حرب الهويات العالمية

حرب الهويات العالمية

الأربعاء - 15 ذو القعدة 1443 هـ - 15 يونيو 2022 مـ رقم العدد [15905]
فيتالي نعومكين
رئيس «معهد الاستشراق» التابع لأكاديمية العلوم الروسية/ موسكو

يتغير عالمنا بسرعة كبيرة، لدرجة أنه حتى خلال الوقت القصير الذي لم أنشر فيه مقالاتي، بات مختلفاً عما كان؛ إذ ينمو فيه التوتر والصراع، وهيكل الأمن العالمي والنظام القانوني الدولي آخذان في الانهيار، وهوة الخلافات العميقة التي تقسم المجتمع الدولي آخذة في الاتساع، خصوصاً على طول خط ما يسمى «الغرب - وخارج الغرب»، كما أن الأزمة الاقتصادية تزداد سوءاً.
في روسيا، يُعتقد أن أحد الخلافات الرئيسية يتمثل في التناقضات الحادة بين النموذج النيوليبرالي للعولمة ونموذج التنمية القائم على التمسك بالقيم الحضارية التقليدية. وينطلق معظم السياسيين والشخصيات العامة في البلاد في تقييمهم للوضع من حقيقة أن «نيوليبرالية الغرب الجماعي» تهدف إلى «استئصال العالم الروسي». ويدور الحديث عن تحول جدي في النظام العالمي للعلاقات الدولية، وحول صراع الهويات. ويعتقد أحد أكثر السياسيين الروس نفوذاً في روسيا، رئيس مجلس النواب (مجلس الدوما الروسي)، فياتشيسلاف فولودين، أنه في الوقت نفسه، أدى «قطع العلاقات الاقتصادية الحالية من قبل واشنطن وحلفائها» إلى تشكيل مراكز جديدة للنمو في العالم. ونتيجة لذلك؛ فإن مجموعة الدول الثماني التي لا تشارك في حروب العقوبات، وهي الصين والهند وروسيا وإندونيسيا والبرازيل والمكسيك وإيران وتركيا، تتقدم من حيث الناتج المحلي الإجمالي على أساس تعادل القوة الشرائية بنسبة 24.4 في المائة على المجموعة القديمة. وبالطبع، هنا تجدر إضافة بعض دول الخليج العربية إليها.
ولا تزال «الحرب الهجينة» في أوكرانيا مستمرة، وتم إحراز تقدم جاد فيها؛ ما أجبر العديد من القادة الغربيين على الميل نحو فكرة أن الانتصار الروسي فيها بات أمراً حتمياً لا مفر منه. ولن أكرر النداء الذي وجهه السياسي الأميركي المخضرم البالغ من العمر 99 عاماً، هنري كيسنجر، إلى كييف، للتضحية بجزء من الأراضي من أجل السلام. فهناك سياسي أميركي آخر مخضرم ومعروف، هو نعوم تشومسكي، البالغ من العمر 93 عاماً، أوصى مؤخراً بالرجوع إلى تاريخ الحرب العالمية الثانية، عندما «زحفت» جحافل النازية تجاه موسكو عبر سهول أوكرانيا، التي لا توجد فيها حواجز طبيعية، من أجل فهم أنه «لا غورباتشوف ولا أي زعيم روسي آخر كان سيسمح لأوكرانيا وجورجيا بالانضمام إلى الناتو».
ومن السمات المميزة للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، التي أُجبرت روسيا بسبب توسع «الناتو» على تنفيذها، حيث كان يتم هذا التوسع بالاعتماد على نظام كييف المعادي للروس، أن الجيش الروسي وقوات دونباس تعملان على تجنب وقوع ضحايا بين السكان المدنيين، قدر الإمكان. ويفسر العسكريون الروس استحالة التدمير الكامل للمعدات العسكرية الغربية المقدمة لأوكرانيا، وهو أمر سهل للغاية من الناحية الفنية، من خلال حقيقة أنه يتم نقلها على قطارات تقل مسافرين مدنيين. وقد تجنب العسكريون الروس توجيه ضربات قوية مدمّرة إلى مصنع «أزوفستال» في ماريوبول، بعد أن تمترس في أقبيته النازيون الجدد، مختبئين وراء السكان المحليين الذين احتجزوهم كرهائن، إلى أن اضطروا للاستسلام.
الآن، تطور الوضع نفسه في مصنع «آزوت» للمواد الكيميائية في سيفيرودونتسك، حيث تحتجز القوات الأوكرانية رهائن (أكثر من ألف عامل من عمال المصنع مع عائلاتهم) في ملاجئ عدة، بينما في الوقت نفسه، يضيق طوق الحصار من حولهم. ويطالب المسلحون، الذين يقدر عددهم بنحو 300 شخص على الأقل، بالسماح لهم بالانسحاب نحو ليسيتشانسك برفقة الرهائن. وحتى لحظة كتابة هذه المقالة، تمكن جزء من المدنيين من مغادرة أراضي المصنع، لكن هناك تقارير تفيد بوجود حاويات ملغّمة تحتوي على مواد خطرة كيميائياً في المنشآت الموجودة تحت الأرض، والتي يخطط المسلحون لتفجيرها أثناء انسحابهم. وقد قطعت عنهم كل طرق مغادرة المصنع بمفردهم، ولم يتبق أمامهم سوى الاستسلام. في الواقع، السعي من أجل تجنب وقوع ضحايا فقط يقف خلف تباطؤ وتيرة العملية إلى حد ما، وليس بسبب أي ظروف أخرى. وتعترف «الواشنطن بوست» (The Washington Post) بأن النشوة الغربية بدأت تتلاشى بعدما «باتت روسيا تكيّف تكتيكاتها، وتستعيد الزخم، وتؤكد قوتها النارية الساحقة ضد القوات الأوكرانية المجهزة تجهيزاً جيداً». ولم تكشف القوات المشتركة حتى عن نصف قدراتها، والجيش الروسي لا يزال يواصل تقدمه، بينما القوات المسلحة الأوكرانية تتكبد خسائر فادحة. في الوقت نفسه، المساعدة الغربية شحيحة للغاية وتستغرق وقتاً طويلاً، كما يقول الموقع.
ولا تركض روسيا خلف تحديد مواعيد نهائية، لكنها، حسب كبار قادتها، تنوي «اجتثاث النازية من هناك بشكل نهائي 100 في المائة». ويتوقع آدم ديليمخانوف، قائد الوحدات الشيشانية في دونباس، التي تلعب دوراً مهماً في العمليات القتالية، بأن العمليات ستنتهي بحلول نهاية هذا العام. ويقول، إن المقاتلين الشيشان سيستمرون في القتال، «لدينا أخوة وعلاقات أخوية وثيقة، ولا يستطيع أي سلاح كسرها أو هزيمتها». أما القوات المسلحة لأوكرانيا «فليس لديها روح معنوية، ولا إيمان بما كانت تفعله. وعلى أي حال، نعرف كيف سنتعامل مع هؤلاء الشياطين، سواء كان ذلك في أوكرانيا أم في أوروبا، لا فرق لدينا. النضال العالمي سيبقى مستمراً؛ لأنه إذا لم يتمكن الغرب وأميركا وأوروبا من العودة إلى رشدهم وإلى فهم القيم الدينية والعائلية والإنسانية المعتمدة والمعترف بها عموماً، فسيكون مستقبلهم سيئاً للغاية». ويقاتل أبناء قبيلة آدم ببطولة وشجاعة، ويكتسبون شهرة عالية بين جميع الروس.
على الجبهة المقابلة، يقاتل العديد من المرتزقة من مختلف دول العالم إلى جانب أوكرانيا. وقد تم بالفعل خلال القتال القضاء على عدد كبير من هؤلاء الراكضين خلف المغامرة والدخل. وكما بات معروفاً، فإن البريطانيين شون بينر وأيدن أسلين، والمغربي سعدون إبراهيم، الذين تم أسرهم في ماريوبول، أقروا مؤخراً بأنهم مذنبون جزئياً بارتكاب أفعال تهدف إلى الاستيلاء على السلطة بالقوة، والتي تنص المادة المتعلقة بها من القانون الجنائي لجمهورية دونيتسك الشعبية، على عقوبة الإعدام. كما أقرّ أسلين بأنه مذنب بموجب المادة بممارسة «التدريب من أجل القيام بأنشطة إرهابية». وصرح الممثل الرسمي لوزارة الدفاع في الاتحاد الروسي، الفريق إيغور كوناشينكوف، بأن «المرتزقة الذين وصلوا إلى أوكرانيا ليسوا مقاتلين، وأفضل ما ينتظرهم هو السجن لمدة طويلة». وأشار إلى أن المرتزقة الأجانب لا يتمتعون بوضع المقاتلين بموجب القانون الدولي الإنساني. وقد حكمت عليهم المحكمة المحلية بالإعدام رمياً بالرصاص. في الغرب لا يتفقون مع هذا النهج. وصرح (وزير الخارجية الأميركي) أنتوني بلينكن بأن الحديث يدور عن محاكمة «زائفة» أدانت، حسب زعمه، «مقاتلين شرعيين خدموا في القوات المسلحة الأوكرانية». وحث الوزير على «تويتر»، «روسيا وأتباعها على احترام القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك الحقوق والحماية الممنوحة لأسرى الحرب». ويمكن الافتراض أنه إذا لم تكن المفاوضات مع سلطات دونباس بشأن مصير هؤلاء المرتزقة وإمكانية مبادلتهم قد بدأت، فهي ستبدأ في القريب. فكما هو معروف، أكد السفير الأوكراني في لندن فاديم بريستايكو للبريطانيين، أن المرتزقة من بريطانيا سيتم إدراجهم في القائمة التالية للتبادل وإعطاؤهم الأولوية، حتى على حساب الأسرى الأوكرانيين. ولكن، إذا وافق زيلينسكي، على سبيل المثال، على مبادلة البريطانيين مقابل 10 - 20 - 30 أسيراً روسياً، فسيظل العدد نفسه من جنود القوات المسلحة الأوكرانية في الأسر لدى روسيا. ومن الواضح، أن هذا المخطط سيكون له تأثير محبط وقوي على الجيش الأوكراني. أما إذا تم إعدام البريطانيين، فسيكون ذلك بمثابة ضربة كبيرة لسمعة بوريس جونسون.
وقبل أيام، احتفلت روسيا بعظمة بالذكرى الـ350 لميلاد بطرس الأكبر، الذي أصبحت الدولة في ظله إمبراطورية. وفي حديثه إلى الشباب، ذكّر الرئيس فلاديمير بوتين، بأنه عندما أسس بطرس الأكبر العاصمة الجديدة، سانت بطرسبورغ، لم تعترف بها أي من الدول الأوروبية، واعتبرت دول أوروبا هذه الأراضي سويدية. «بيد أن الشعب السلافي عاش هناك منذ زمن سحيق، جنباً إلى جنب مع الشعوب الفنلندية الأوغرية. علاوة على ذلك، كانت هذه المنطقة تحت سيطرة الدولة الروسية»، وفقاً لما شرحه الرئيس. فحسب قوله، منذ ذلك الحين، واقعياً، لم تتغير السياسة العالمية. «فعلى ما يبدو، وقع على عاتقنا أيضاً استعادة الأراضي وتعزيز السيادة، وسننطلق من حقيقة أن هذه القيم الأساسية تشكل أساس وجودنا». ومن أجل المنافسة على نوع من الريادة، تحتاج الدولة إلى ضمان سيادتها حتى لا تتحول إلى مستعمرة؛ لأن المستعمرات لا تتخذ قرارات مستقلة، ولا تنجو في الصراع الجيوسياسي.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو