مذكرات السيدة وداد

مذكرات السيدة وداد

الأحد - 5 ذو القعدة 1443 هـ - 05 يونيو 2022 مـ رقم العدد [15895]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.

كمن يعثر على كنز، تلّقفت كتاب وداد الأورفه لي وغطست في 422 صفحة من القصص والمعلومات والصور النادرة. سيدة تجاوزت التسعين، ولدت في بغداد وتقيم حالياً في العاصمة الأردنية عمّان، فنانة متعددة المواهب وزوجة دبلوماسي طافت معه العالم، لكنها عند تعريف نفسها تكتفي بصفة «مواطنة عراقية». وبهذا التواضع اختارت أن تضع لمذكراتها الصادرة عن دار الأديب عنوان «سوالف».
تعسر مخاض والدتها فنزلت للدنيا زرقاء لا تتحرك. تركوها على الأرض وطلبوا من القابلة تدبر أمر الطفلة الميتة. ثم تحركت الوليدة وصاحت. نظفوها وأخفوا عن الوالدة أنها أنثى. أشفقوا على النفساء التي عانت أهوال المخاض. وذهبت القابلة لتبشّر الأب بمجيء الولد. سمّاها محمد الأمين. وبعد أيام تعافت الأم واكتشفت جنس طفلتها فأغمي عليها. اكفهرت الوجوه لكن الأب قال: «بيها الخير... سمّوها وداد».
أبوها، مكّي الأورفه لي، كان حقوقياً درس في إسطنبول وترأس المحاكم. يعشق العلم ويتباهى بتعليم بناته. تخيلوا رجلاً محافظاً عثماني النزعة يأتي لوداد بمعلم للموسيقى في البيت. أرسلها إلى بيروت لتدرس الفن والخدمة الاجتماعية في «الجونيور كوليج». عادت إلى بغداد وتخرجت في معهد الفنون الجميلة. صارت رسامة معروفة تعرض لوحاتها في معارض عالمية. وفي صيف 1983 افتتحت أول صالة خاصة للعرض الفني. وكان «غاليري الأورفه لي» من أجمل عناوين العاصمة العراقية، وملتقى مثقفي المدينة.
لنضع سيرتها الثرية جانباً ونلتقط صفحتين، فحسب، تروي فيهما واقعة كانت شاهدة عليها عند عملها مسؤولة عن الدعاية والإعلان في معمل الألبان في أبي غريب، عام 1960. والخلاصة أن أحدهم لفّق للمدير العام تهمة تبذير أموال المصنع. وأحيل الدكتور فلان الفلاني إلى محكمة عسكرية وكانت وداد من بين الذين طُلبوا للشهادة. نصحها المدير ألا تخاف وأن تشهد بالحق. أجابت بأنها لا تخاف فقد حلفت على القرآن.
ما حكاية النجار الذي طلب منك المتهم أن ترسليه إلى بيته ليعمل لزوجته قفصاً للدجاج؟ ما نوع القفص وحجمه؟ ردت: «هو قفص دجاج وليس قفص فيل. فكم سيكون حجمه؟». وأوضحت أن نجار المصنع أنجزه من أخشاب مهملة متروكة للتلف. وسبق للمدير أن استفاد من تلك المخلفات في عمل أسيجة لبيوت الموظفين وطلائها باللون الأبيض بشكل أعطى القرية جمالاً. أما القفص فقد أقيم على أرض حكومية ليست ملكاً للمدير، وهو سيترك المنصب ذات يوم وسيبقى القفص لمن يأتي بعده.
وما حكاية الطابعة التي استوردها المصنع من أميركا؟ هل يحتاج معمل الحليب إلى مطبوعات؟ أجابت أنها قدمت طلباً للمدير وفق الأصول المتبعة في دوائر الدولة، ووافق على الطلب، وجيء بماكينة حديثة لطبع الملصقات الملونة التي ساهمت في تعريف المواطنين بمنتجات المصنع الذي كان في بداياته، وتحفزهم على تذوّق الحليب الطبيعي المعقّم بعد أن أشاعوا أنه حليب بودرة.
ختمت شهادتها أمام المحكمة العسكرية بالقول: «ليت في العراق عشرة مثل هذا المدير في إخلاصه وحسن تعامله مع الموظفين». لاذ الجميع بالصمت وتبادلوا النظرات والابتسامات الباهتة. لم يُسجن المتهم واكتفوا بالاستغناء عن خدمات الرجل الذي تكتب المؤلفة أنه جعل من أبي غريب واحة خضراء. وبفضل جهده شرب العراقيون أنظف حليب صنع عندهم حتى الآن، منه ما هو مُطعّم بالموز والفراولة والكاكاو. وكان للمصنع أسطول من الناقلات المبردة يوزع عبوات الزبدة والقيمر واللبن الرائب وأنواع الأجبان. يزوره الخبراء من هولندا والدنمارك وفرنسا ويدهشهم مستوى الإنتاج والنظافة.
تلقفت الأمم المتحدة، فيما بعد، المدير الذي شككوا في نزاهته. صار خبيراً في منظمة الغذاء الدولية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو