مارك بوكانان
TT

محيطات الأرض وبحارها تختنق بالبلاستيك... هل من مجير؟

يزداد اختناق بحيراتنا وأنهارنا ومحيطاتنا بالبلاستيك، إضافة إلى تريليونات الشظايا المتناهية الصغر الناتجة عنه من كل المنتجات المفيدة والمعمرة بشكل مزعج. ازداد هذا السيل من الفضلات بشكل تصاعدي طوال ستين عاماً؛ حيث يتم إلقاء نحو 10 ملايين طن من الزجاجات والشبكات والأكياس والدلاء وأغلفة الأطعمة سنوياً، سواء بشكل متعمد أو باستهتار ولا مبالاة، في قنوات المياه، ما يؤدي إلى اختناق وموت الحياة البحرية، وتدمير أعضاء الكائنات الحية التي قد يكون من ضمنها البشر الذين يتناولونها.
ما الذي يسعنا فعله؟ نحن نحاول طوال سبعين عاماً إعادة تدوير البلاستيك من دون تحقيق أي نجاح يذكر. يعتقد البعض أن الأمر لن ينجح حقاً، ويُعزى ذلك بدرجة كبيرة إلى وجود أنواع كثيرة من البلاستيك، وعدم إمكانية إعادة تدويرها معاً. كذلك لا تزال تكلفة عملية إعادة التدوير أكبر من تكلفة تصنيع بلاستيك جديد، ومن المتوقع أن تنتج صناعة البلاستيك عام 2040 كمية تعادل ثلاثة أمثال البلاستيك الموجود حالياً. لقد أصبح البلاستيك مشتبكاً داخل منظومتنا البيئية إلى حد جعل البكتيريا تتطور لهضمه.
الغريب في الأمر أن تلك الكائنات قد تحمل معها بصيصاً من الأمل. من العراقيل الرئيسية التي تعترض طريق تنفيذ عملية إعادة تدوير ذات تكلفة مقبولة، العثور على إنزيمات كيميائية قادرة على تحليل البلاستيك سريعاً، واستعادة الجزيئات التي كانت مكوّنة له بالأساس، ويمثل ذلك خطوة أولى ضرورية ومهمة في عملية إعادة تكوين المادة وإعادة استخدامها.
اكتشف العلماء من خلال دراسة تلك البكتيريا الآكلة للبلاستيك وجود بعض الإنزيمات القادرة على تحليل البلاستيك بشكل أسرع مما كان متاحاً منذ عقد مضى. يمثل ذلك تقدماً كبيراً يبتعد عن عملية إعادة التدوير التقليدية التي تستخدم الحرارة لإذابة البلاستيك، مما يؤدي إلى فقد وإهدار المادة المفيدة. بعدما استعرضت شركة في فرنسا تسمى «كاربيوس» الطريقة الجديدة، من المنتظر أن تعمل على إعادة تدوير 50 ألف طن من البلاستيك سنوياً قريباً. مع ذلك من المرجح ألا يكون ذلك سوى البداية، فهناك أمل أكبر في تحقيق إنجازات كبيرة في كيمياء إعادة التدوير، مصدره جهلنا الحالي الكبير بعلم الأحياء الدقيقة في البحار، والتي يتأهب كل من علم الجينوم وتكنولوجيا الحاسوب الآن لتغييره.
نحن لا نعلم سوى القليل عن الميكروبات الموجودة في عالمنا، وعندما يدرس علماء الأحياء المحتوى الوراثي لعينات من مياه البحار، يجدون أن ثلثي ما يكتشفونه لا يشبه أي شيء موجود في الكائنات الحية المعروفة. على سبيل المثال استخدمت دراسة أجراها باحثون حديثاً في معهد علم الأحياء الدقيقة في جامعة «المعهد الفيدرالي للتكنولوجيا» بزيوريخ السويسرية (إي تي إتش)، علم الجينوم الحاسوبي لتحليل أكثر من ألف عينة من مياه البحار تم الحصول عليها من مواقع كثيرة وعلى أعماق متباينة، وخلصت إلى إنتاج خريطة وراثية كاملة لنحو 26 ألف كائن حي، 2700 منها لم يكن معروفاً في السابق. كذلك لا نعرف الكثير عن الميكروبات الموجودة في التربة، فنحو 99 في المائة من المورثات التي تم التعرف عليها في عينات عشوائية مأخوذة من التربة الفوقية غير موجودة في قواعد البيانات الخاصة بالمورثات الميكروبية المعروفة.
يمثل الميكربيوم -وهو عالم من الكائنات الحية الميكروبية- كنزاً من الأدلة الكيميائية التي قد تسهم في إنتاج عقاقير جديدة محتملة، وغيرها من المركبات الكيميائية الحيوية التي ربما تكون مفيدة. توصلت دراسة جامعة «إي تي إتش» في زيوريخ وحدها إلى ما يزيد على 40 ألفاً من عناقيد المورثات الجديدة المخلّقة بيولوجياً، وهو مصطلح يستخدمه علماء الأحياء للإشارة إلى عناقيد صغيرة من المورثات المرتبطة بعضها ببعض، والتي تساعد في إنتاج جزيء نشط حيوياً بشكل خاص. وتعدّ تلك المورثات بالنسبة إلى العلماء من المؤشرات الأولية في عملية البحث عن مركبات دوائية جديدة ومفيدة.
تساعد تلك الدراسات أيضاً العلماء في تحديد إنزيمات جديدة قادرة على هضم البلاستيك. وحدد عالم الأحياء، ألكسيج زليزنياك، من جامعة شالمر للتكنولوجيا في السويد، مع زملائه، في دراسة تم نشرها خلال العام الماضي، إنزيمات محللة للبلاستيك موجودة في كثير من البكتيريا، من بينها بكتيريا تعيش في المحيطات والتربة. كذلك لاحظوا في البكتيريا التي تعيش في المحيطات وجود علاقة قوية بين تنوع تلك الإنزيمات ومقدار التلوث المحلي بالبلاستيك. خلال الـ60 عاماً من التلوث بالبلاستيك، كانت البكتيريا تستجيب بالفعل من خلال تطوير كيمياء حيوية قادرة على هضم البلاستيك باعتباره مصدراً للغذاء. وفي المقابل، تقدم هذه الهندسة البكتيرية مفاتيح حل وإشارات بشأن كيفية إنتاج إنزيمات أفضل في عملية إعادة التدوير؛ وبفضل هذه البيانات الخاصة بالبكتيريا، وباستخدام طرق علم الجينوم الحديثة وتعلم الآلة، تمكّن الباحثون أيضاً من تحديد أكثر من 30 ألف جزيء محتمل جديد، من المتوقع أن يتسم بخصائص قوية قادرة على هضم نحو عشرة أنواع مختلفة من البلاستيك.
بطبيعة الحال، هناك عراقيل أخرى تواجهها عملية إعادة تدوير البلاستيك، منها تراجع المشاركة المجتمعية في الأمر؛ لكن ذلك الوضع بدأ في التغير، وقد تم الدفع باتجاهه جزئياً بفعل الحظر الذي فرضته الصين على استيراد المخلفات البلاستيكية، مما جعل من الصعب على الدول الغربية إخفاء نصيبها من التلوث البلاستيكي، بشحنه بعيداً عن أراضيها.
مع ذلك، نحتاج إلى التزامات أكبر وأقوى من جانب الحكومات لفرض ضرائب على استخدام الأغلفة البلاستيكية، وتشجيع استخدام بدائل تغليف أخرى يدخل فيها قدر أقل من البلاستيك، أو لا يدخل فيها بلاستيك إطلاقاً. إذا اتخذنا تلك الخطوات، فلن يكون الأمل في عثور العلماء في غضون 10- 20 عاماً، مسلَّحين بمزيد من المعرفة بعالم الأحياء الدقيقة البحرية، على مجموعة من الإنزيمات القادرة على هضم أنواع كثيرة من تلك التي تنتجها صناعة البلاستيك سريعاً ضرباً من الجنون. إذا ما حدث ذلك فربما يكون هناك أمل في نظافة المحيطات في نهاية المطاف.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»