لعبة المراجيح بالطريقة البريطانية

لعبة المراجيح بالطريقة البريطانية

الأربعاء - 29 ذو القعدة 1443 هـ - 29 يونيو 2022 مـ رقم العدد [15919]

الأرجُوحة لُعبة مُسلّية اقترنتْ بالطفولة، وعرفتها أمم وشعوبُ العالم على اختلافها، منذ قديم الزمان. البعضُ يجمعها أراجيح، والبعضُ الآخر مراجيح. ويتفقون على المحتوى. الأرجُوحة سواءٌ منها ما عُرف قديماً، أو ما استجدّ من صناعتها حديثاً، تقوم على مبدأ هندسي، وآلية أتوماتيكية واحدة، تتحرك صعوداً وهبوطاً. المصنوعُ منها حديثاً اكتسب مزايا الحداثة. وعلى سبيل المثال، صار لدينا مراجيح متعددة المقاعد، تتيح لعدة لاعبين مشاركة اللعب بها في وقت واحد. لحظات مغادرة الأرجُوحة، عادة ما تكون مؤلمة للأطفال، أينما كانوا، وكثيراً ما تكون مصحوبة بصراخٍ وبكاء.
لعبة الأرجُوحة من الممكن استعارتها سياسياً، واعتبار من يجلسون على مقاعدها، يجلسون واقعياً على كراسي الحكم. في البلدان الغربية، ذات التقاليد الديمقراطية البرلمانية، يشكل الناخبون ثقلاً هائلاً في معادلة المراجيح السياسية. وهم من يتولون الدفع بمن يجلسون على مقاعدها، ويتولون مهمة إنزالهم سلمياً. وفي بلدان أخرى، يتمُّ اللجوء إلى استخدام السلاح بغرض الوصول إلى مقعد الأرجُوحة. تعدد المراجيح، في السياق السياسي، لا ينفي حقيقة أن التسلية، هدف اللعبة، أُخرجتْ كلية من المعادلة. وقد يكون الاستحواذ على مقعد في أرجوحة صعباً، لكن النزول والتخلي عنه عادة ما يكون مأساوياً، وأحياناً دموياً. وحتى حين يكون سلمياً يكون مثقلاً بالمرارة ومصحوباً بشماتة الخصوم، ولا يخلو من دموع كما يفعل الأطفال. السيدتان مارغريت ثاتشر، وتيريزا ماي مثالاً.
بريطانيا، تعيش هذه الفترة ما صار يعرف باسم «صيف الغضب»، بسبب غلاء أسعار السلع والوقود، وتفاقم التضخم، وارتفاع الضرائب بشكل غير مسبوق منذ 70 عاماً، وإضرابات عمال قطار السكك الحديد وقطارات الأنفاق، وتباطؤ النمو الاقتصادي. لذلك لا عجب أن تعصف براكب الأرجُوحة ومن معه رياحٌ شديدة، بهدف إسقاطه، من جهات عدة، خاصة أنّه، كما تبيّن، لا يملك بوصلة ولا عنوان الجهة المقصودة. وهو في ذلك، يقول خُصومه، لا يختلف عمن يقود سيارة بسرعة هائلة نحو هاوية معروفة، ويقصدون خسارة الانتخابات القادمة. السؤال يتمحور حول مدى قدرة رئيس الحكومة بوريس جونسون على مقاومة الرياح العاصفة، والبقاء على مقعد الأرجوحة ثابتاً. العاصفة الأكثر عُنفاً، كانت خلال المدة القليلة الماضية، حين صوّت 148 نائباً محافظاً ضد منحه الثقة. وصمد أمام الهجوم، إلا أنّه خرج من المعركة منهكاً، وبجروح عميقة. وحين، مؤخراً، فقد حزبه مقعدين برلمانيين مهمّين في يوم واحد، خلال انتخابات ثانوية (فرعية)، مضافاً إليهما خسارة مدير الحزب، الذي قدم استقالته في اليوم التالي للهزيمة، قال المعلقون إن ساعة السيد جونسون اقتربت، وأن بقاءه لفترة زمنية أطول لن يفيد الحزب ولا بريطانيا. لكنّه، كالعادة، قال إنه سيواصل المشوار إلى النهاية. وهو بذلك يقصد الانتخابات النيابية القادمة في عام 2024.
وفي لعبة المراجيح السياسية البريطانية، ليس مهماً أحياناً ما يقوله الجالسون على مقاعدها، بل ما يستطيعون فعله واقعياً ضد من يريدون إسقاطهم، واعتلاء الأرجوحة مكانهم. التقارير الإعلامية، الصادرة خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، ازدحمت بأخبار التطورات في حزب المحافظين، وخاصة بين نواب المقاعد الخلفية المناوئين لبوريس جونسون. التقارير ذكرت أن مجموعة منهم أعلنوا عن رغبتهم في الترشح، هذا الأسبوع، لانتخابات اللجنة المعروفة باسم لجنة 1922، التي ستجري في الشهر القادم، بهدف تغيير اللوائح المنظمة للتصويت على منح الثقة لرئيس الحكومة. اللوائح الحالية تؤكد على حق بقاء رئيس الحكومة في منصبه لمدة عام آخر، في حالة نجاحه في تصويت بمنح الثقة. وهم يرون أن الوقت مناسب جداً لتصحيح الأمور، بمنح النواب فرصة أخرى، في أقرب وقت ممكن، لممارسة حقهم ثانية في منح ثقتهم إلى السيد جونسون أو حجبها عنه. وفي كيغالي، عاصمة رواندا، حيث كان حاضراً جلسات قمة الكومنولث، رفض جونسون العودة إلى بريطانيا لتدارك الموقف، قائلاً إنه ليس في إجازة خاصة. ومن كيغالي، انتقل إلى حضور جلسات لقاء قادة قمة الدول السبع في ألمانيا، وبعدها سينتقل إلى مدريد في إسبانيا لحضور جلسات قمة حلف الناتو. وهذا يعني أنه لن يعود إلى لندن إلا في نهاية الشهر الجاري!
فهل يعني ذلك أن السيد جونسون على ثقة من قدرته على مواجهة العاصفة، والخروج منها سالماً، والحفاظ على مقعده في الأرجوحة أم أنّه، برفضه العودة إلى لندن سريعاً، يحاول درء شر ما قد يطاله من سهام نقد متوقع؟
البعض من المعلقين السياسيين يصفون السيد جونسون بأنه قطٌّ بتسع أرواح، حسب المقولة الإنجليزية. وهم في ذلك غير مخطئين. لكن، في رأيي، يبدو أنهم في حاجة للمراجعة وبسرعة، للتأكد من حساب عدد الأرواح التي استنفدها فعلياً، حتى الآن، القط جونسون، عذراً، أقصد السيد جونسون.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو