مجالات التمويل الاستثمار والتمويل والتنمية. وكأنها في جزر منعزلة تجد جهات التمويل في محافلها تعلن عن توفر التمويل اللازم ولكنها تفتقد المشروعات ذات الجدوى الجديرة بالتمويل، أما المسؤولون عن قطاعات الاستثمار في الإنتاج والبنية الأساسية فيؤكدون في مؤتمراتهم توفر الفرص في مشروعات شتى ولكنها تفتقر إلى الممولين الجادين. فكان الحل على نهج أهل الحصافة أن تُجسَّر فجوات المعلومات وتُبنى معابر بين الجزر المتفرقة ليتم الجمع بين جانبي العرض والطلب، كأنها أيضاً تصوير عملي لما استمعتُ إليه من أهلنا في الريف لمن ادّعى مهارة في ركوب الجِمال كما يقول المثل الشعبي الدارج «آدي الجمل وآدي الجمال» اختباراً للمصداقية والمهارة المدَّعاة. فهذه جِمال المشروعات قد حُشدت وجُمع لها جمّالون يتبارون في قدراتهم على قيادتها في سباق لإنجاز استثمارات طال انتظارها خصوصاً في مجالات الطاقة والبنية الأساسية والإنتاج الزراعي وإدارة موارد المياه.
هذه الاستثمارات المطلوبة تتضاءل بالنسبة إلى أحجامها الهائلة تلك الأرقام المتواضعة لتعهد كوبنهاغن ذي المائة مليار دولار التي لا يشكل أكثر من 5 في المائة من احتياجات الدول النامية السنوية من مجالات العمل المناخي، بما يحتم ضرورة مراجعتها والبحث عن مصادر إضافية عامة وخاصة للتمويل الإضافي. كما أن نسب المديونية المرتفعة توجب الاعتماد على الاستثمار والمنح واللجوء لقروض ميسّرة طويلة الأجل إذا تعذرت سبل الاستثمار والمنح أو قلت عن الاحتياجات. وتبزع فرص تفعيل أساليب الابتكار المالي والتمويل المدمج وتخفيض الديون مقابل الاستثمار في العمل المناخي، وكذلك تطوير أسواق الكربون بما يناسب احتياجات الدول النامية على النحو الذي نوقش في جلسات الملتقى.
أما الفرس الرابح في سباق العمل المناخي فهو الاستثمار في البشر ومهاراتهم في قطاعات التكنولوجيا، بما في ذلك مجالات التحول الرقمي وبنيته الأساسية. فالاعتماد المتبادل بين التكنولوجيا والاستدامة أصبح أكثر وضوحاً خصوصاً في تخفيض تكلفة إنتاج الطاقة من مصادرها المتجددة وتطوير سبل تخفيف الانبعاثات الكربونية في مراحلها كافة. ويستلزم ذلك استراتيجية متكاملة للاستفادة من مستجدات العصر الرقمي. هذا المنتدى الأفريقي بحلوله المقترحة وثمار مشروعاته المرتقبة هو بداية تعقبها أربعة منتديات إقليمية أخرى ستُعقد على الترتيب المعلن على مدار الأسابيع القادمة في المقرات الإقليمية للجان الاقتصادية للأمم المتحدة في آسيا (بانكوك) وأميركا اللاتينية والكاريبي (سانتياغو) والدول العربية (الإسكوا - بيروت) وأوروبا (جنيف). وستُعرض نتائج هذه المنتديات وقوائم مشروعاتها المرشحة للاستثمار وتوصياتها العملية في قمة المناخ بشرم الشيخ التي تتبنى نهج تنفيذ التعهدات.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو