الإعلام... والضحية الأيقونة

الإعلام... والضحية الأيقونة

الاثنين - 11 محرم 1444 هـ - 08 أغسطس 2022 مـ رقم العدد [15959]

عندما اندلعت الانتفاضة في مصر في عام 2011، كانت هناك حاجة ماسة لإنتاج رموز سياسية لمرحلة جديدة ونادرة لم تعرفها البلاد، ولم تألف أساليب التعامل معها، ولمقابلة هذا الاحتياج ستجتهد وسائل الإعلام، وأصحاب المصالح، والقوى السياسية الصاعدة، في البحث والتنقيب عن خامات صالحة للبناء عليها وتقديمها للناس.
وسيبرز في هذا الإطار اسم ناشط شاب، بدا أن الشروط اللازمة لتقديمه كـ«أيقونة ثورية» و«مثال مُلهم» متوافرة؛ فهو معارض لنظام مبارك، ولديه موقف واضح ونشاط ميداني فعال، والأهم من ذلك أنه يعكس سوية ناجحة علمياً واجتماعياً ومهنياً.
تلك خامة صالحة بكل تأكيد لتطويرها واستخدامها في هذا الإطار، وبالتالي، فلن يُفوت الإعلام الفرصة، وسيسعى جاهداً لتسويق تلك الصورة في طبيعتها الرمزية الأيقونية، وسيكون التأثير كبيراً، وسيضحى النجاح مضموناً.
لكن المآلات كانت تعيسة، ولم تترجم المقدمات الواعدة. ووفق أفضل تجليات التحليل، التي تقاطعت مع تلك الحالة بغرض سبر أغوارها، فإن الضغوط الإعلامية وتكاليف النجومية تضافرتا مع التطورات السياسية لتحبط هذا المسعى؛ فيتحول الرمز الأيقوني الواعد لاحقاً إلى حالة مثيرة للتساؤلات في معظم الأحيان، وباعثة على الأسى في بعضها، لتتبدد الفكرة ويعاني الرمز الأيقوني من أعراض انسحابها، عبر سلوكيات حادة ومثيرة للاستياء.
لا تتوقف وسائل الإعلام المختلفة عن أداء هذا الدور في معظم المجتمعات؛ فهي مهتمة عادة بصنع الرموز وتسويقها عبر أقنيتها، والرمز لغوياً هو الإيماءة والعلامة، إذ يطرح كناية خفية، يدركها المُتلقي، فتحفز خياله، وتستنفر عواطفه، لكنه في طاقته التأثيرية تلك يترك أثره في الرمز/الضحية، ويحوله مفعولاً به مُستباحاً لغرض الترميز، ويطالبه بأن يبقى في حالته الرمزية، التي قد يضيق بها عقله وجسده وروحه، ويعجز عن تلبية متطلباتها.
في أحد البلدان المشرقية المعروفة بنشاط كبير لمجتمعها المدني، فهمت هذا المعنى من ناجية من مرض السرطان، حيث أسرت لي بأنها تعاني كثيراً من دعوتها المتكررة لرواية تجربتها عن التعافي من هذا المرض، في وقت أصبح فيه هذا الأمر جزءاً من الماضي الذي تريد أن تنساه، لكن معدي البرامج يعرضون عليها مبالغ مالية لقاء مواصلة تأدية «الدور»، وهي مبالغ «لا يمكن مقاومتها».
وفي غازي عنتاب بجنوب تركيا، روت لي مهاجرة سورية أن محاولات كثيرة بُذلت لكي يتم تدريبها على التحدث لوسائل الإعلام من قبل مؤسسات داعمة للمهاجرين، لكنها لم تجد نفسها في هذا المجال، وأن أفضل ما يمكن أن تفعله في هذا الصدد هو محاولة نسيان ما جرى في رحلة النزوح، والتركيز على حياتها الجديدة التي بدت قابلة للترميم والنزوع إلى الأمام.
ستُلح وسائل الإعلام، وبعض مؤسسات المجتمع المدني، على هؤلاء الضحايا والناشطين لكي يبقوا في حيز الرمزية، وستجتهد لصناعة أيقونات منهم، وسيكون ذلك في شتى القضايا والبلدان، وسواء كانت الضحية/الرمز مُغتصبة إيزيدية، أو معارضاً سياسياً صينياً، أو هندية مُتحولة جنسياً، فإن الإعلام لن يتوانى عن استدعائها وتكرار قصتها ومحاولة استنطاقها، لتقول كل يوم جديداً، فتبقى القضية مثارة، والناس منتبهين، والعواطف جياشة.
في الشهر الماضي، تم افتتاح معرض بعنوان «قصة حب» في صالة عرض «تيت ليفربول»، بالمملكة المتحدة، بغرض تسليط الضوء على الطبيعة العالمية لقصص اللاجئين، حيث كان من المفترض أن يجلس لاجئ أنغولي أو تشادي أو سوري على مقعد أسود، وخلفه ستارة خضراء، ليروي قصته.
إنه عمل إنساني وفني رائع بكل تأكيد، فتسليط الضوء على اللاجئين، واستثارة العواطف بشأنهم، أمر مهم لتطوير الرأي العام بصدد قضيتهم، وهو ما سينعكس لاحقاً في سياسات أكثر إنسانية ورشادة حيال تلك القضية.
لكن صاحبة المشروع كانديز بريتز، تفاجأت، كما تقول، بسؤال وجهه لها أحد اللاجئين؛ وكان مفاده: لماذا لا يقدم نجوم من هوليوود قصصنا للناس؟ ألن يكون هذا أجدى وأكثر تأثيراً؟
بالفعل، فقد اتصلت بريتز بنجمين من هوليوود لتقديم تلك القصص، وهو أمر سيحتاج إلى درجة من التقمص العاطفي والوجداني، وتشبع بالقصة وفهم لأبعادها، قبل روايتها للجمهور بواسطة ممثلين محترفين.
سيرى بعض النقاد أن الضحايا أقدر على عرض قضيتهم، وأن الصدق والتعبير المباشر عن المعاناة والألم سيوصلان الرسالة بفاعلية أكبر، لكن ذلك سيتطلب «ترميز» الضحايا، وإخضاعهم لمقتضيات تسويق الصورة وآلياتها وشروطها الإعلامية، وهو أمر سيؤدي إلى تسليع ما لا يجب تسليعه.
تعتقد وسائل الإعلام أنها تؤدي عملاً ناجحاً عندما تُرمز حدثاً أو «بطلاً» في صورة أيقونية، وهو أمر يستحسنه الجمهور عادة، لكن تكلفة هذا العمل الإنسانية قد تكون كبيرة على الرمز/الضحية، وقد تعكس صورة لشيء لم يعد موجوداً في الواقع.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو