الكشف عن خلاف قديم لمحمد محمد حسين مع إمام الحرم المكي

الكشف عن خلاف قديم لمحمد محمد حسين مع إمام الحرم المكي

الأحد - 5 ذو القعدة 1443 هـ - 05 يونيو 2022 مـ رقم العدد [15895]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

في سلسلة مقالات محمد محمد حسين الأزهرية التي نشرها في مجلة «الأزهر» من 3 مارس (آذار) 1957 إلى 13 ديسمبر (كانون الأول) 1958، كان قد انقلب على فكره العلماني واعتنق فكراً دينياً جديداً عليه، اعتنقه بغلو وتطرف.
أعجب الشيخ عبد المهيمن أبو السمح إمام الحرم المكي ببعض هذه المقالات فاستأذن كاتبها محمد محمد حسين أن يجمعها في كتاب وأذن له. فجمعها في كتاب عدد صفحاته مع صفحة الفهرس 63 صفحة. وطبعه في مطبعة نهضة مصر على نفقته الخاصة، مع بيان على غلاف الكتاب يوضح أنه ناشر الكتاب وتعريف بشخصه بأنه «إمام الحرم المكي». هذا الكتاب صدر عام 1959.
وكان محمد محمد حسين قد كتب مقدمة للكتاب لم تنشر مع الكتاب لسبب سنتبيَّن حقيقته في أسطر تالية. وظل محتفظاً بها إلى أن نشرها حين جمع كل مقالاته الأزهرية في كتاب عنوانه (حصوننا مهدة من داخلها – في أوكار الهدامين) الصادر عام 1967.
ابتداء من الطبعة الثالثة لهذا الكتاب الصادرة عام 1971، حذف الشطر الثاني من عنوانه (في أوكار الهدامين) وأبقى على شطره الأول (حصوننا مهددة من داخلها)، وهو العنوان الذي سيشتهر الكتاب به عند الإسلاميين في طبعاته اللاحقة، وتكون فيه عبارة (حصوننا مهددة من داخلها) التي سكها في الأصل عنواناً لمعظم مقالاته الأزهرية، من مفردات خطابهم الثقافي. وعبارته هي تحوير بلاغي بارع لعبارة وزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالاس (الغزو من الداخل). وقد أرشدتني إلى مصدر هذه التحوير جملة قالها في مقال من مقالاته الأزهرية منشور في عدد شهري أكتوبر (تشرين الأول) وسبتمبر (أيلول) من مجلة (الأزهر) عام 1958. هذه الجملة هي قوله: «هذه بعض أمثلة تصور الأسلوب الجديد الذي يعتمد على (الغزو من الداخل) – إن جاز لي أن أستعير تعبير المستر دالاس-».
وابتداء من الطبعة الثالثة، سيسمي مقدمة الطبعة التي نشرها عام 1967، (مقدمة الطبعة الأولى) مع أنها مؤرخة بـ18/1/1959!
في مقدمة هذه الطبعة التي روى فيها قصة الكتاب، قال في مقدمة هذه القصة: «وقد نشر بعض هذه المقالات لأول مرة مجموعاً في كتاب تحت عنوان (في أوكار الهدامين) حين استأذنني الشيخ عبد المهيمن أبو السمح إمام الحرم المكي في نشرها فأذنت له. ولكن الكتاب صدر لسوء الحظ مليئاً بالأخطاء». واستناداً إلى إفادته هذه اعتقد بعض القراء، أن المقدمة المؤرخة بــ18/1/1959، منشورة في طبعة الشيخ عبد المهيمن أبو السمح، فلم يستشكل عليهم تاريخ كتابتها. وعزز هذا الاعتقاد الخاطئ عندهم أن طبعة الشيخ عبد المهيمن أبو السمح، غير متداولة، لأنها طبعة نادرة لا تتوفر إلا في قليل من مكتبات الجامعات وقليل من دور الكتب ومراكز البحوث والدراسات في العالم العربي.
السبب في أن المقدمة المؤرخة بــ 18/11/1959 التي كتبت خصيصاً للأربع مقالات التي اختار الشيخ عبد المهيمن أبو السمح جمعها في كتاب لم تنشر فيه، أن خلافاً حصل بين الكاتب محمد محمد حسين والناشر الشيخ عبد المهيمن أبو السمح حول الطريقة التي أخرج الأخير بها الكتاب، حين اطلع الأول على مسودة طباعته.
الخلاف كما أتصوره، اعترض محمد محمد حسين على ما يلي:
- وضع عنوان للكتاب مكون من شطرين هما: (حصوننا مهددة من داخلها) و(في أوكار الهدامين). الشطر الأول كان هو العنوان الثابت لمعظم مقالاته الأزهرية. والشطر الثاني مستل من عبارتين متفرقتين وردتا في مقدمته، هما: «ويجدون أنفسهم وقد غمرتهم الأضواء وكشفت أوكارهم وسراديبهم»، و«يضم الهدامين ودعاة الشر كلهم جميعاً». وفي متن بعض المقالات كان الكاتب يستعمل عبارات من مثل «الأساليب الهدامة» و«الدعاوى الهدامة» و«الآراء الهدامة» و«الدعوة الهدامة» و«سيهدمون مجتمعنا» و«هدام».
الشيخ أبو السمح اكتفى بالشطر الأول عنواناً ثابتاً للمقالات الأربعة التي اختارها من مقالات محمد محمد حسين الأزهرية، مع وضع عنوان فرعي ثابت لكل المقالات الأربعة، هو أحد العناوين الفرعية لمقال من مقالات محمد محمد حسين الأزهرية. ولم يأخذ بالشطر الأول من العنوان الذي وضعه محمد محمد حسين، وأفرد كلمة (أوكار) فجعل العنوان (في وكر الهدامين).
بيّنتي على ذلك أن محمد محد حسين حين جمع كل مقالاته الأزهرية في كتاب عام 1967، جعل عنوانه العنوان المكوَّن من شطرين. وأنه في مقدمة الطبعة الثالثة أشار إلى أن بعض المقالات نشرت لأول مرة في كتاب تحت عنوان (في أوكار الهدامين) مع أن عنوانه كان «في وكر الهدامين».
- في كتاب (في وكر الهدامين) استغنى الشيخ عبد المهيمن أبو السمح في المقال الأول عن عشر صفحات وما يزيد قليلاً على نصف الصفحة من المقال الأصلي. وجعل العنوان الفرعي للمقال الأول (حصوننا مهددة من داخلها - في جامعة الدول العربية: دعوة الاستعمار إلى إحياء الحضارات السابقة على الإسلام) مع أن المقال ليس فيه ذكر للجامعة العربية. والعنوان الفرعي في أصل المقال هو (حصوننا مهددة من داخلها: دعوة الاستعمار إلى إحياء الحضارات السابقة على الإسلام)، وهو إضافة إلى ذلك تحريف لما ورد في المتن. فما ورد في المتن هو ما يلي: «وقد أشرت في مقال سابق إلى أهداف الأوربيين والأميركيين من الدعوة إلى إحياء الحضارات السابقة على الإسلام، تلك الدعوة التي ظهرت في وقت واحد في كل من تركيا ومصر والشام والعراق وشمال أفريقيا وفارس والهند وأندونيسيا. وكان مظهرها في كل البلاد واحداً وكانت أساليبها متشابهة».
المقال السابق الذي أشار محمد محمد حسين إليه هو مقاله (الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة) وقد ذكر ذلك في هامش الاقتباس السابق منه. وقد حذف الشيخ أبو السمح هذا الهامش من الكتاب الذي طبعه.
في المقال السابق الذي أحال محمد محمد حسين إليه في الهامش، وهو يتحدث عن أهداف مؤتمر (الثقافة الإسلامية وعلاقتها بالعالم المعاصر) المعقود في أميركا عام 1953، من منظوره الإسلامي المغالي، قال: «من أساليبهم في التطور كذلك – وهو أسلوب خبيث يخفى على أكثر الناس – بعث التاريخ السابق على الإسلام في كل بلد من البلاد الإسلامية. والكتاب الذي نعالجه يحتوي على مثالين لهذا الأسلوب، في مقالي الدكتور كون، والدكتور ولسون».
ولقد زج الشيخ عبد المهيمن أبو السمح باسم الجامعة العربية عنواناً للمقال لشدة تحامله عليها، فالمقال ينقد فيه كاتبه من منظوره الإسلامي المغالي بعض برامج الإذاعة المصرية بالاحتكام إلى اسم الوزارة الجديدة التي أنشأتها حكومة الثورة، وهي وزارة الإرشاد القومي المنوط بها الإشراف على نشاط الإذاعة المصرية. وينقد عناية مصلحة الفنون ومجلس الآداب التابعة لهذه الوزارة بالفلكلور أو الدراسات الشعبية، وينقد بعض مقالات الأعداد الأولى من مجلة (المجلة) التي أنشأتها وزارة الإرشاد القومي عام 1957.
فالمقال الأول في الكتاب الذي كان ناشره الشيخ عبد المهيمن أبو السمح لم يكن من ضمن المقالات التي خصصها محمد محمد حسين لنقد مطبوعات اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية أو الجانب الثقافي فيها، بحوثاً ومحاضرات وكتبا مترجمة ومؤتمرات، ومع هذا ضمه للمقالات الثلاثة الأخرى المخصصة لتناول هذا الموضوع.
والذي يظهر لي أن الشيخ أبو السمح استغنى عن الصفحات المذكورة لأنها تضمنت فقرات لم يحبذها. أولها أن الكاتب في نقده للكلام عن الفرعونية واعتبار العرب دخلاء على مصر، والكلام عن الفلكلور المصري القديم أو الحديث والدعوة إلى إقامة حياة المصريين وفنونهم على أساسه، احتكم إلى المادة الأولى في دستور عام 1956، (مصر دولة عربية) و (الشعب المصري جزء من الأمة العربية) وإلى المادة الثالثة منه (الإسلام دين الدولة) وإلى المادة الخامسة منه (الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق) وأشاد بهذا الدستور.
وثانيها، اعتزازه بملامح عبد الناصر العربية وبأرومته العربية الصريحة، ردَّاً على مقال زعم أن تقاطيعه تشبه تقاطيع الشخصيات والرجال الذين خُلدت صورهم على جدران المعابد والهياكل الفرعونية منذ آلاف السنين. وثالثها قوله إن العرب في مختلف البلدان لا يجتمعون على فهم شيء من الإذاعة المصرية إلّا فيما يذيعه (صوت العرب) بالفصحى. هذه الفقرات في طبعة الكتاب عام 1967، قبلها الإخوان المسلمون في الخارج والإسلاميون عامة على مضض. ولم يقبل الكاتب أن يغير فيها حرفاً واحداً بعد وفاة عبد الناصر في طبعات الكتاب اللاحقة.
في المقال الثاني اجتزأ الشيخ أبو السمح صفحات قليلة من المقال الأول الذي خصصه محمد محمد حسين لنقد أنشطة اللجنة الثقافية في الجامعة العربية فنشره، وأهمل نشر القسم الأكبر من المقال الأول.
الصفحات القليلة المجتزأة منه تتعلق بنقد محمد محمد حسين لبحث عبد الرزاق السنهوري (القانوني المدني العربي) المنشور في الجزء الثاني من كتاب (العالم العربي – مقالات وبحوث). وهو من ضمن مطبوعات اللجنة الثقافية في إطار البحوث والمحاضرات.
أعمل الشيخ مقص الرقيب في هذا المقال، لأن الكاتب من بدايته ينطلق من مسلمتين هما: «جامعة الدول العربية حصن من أكبر الحصون التي تسهر على حراسة حقيقة من أخطر حقائق وطنيتنا وهي العروبة»، وأن القومية العربية «أصبحت حقيقة واقعة ولم تعد حلماً ولا أملاً. أصبحت حقيقة تعترف بها حكومتا مصر وسوريا في دستور كل من البلدين». فما يهمه من هذا المقال هو نقده للسنهوري المشرّع المدني والموّفق بين القوانين الغربية والشريعة الإسلامية.
في المقال الثالث اجتزأ الشيخ أبو السمح الجزء الأخير من المقال الثاني عن اللجنة الثقافية في الجامعة العربية فنشره، وأهمل نشر الجزء الأول الذي يزيد قليلاً على عدد صفحات الجزء الأخير.
كما أضاف من عنده هذه الجملة: «وإلى اللقاء في الجزء الآتي إن شاء الله» التي لم يكتبها محمد محمد حسين في النص الأصلي في المقال.
اختتم الشيخ المقال الرابع بعبارة «والحمد لله رب العالمين». وهذه العبارة لم يكتبها محمد محمد حسين في نص المقال الأصلي.
- وضع الشيخ عبد المهيمن أبو السمح أسفل كل مقال من المقالات الأربعة اسم محمد محمد حسين بهذه الصيغة: الدكتور محمد محمد حسين أستاذ الأدب العربي الحديث بجامعة الإسكندرية، مع أن اسمه بهذه الصيغة مكتوب على غلاف الكتاب.
- لم يذكر الشيخ عبد المهيمن أبو السمح في هامش الصفحة الأولى من كل مقال من المقالات الأربعة تاريخ نشره في مجلة (الأزهر).
- كتب الشيخ مقدمة قصيرة باسم الناشر، ومحمد محمد حسين لا يسمح لأحد أن يكتب مقدمة لأعماله سواء أكان ناشراً أو كاتباً ذائع الصيت، لثقته بأن أعماله من القوة والمتانة والأصالة بمكان، بحيث لا تحتاج إلى تقديم الآخرين لها مهما علا شأنهم في ميدان الثقافة والفكر. والشيخ كان بحاجة ماسة إلى أن يقترن اسمه بالمقالات الأربعة التي اختارها بـ«كليمة» ينشرها في كتاب (في وكر الهدامين). ذلك لأنه ليس له أعمال مطبوعة مثل أخيه عبد الظاهر أبو السمح إمام وخطيب الحرم المكي الذي يكبره بسنتين.
محمد محمد حسين رأى أن يكتفي بوضع اسمه على الكتاب بوصفه ناشراً. كما طلب منه إجراء تعديلات على ما اعترض عليه حين قرأ مسودة الكتاب، وهو ما عدّدته أعلاه. فرفض الشيخ أن يفعل ذلك. حينها امتنع محمد محمد حسين عن تسليم الشيخ عبد المهيمن أبو السمح المقدمة التي كتبها خصيصاً للكتاب لكي يخلي نفسه من المسؤولية الأدبية في ظهور الكتاب بالصورة التي ظهر بها.
أمام هذا المأزق الذي وجد الشيخ نفسه فيه، ذهب إلى كاتب إسلامي ليكتب له مقدمة بديلة عن المقدمة التي امتنع محمد محمد حسين عن تسليمها له. هذا الكاتب الإسلامي كتب له مقدمة باسم (فاعل خير)! وفاعل خير هذا قد يكون محب الدين الخطيب الذي نشر محمد محمد حسين مقالاته الأزهرية، حين كان رئيساً لتحرير مجلة (الأزهر). ولصلة محب الدين الخطيب الطيبة بمحمد محمد حسين لم يشأ أن يكتب المقدمة باسمه الصريح.
وقد عالج (فاعل خير) الذي قد يكون محب الدين الخطيب غياب مقدمة كاتب المقالات محمد محمد حسين التي تنم عن عدم اعترافه بالكتاب بقوله: «والكتاب الذي بين يديك لا يحتاج إلى مقدمة فهو يقدم نفسه بنفسه، وهو كما ترى عدة مقالات لكاتبنا الكبير الدكتور محمد محمد حسين يفضح فيها أساليب الاستعمار ويكشف الستار عن الدمى التي يحركها الاستعمار».
ونلمس عمق الصلة الطيبة بين الرجلين في قول محمد محمد حسين في الطبعة الثالثة من كتاب (حصوننا مهددة من داخلها) عن المقال الأخير (في شؤون الروح) من مقالاته الأزهرية:
«وهو جزء من بحث كنت أعدّه لمجلة (الأزهر)، ثم انقطعت عن نشر بقيته بعد أن نُحّي الأستاذ محب الدين الحطيب رحمه الله عن رياسة تحرير المجلة، وحل محله أحمد حسن الزيات».
ومما يجدر لفت نظر القارئ إليه حول هذه المعلومة التي أوردها أنه في مقاله الأخير عن اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية تعرض بالنقد لمقال أحمد حسن الزيات (بين العربية الفصحى والعامية) الذي شارك به في (المؤتمر الأول للمجامع اللغوية العلمية – دمشق1956) أكثر من مرة، وكان أسوأها اتهامه بالخداع والمراوغة في قوله هذا عنه: «ولكن واقع الأمر جاء مختلفاً عما يتوقعه القارئ وما يرجوه، فامتلأ الكتاب في مواضع مختلفة بالدعوة إلى العامية، وإلى تبديل الخط العربي وقواعد النحو والصرف والبلاغة. إذا أعوزك أن تجد ذلك سافراً صريحاً فستجده مستوراً خفياً يلبس زي الناصح الغيور، في مثل مقال أحمد حسن الزيات».
وللجفوة التي حصلت بين الكاتب محمد محمد حسين والناشر الشيخ عبد المهيمن أبو السمح شطب الأخير اسم الأول من (كلمة الناشر) التي قال في أولها: «أيها الأخ المسلم: هذه مجموعة مقالات كما تراها، إعجابي بها حفزني على نقلها من مجلة (الأزهر) وطبعها على نفقتي – حسبة لله وابتغاء مرضاته – لعلك لم تطلع عليها من قبل فتطلع عليها لترى ما يحيكه الاستعمار من الأساليب وعلى أيدي من؟!...». وللحديث بقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو