ورحل باركيندو الإنسان في ليلة احتفاله

ورحل باركيندو الإنسان في ليلة احتفاله

الخميس - 8 ذو الحجة 1443 هـ - 07 يوليو 2022 مـ رقم العدد [15927]

كم هو مؤلم فراق من نحب ويحبوننا، والأكثر ألماً عندما نفارقهم، ولا نستطيع أن نخبرهم بكل ما نحس به تجاههم.
هذا الألم هو بالضبط ما شعرت به صباح الأربعاء عندما بلغني خبر وفاة الأمين العام لمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، النيجيري محمد سنوسي باركندو، الذي كان بمثابة الأخ الأكبر لي.
ومن باب الوفاء له، أريد أن أتكلم عن الجوانب الإنسانية لدى الفقيد، بعيداً عن حياته العملية التي نعرفها كلنا من موقع «أوبك»، أو من موقع ويكيبيديا وغيرهما.
وسأبدأ بسؤال يتبادر إلى ذهن القارئ، وهو لماذا أعتبره أخي رغم فارق المنصب والسن؟ والإجابة هي لأننا اجتمعنا في عالم لا يوجد به كثير من المشاعر، بل كثير من المصالح، ونشأت بيننا رابطة قوية، لا علاقة لها بعملي صحافياً، وبعمله أميناً عاماً للمنظمة.
للذين لا يعرفون شيئاً عن عالم «أوبك»، فهو عالم موحش وكئيب، يتصارع فيه مئات المحللين والصحافيين للظفر بمعلومة تحرك السوق أو تساعد أحدهم على أخذ قرار بشراء أو بيع العقود المستقبلية.
ذلك العالم يتعامل فيه صحافيو النفط كالجياع الذين يبحثون عن لقمة خبز، ويتعامل فيه مسؤولو الإعلام في دول «أوبك» معهم على أساس أنهم يسترقون السمع. وكم سمع صحافيو النفط من إهانة، وكم تم التلاعب بهم من قبل أشخاص من المفترض أنهم على قدر كبير من التحضر.
ولكن لا يوجد تحضر بين الصحافيين والمسؤولين في عالم «أوبك»، لأن الأمر مجرد لعبة قديمة؛ حيث تعطي المعلومة صاحبها نفوذاً كبيراً، وتجعل من الصحافي أشبه بالمتسول الباحث عن لقمة خبز.
في ذلك الفراغ الموحش من الزمن، كان باركيندوقلباً رحيماً وعطوفاً، وكان يحتوي الصحافيين الذين كان ينظر إليهم على أنهم مصدر إزعاج لا أكثر. ولا أبرئ الصحافيين من الممارسات اللاأخلاقية التي رسخت قناعة لدى المسؤولين أنه لا يمكن الوثوق بصحافي، مهما طال الزمن أو قصر.
وبغضّ النظر عن هذا الصراع، اجتمعنا أنا وباركيندو(أبو صديق كما يحب أن يناديه أصدقاؤه، وخاصة الخليجيون) على غير مصلحة. لم أكن صحافياً في نظره، ولم يكن أميناً عاماً في نظري. ورغم غرابة هذه الرابطة فإنها حدثت وعاشت وازدهرت، لأننا حافظنا عليها.
لقد سافرت مع باركيندومرات كثيرة، وكسرت أنا وهو رغيف الخبز في ليالي كثيرة، خاصة في رمضان.
كنت أستغرب وأنا أشاهد باركيندويجمع حوله الفقراء والمحتاجين ويهتم بهم. بل عندما كنا نطوف بالبيت العتيق أو نسعى على سنة هاجر، كنت أرى أشخاصاً بسطاء يعرفهم ويعرفونه، يلحقون به. وذات مرة رأى الدهشة على وجهي، فقال لي: «يا أبو عزيز، هؤلاء هم من سيدخلوننا الجنة، وليس ألقابنا ولا أوبك».
لقد كان باركيندوبسيطاً جداً، حتى أكله ومظهره. كنا نأكل الأكل النيجيري الشعبي الذي يشتريه بعض معاونيه لنا. وللأمانة بعض هذا الأكل كان ثقيلاً وصعب الهضم، ولكنه كان يعتز بكل ما هو نيجيري وأفريقي.
كان يلبس الشماغ، ويضعه فوق الطاقية النيجيرية، ويلبس ثوباً بسيطاً ويحضر بهذا اللباس إلى كثير من المناسبات الرسمية.
لقد كان مفرط السخاء، ولا يعير حساباً لما ينفقه، وكان لديه بعض العناد والتشبث بمواقفه، متى ما اقتنع بها.
باركيندورغم اطلاعه الواسع على سوق النفط، كان أقرب إلى الدبلوماسي منه إلى النفطي الفني الذي لا يفكر سوى في الإنتاج والطلب والعرض.
الراحل باركيندولم يصل لما وصل إليه إلا بالمشقة، واعتلى كثيراً من المناصب قبل «أوبك». وكان عالي الثقافة، وعلى قدر عالٍ من التعليم، تشهد له بذلك لغته الإنجليزية عالية المستوى.
ومن الصعب أن يصل إلى هذه المرتبة بدون الصبر، وقدرته على الاستماع. لقد كان يستمع ويصغي إلى الجميع، ولا يحقر رأياً ولا يأخذ موقفاً معادياً من أحد، بل كان الأمين العام المحبوب من قبل الأميركيين وشركات النفط الصخري، وهؤلاء قلما يحملون مشاعر طيبة تجاه أحد من «أوبك» لأنهم مؤمنون أن دول «أوبك» عدوهم اللدود... وتمكن من بناء علاقة جيدة مع وكالة الطاقة الدولية، العدو اللدود الآخر لـ«أوبك».
كان في كل أسفاره يلتقي بالجميع، ويعطي كل من يقترب منه أذناً صاغية حتى لو كان موظفاً صغيراً، ولهذا كانت لديه قدرة هائلة على جعل كل من حوله يشعرون بالتميز.
ومن بين من أعطاهم هذا الشعور الخاص، أنا، رغم أني كنت واحداً من بين مئات الصحافيين الذين يحضرون إلى فيينا في كل اجتماع للمنظمة.
لا أعلم ماذا رأى بداخلي وجعله يثق بي، ولهذا كنا نتبادل الشجون والأسرار، وكنت حريصاً على ألا يخرج شيء من هذا إلى العلن. وظلت هذه الثقة مصدر قوة علاقتنا. وتعلمت بسبب هذا أن حياتنا العملية لا تعني شيئاً إذا فقدنا إنسانيتنا، وهو ما جعلني أتحاشى سؤاله عما يدور داخل أبواب «أوبك» المغلقة.
لقد كان هذا تحدياً كبيراً لي، إذ إني صحافياً مصدر عيشي هو نشر الأخبار والمعلومات، بينما واجبي الأخلاقي تجاه باركيندويمنعني من ذكر أي حديث خاص بيننا، كيف أخوّنه وهو يناديني «أخي أبو عزيز» في كل مرة ألتقي فيها معه.
عندما نعطي أحدهم الثقة العمياء، فإننا نحصل على إحدى نتيجتين، إما صديق إلى الأبد أو درس مؤلم إلى الأبد. وأحمد الله على أنني كنت صديقه إلى آخر ساعات عمره.
لقد تحدثت معه قبل لحظات من موته؛ حيث تفارقنا بعد منتصف الليل عندما أرسل لي خبر تكريمه من قبل الرئيس النيجري محمد بخاري. وباركت له ذلك التكريم. وهنأته بعيد الأضحى، ولم أعي أن هذا هو الوداع الأخير.
كم هو غريب هذا العالم؛ حيث يرحل الإنسان بعد ساعات من تكريمه والاحتفاء بإنجازاته.
لن أنسى كم كان وفياً جداً؛ حيث تجسد هذا الوفاء في حبه لمعلمه ريلوانو لقمان الوزير النيجيري السابق والأمين العام الأسبق لـ«أوبك»، الذي كان يلقب بأحد الحكماء الثلاثة في المنظمة.
لقد احتضن لقمان باركيندوعندما كان شاباً يافعاً، وأخذه تحت جناحه ودعمه، وكان باركيندويقول عن لقمان: «ذاك الرجل كان أبي».
وعندما توفي لقمان أجهش باركيندوبالبكاء كالطفل حتى جفت عيناه من الحزن. ذلك الموقف علّمني كم كان باركيندووفياً.
وها أنت الآن يا أخي الغالي باركيندوتلحق بلقمان لحاقاً صالحاً، وقد أفضى كل منكم إلى ما قدم. ولم يتبقَ من ذكراك يا باركيندوسوى حب الناس لك، ومئات من المساكين والأيتام الذين تكفلت بهم.
وهذا الوداع الأخير لنا، لعلنا نلتقي لقاء الأرواح الذي لا فراق بعده.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو