نحو نسق (بارادايم) ديني جديد

نحو نسق (بارادايم) ديني جديد

الأربعاء - 8 ذو القعدة 1443 هـ - 08 يونيو 2022 مـ رقم العدد [15898]
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي

فكرة هذا المقال أقرب إلى تفكير بصوت عالٍ، أتمنى أن يشاركَ الأصدقاءُ والقراءُ الأعزاء فيه، وأرى أنَّ الموضوع جدير حقاً بالتأمل.
أما الموضوع فهو العلاقة بين الدين والمتدين، الإسلام والمسلم خصوصاً، وهي مسألة لا تطرح للنقاش إلا نادراً، مع أني أظنُّها في غاية الأهمية. وهي تزداد غموضاً مع زيادة احتكاك التقاليد الدينية بتحولات الحياة الحديثة.
الصورة الحالية للعلاقة المذكورة أقرب إلى تنازع صريح أحياناً، وضمني أحياناً أخرى، بين اتجاهين...
* اتجاه سائد في المجتمع الديني، يدعو الإنسان للتسليم بما بلغه عن الله، من أمر ونهي وقيم وقواعد، بلا تردد ولا شك ولا نقاش، لأنَّه مكلف بطاعة ربه.
* اتجاه يتبلور تدريجياً، كنتاج لتطور مكانة الإنسان الفرد، وشعوره بذاته المستقلة عن الجماعة. ويتجلَّى في ميل الفرد لمساءلة موروثه الثقافي والمسلمات الشائعة في محيطه الاجتماعي، ومن بينها خصوصاً، القيم والأحكام الدينية، التي يظهر بعضها كقيد على الحرية الشخصية.
لقد مرت أزمان متطاولة، ما كان الفرد المسلم فيها غير نقطة في بحر الجماعة، شخصيته نسخة منها، وهويته امتداد لهويتها. أما في هذا الزمان، فإن العالم كله، يميل للتخفف من ثقل الهويات الكبرى والقوميات الممتدة، وينظر للأفراد كذوات مستقلة، تشارك في توليف هويتها الخاصة، كما تساهم في صياغة العالم الذي تعيش فيه.
لم يعرف تاريخ البشرية زماناً كهذا الزمان. لقد تراجع دور الدول والمنظمات الكبرى، بينما تصاعد دور الأفراد في تطوير الاقتصاد الجديد والثقافة. وينسب الفضل في هذا إلى التوسع الهائل لأنظمة الاتصال الحديثة، التي وفرت للأفراد من مختلف الطبقات والفئات العمرية فرصاً متعاظمة للتعرف على ثقافات العالم وتياراته وتحولاته. كما أن تزايد اعتماد العالم على التقنيات الرقمية والذكاء الصناعي جعل الأفراد لاعباً رئيسياً في إنتاج التطبيقات التي يحتاجها هذا الحقل، وحوّلهم من أرقام في سجلات المنظمات الصناعية الكبرى، إلى صناع للأرقام والمعادلات، ومشاركين مؤثرين في تطوير اقتصاديات العالم الجديدة. إن المزيد من المعرفة يقود إلى المزيد من تقدير الذات والمزيد من الاستقلال.
في تجارب اجتماعية سابقة، كان مثل هذه التحولات عاملاً محركاً للتساؤل حول ضرورة الآيديولوجيا وفائدة الإيمان، وحول علاقة الفرد بمصادر الآيديولوجيا والإيمان. كما أن أسئلة مشابهة مطروحة بالفعل في مجتمعاتنا. إن كثرة ما يسمع من شكاوى حول ابتعاد الجيل الجديد عن التقاليد الدينية، مؤشر على تفاقم تلك التساؤلات وإخفاق المجتمع الديني في تقديم الأجوبة المناسبة.
في اعتقادي أن ظروف العالم اليوم تمثل فرصة سانحة لمراجعة النسق الديني بمجمله، خاصة في اتجاه التحول من العلاقة القائمة على التلقي والانفعال (مثلما أشرت في مطلع المقال) إلى علاقة تفاعلية، تحقق إحدى أبرز الغايات التي تستهدفها الرسالات السماوية، أعني بها مشاركة الناس جميعاً، ولا سيما المؤمنين، في إعادة إنتاج نموذج للحياة الدينية، يلائم حاجات العصر وإلزاماته.
لقد جرت العادة (وترسخت بمرور الزمن) على النظر للدين على أنَّه نسق جمعي، يتمثّل في كيان اجتماعي خاص، له آيديولوجيا رسمية وقيادة وتقاليد، وهو محاط بسور يميز بين أهل الداخل وأهل الخارج. جوهر فكرة التدين هو الانتماء إلى هذه الجماعة.
وقد حان الوقت للانتقال إلى نسق - بارادايم جديد، يتمثل في ثقافة مشتركة جوهرها الورع والتقوى، أي الخوف من الله والرغبة في العمل الحسن، وتجنب الفعل القبيح. نسق يجمع بين بني آدم جميعاً، باعتبارهم مخاطبين بأمر الله، من دون تمييز بين أهل الداخل والخارج.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو