هل تنوي تركيا القيام بعملية عسكرية جديدة في سوريا؟

هل تنوي تركيا القيام بعملية عسكرية جديدة في سوريا؟

الاثنين - 28 شوال 1443 هـ - 30 مايو 2022 مـ رقم العدد [15889]

هيمنت الحرب في أوكرانيا على الأجندة السياسية الدولية، ومع ذلك، يشهد الملف السوري نشاطاً كبيراً هو أيضاً. ففي الآونة الأخيرة، تصدرت عناوين الصحف تصريحات الرئيس إردوغان في 23 مايو (أيار)، بأن تركيا في طريقها لإجراء عملية عسكرية جديدة في شمال سوريا. ولم يحدد الرئيس التركي موعد انطلاق العملية؛ لكنه أشار إلى منطقة أمنية عمقها 30 كيلومتراً من الحدود مع سوريا، وأكد أن الهدف سيكون تأمين الأماكن التي لم تتمكن القوات التركية من السيطرة عليها خلال العمليات العسكرية السابقة.
وأفاد مسؤولون أتراك بأن هذه المناطق يجري استخدامها من قبل «وحدات حماية الشعب» لشن هجمات. والآن، يتركز الجدل حول ما إذا كان إردوغان ينوي حقاً التحرك، أم أنه يمارس المناورة فحسب.
جدير بالذكر هنا أنه في بداية الأزمة في سوريا عام 2011، عملت تركيا على تحقيق مصالحة بين الأسد وخصومه، ثم تحولت إلى موقف مناهض للأسد بشدة. وفي مواجهة التهديدات والتحديات شديدة الخطورة القادمة من خارج الحدود، توصل الأتراك إلى أفكار مختلفة، مثل: «المناطق الآمنة»، و«مناطق حظر الطيران»؛ لكنهم لم يتمكنوا من إقناع شركائهم في حلف «الناتو» والدول الأخرى ذات التفكير المماثل، للمضي قدماً في تنفيذ هذه الأفكار.
بعد ذلك، اتخذت تركيا إجراءً أحادي الجانب، واستندت فيه إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة (بند الدفاع عن النفس). وفي هذا الإطار، نفذت تركيا العمليات العسكرية الثلاث التالية في شمال سوريا:
- عملية «درع الفرات» في أغسطس (آب) 2016.
- عملية «غصن الزيتون» في يناير (كانون الثاني) 2018.
- عملية «نبع السلام» في أكتوبر (تشرين الأول) 2019.
تجدر الإشارة هنا إلى أن مساحة هذه المناطق تقدر في مجملها بحوالي 8300 كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها 2.3 مليون نسمة. وتخضع هذه المناطق لسيطرة «الجيش الوطني السوري»، بدعم من القوات المسلحة التركية، وتديرها مجالس محلية، والحكومة المؤقتة للمعارضة السورية، بدعم مالي وتقني جاد من جانب تركيا.
وعلى الرغم من الاقتتال الداخلي بين الجماعات المسلحة المعارضة، وبعض مزاعم سوء الإدارة والفساد، فإن هذه المناطق تعد آمنة بشكل عام، وفي حالة أفضل من المناطق الخاضعة لسيطرة الأسد أو «وحدات حماية الشعب» الكردية.
من ناحية أخرى، تبدو إدلب حالة مختلفة. فهي آخر منطقة متبقية من مناطق «خفض التصعيد» التي أقرت نتيجة لاتفاق بين تركيا وروسيا في إطار عملية آستانة. وتخضع إدلب لسيطرة «هيئة تحرير الشام»، وتديرها هيئة إدارتها المدنية، «حكومة الإنقاذ الوطني». ومن المهم أن نتذكر أن «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقاً) مدرجة على أنها تنظيم إرهابي.
وتستضيف إدلب أعداداً هائلة من اللاجئين من أرجاء أخرى من سوريا. وحول منطقة باب الهوى، المجاورة لتركيا، يعيش مليونا نازح سوري في مخيمات مؤقتة. ويبلغ إجمالي عدد السوريين الذين يعيشون في الأجزاء التي تسيطر عليها «هيئة تحرير الشام» في إدلب (3100 كيلومتر مربع) حوالي 4 ملايين نسمة. وتتمركز القوات التركية كذلك في إدلب، بهدف منع الهجمات ضد المدنيين، وبالتالي منع تدفق موجات جديدة من اللاجئين إلى تركيا.
أما فيما يخص الاعتبارات الرئيسية لتركيا والمتعلقة بشمال سوريا، فيمكن إيجازها على النحو التالي:
- مواجهة تهديدات «وحدات حماية الشعب» و«داعش» ونظام الأسد وغيرها.
- توفير مناطق آمنة يمكن للسوريين الذين يعيشون في تركيا العودة إليها.
وفيما يتعلق باعتبارات الأمن:
- فقد تنظيم «داعش» السيطرة على أراضٍ؛ لكنه لا يزال يحتفظ بالقدرة التشغيلية والأدوات التي تمكنه من إلحاق أضرار جسيمة.
- يحتفظ الأسد بمقعده إلى حد كبير بفضل الدعم الروسي والإيراني.
- تسيطر «وحدات حماية الشعب» (الذراع السورية لـ«حزب العمال الكردستاني» المصنف رسمياً كمنظمة إرهابية في عدة دول) على حوالي 23 في المائة من سوريا. وتحظى «وحدات حماية الشعب» بدعم من الولايات المتحدة وعديد من الدول الغربية، باعتبارها شريكاً إقليمياً في محاربة تنظيم «داعش» ومنظمات متطرفة أخرى. وتتولى «وحدات حماية الشعب» التي أعادت تسمية نفسها بـ«القوى الديمقراطية السورية»، إدارة المناطق الواقعة تحت سيطرتها عبر ما تسمى الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، ونجحت في بناء هيكل يشبه الدولة.
ومن خلال عمليات عسكرية، كان آخرها عام 2019، تولت تركيا تأمين نصف الحدود التركية السورية (911 كيلومتراً إجمالاً)؛ لكن «وحدات حماية الشعب» لا تزال تسيطر على بعض الجيوب في البلدات والمناطق، بالإضافة إلى شرق رأس العين.
يذكر أنه في عام 2019، وقَّعت تركيا اتفاقيات منفصلة مع الولايات المتحدة وروسيا. ومع ذلك انسحبت «وحدات حماية الشعب» على نحو جزئي، إلى الجنوب من منطقة «إم 4»، ولذلك تدعي تركيا أن هذه الاتفاقات لم يجرِ تنفيذها على نحو كامل بعد.
وفيما يخص اللاجئين، أصبحت عودة أكبر عدد منهم إلى سوريا بمثابة وعد انتخابي. وأعلن الرئيس إردوغان عن مشروعات لبناء منازل من الطوب على الجانب الآخر من الحدود.
والآن: ماذا يمكن أن يكون رد الفعل المحتمل لبعض الأطراف الرئيسية تجاه عملية تركية جديدة؟
المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية قال إن شن هجوم جديد في شمال سوريا من شأنه أن يقوض الاستقرار الإقليمي، ويضر بالحملة ضد «داعش». وتحدث السكرتير الصحافي لـ«البنتاغون» على المنوال نفسه.
وربما يكون لدى إيران التي قيل إنها توسع نفوذها في سوريا، مخاوف مماثلة تجاه تركيا فيما يتعلق بطموحات «وحدات حماية الشعب»، وستعارض عملية عسكرية تركية.
من ناحيتها، لم تعترف روسيا قط بـ«حزب العمال الكردستاني» كتنظيم إرهابي، وتربطها علاقة جيدة بـ«وحدات حماية الشعب». ومن حيث المبدأ، ستعارض موسكو هي أيضاً العملية العسكرية لتركيا؛ لكنها قد ترى في ذلك، في الوقت ذاته، فرصة لخلق انقسام بين الحلفاء الغربيين، وجذب الانتباه بعيداً من أوكرانيا، نحو مناطق أخرى.
على أي حال، تحمل سوريا أهمية كبيرة لروسيا من نواحٍ كثيرة. وربما تعيد موسكو هيكلة وجودها في سوريا؛ لكنها لن تنسحب. جدير بالذكر أن لدى روسيا قرابة 20 قاعدة داخل سوريا، أشهرها قاعدتا حميميم الجوية وطرطوس البحرية. وربما لا تضيع هذه المكاسب. أيضاً، تنظر روسيا إلى سوريا باعتبارها منطقة مهمة يمكنها من خلالها ممارسة ضغوط على دول «الناتو» التي تعارضها في أوكرانيا.
وتتمثل قضية مهمة أخرى في المستقبل القريب، في تسليم المساعدات الإنسانية عبر الحدود من تركيا عبر معبر باب الهوى الحدودي. ومن المفترض أن ينتهي سريان قرار مجلس الأمن رقم 2585 الذي ينظم هذه المساعدات بحلول 10 يوليو (تموز) 2022. وهذه المرة، صرحت روسيا بمعارضتها تمديد القرار.
ختاماً، مثلما ذكرت في بعض المقالات السابقة، لم يتبقَّ سوى عام، أو نحو ذلك، على عقد انتخابات في تركيا، ولا يمكن اعتبار أي شيء مستقلاً عن هذه الانتخابات، بما في ذلك قضايا الأمن واللاجئين المتعلقة بسوريا.
من ناحيتها، لدى تركيا مخاوف (فيما يتعلق بـ«وحدات حماية الشعب/ حزب العمال الكردستاني») وتشعر بأن الحلفاء خذلوها. ومن هذا المنطلق أيضاً يأتي اعتراضها على عضوية السويد وفنلندا في «الناتو». وقد يشير وجود القوات المسلحة التركية على الأراضي السورية إلى خلاف ذلك؛ لكن تركيا تدعم وحدة سوريا وسلامتها الإقليمية. وقد صرحت بأنها ستغادر بمجرد زوال التهديد.
من ناحية أخرى، تدّعي الولايات المتحدة أنها تدعم وحدة أراضي سوريا، ولن تدعم الطموحات الانفصالية. إلا أن سجل الولايات المتحدة -ليس فقط في سوريا، وإنما كذلك في أفغانستان- يجعل تأكيدات الولايات المتحدة بشأن أي شيء يصعب تصديقه. في الوقت ذاته، تواصل الولايات المتحدة تزويد «وحدات حماية الشعب» بالأسلحة والمعدات، كما تبدو الإعفاءات الأخيرة من العقوبات من قبل الولايات المتحدة شكلاً آخر من أشكال الدعم القوي.
وعلى الرغم من الصعوبات المختلفة، وخطر نشوب نزاعات جديدة محتملة مع الحلفاء الرئيسيين، بما في ذلك الولايات المتحدة، والدخول في مواجهة مع أطراف أخرى، لا يزال من الممكن أن تتخذ تركيا الخطوات التي تراها ضرورية.
* خاص بـ«الشرق الأوسط»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو