ألمانيا وعقدة البكالوريوس

ألمانيا وعقدة البكالوريوس

الثلاثاء - 5 ذو الحجة 1443 هـ - 05 يوليو 2022 مـ رقم العدد [15925]

يمكن أن يتقاضى خريج المعاهد التطبيقية في ألمانيا راتباً شهرياً يتجاوز حملة شهادة البكالوريوس! حتى الآن يبدو الأمر طبيعياً في بلد كان لعقود أكبر مُصدر للعالم، وأكبر اقتصاد لا يشق له غبار. وبفضل اهتمام البلد بدعم الفنيين وخلق وظائف تنافسية لهم، صارت الماكينة الألمانية مضرباً للمثل... حتى إن منتخب كرة القدم إذا تألق وصفه المعلقون بأنه «ماكينة ألمانية».
حكاية تجربة ألمانيا باختصار أنها تخلصت من «عقدة البكالوريوس» التي يعاني منها العرب وغيرهم. فالإحصائيات في الإقبال على البكالوريوس في ازدياد مذهل بمنطقتنا.
مشكلة عقدة البكالوريوس أنها سوف تتحول إلى معضلة في المستقبل القريب حينما نجد أن ثلة محدودة من القوى العاملة تحمل شهادات من معاهد تطبيقية. مسألة الإنفاق على برامج تدريب، يسيرة، لكن التحدي الحقيقي في إيجاد برامج تحدث نقلة نوعية في مهارات الشعب الفنية. وقبل ذلك ضرورة إعداد العدة لمصانع ومعامل ووظائف في قطاعات صناعية ونفطية وغذائية وغيرها تستطيع استيعاب هؤلاء، ثم تبدأ رحلة التعلم الحقيقي على أرض الواقع.
وهذا ما حدث عندما طرحت ألمانيا برنامج «التأهيل المهني المزدوج» الذي يجمع بين النظرية والتطبيق العملي وصار مثلاً يحتذى به في العالم. ويدين المراقبون بالفضل لهذا البرنامج، إذ أسهم في تخفيض معدلات البطالة مقارنة في أوروبا. وأصبح البعض يرى في التعليم المدمج أو التطبيقي بديلاً عن الدراسات العليا من ناحية الدخل، والمستقبل المادي «المضمون» إن جاز التعبير.
وقد تبين أن نحو نصف الشباب في ألمانيا يتحولون بعد التعليم المدرسي إلى أحد الاختصاصات التأهيلية المهنية وعددها 326، وهو تخصص (مهنة) معترف به محلياً في معاهد التأهيل المهني المزدوج (الذي يستغرق نحو من سنتين إلى ثلاث سنوات ونصف السنة)، ويتقاضى خلالها الطالب بدلاً مادياً للتدريب من الشركات التي يعمل لديها، بحسب مواقع الحكومة.
ويمضي الطلبة 70 في المائة من التدريب المهني في الشركة المشاركة بالبرنامج الوطني، و30 في المائة بمدرسة مهنية. وبهذا تصبح شهاداتهم معترفاً بها من قبل الدولة والشركات الخاصة. وروعة هذا التدريب أن ثلثي خريجيه ينخرطون في الشركات التي تدربوا فيها، ويختار مجرد الثلث مؤسسات أخرى. وهذا دليل على جدية البرنامج والشركات ومدى الاستفادة التي يجنيها الطلبة.
وقد أطلق عليه «مدمجاً»، لأنه يجمع بين التدريب والعلوم الأساسية الفنية، فضلاً على أنه يدمج بالفعل المتدرب في العملية الإنتاجية، فعندما تصل السيارة أو الماكينة الألمانية إلى نهاية خط الإنتاج سوف يشعر المتدرب بالفخر لأن جهده كان «مدموجاً» في تلك العملية الإنتاجية. ولولا زخم تلك البرامج التطبيقية، وجَلَد الألمان، ورؤيتهم، لما رأينا ذلك الشعار الشهير وهو يرفع في كل القارات: «صنع في ألمانيا».
غير أن الحال في عالمنا العربي مختلف. فما دام ذوو الياقات الزرقاء أو الفنيون المهرة يشعرون بأنهم أدنى منزلة من حملة البكالوريوس، فإنهم سيتجنبون العمل الميداني، ليس لأسباب مادية ومهنية فحسب، بل لأسباب اجتماعية، وهذه هي أكبر عقدة... عطلت مواهب العباقرة العرب في كل مكان.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو