فاضل السلطاني
محرر الثقافة والكتب في «الشرق الأوسط» منذ عام 1997. نشر عدة كتب شعرية وترجمات. وفي الدراسات له «خمسون عاماً من الشعر البريطاني» و«الأرض اليباب وتناصها مع التراث الإنساني». وأصدر بالانجليزية «فيليب لاركن شاعراً منتمياً» و«ثلاثة شعراء محدثون». مُجاز في الآداب من جامعة بغداد، وحاصل على درجة الماجستير في الأدبين الأوروبي والأميركي من جامعة لندن.
TT

من يتغير... اللغة أم نحن؟

طرح الزميل توفيق السيف، في مقاله «لغة ضيقة»، المنشور في «الشرق الأوسط» بتاريخ 4/5، عدة قضايا متشابكة وشائكة لا يزال العلماء والمتخصصون منذ قديم الزمان يتجادلون ويختلفون حولها. وبالتأكيد لا تسمح مساحة صغيرة بالتعمق فيها، وإنما الهدف هو طرح الأسئلة، وإثارة التفكير في جوانب إشكالياتها وانعكاساتها اجتماعياً وثقافياً، وهي مهمة ليست سهلة إطلاقاً.
من هذه القضايا، قضية اللغة، التي عدها المقال قابلة للتطور مثلها مثل أي عنصر ثقافي آخر. وفي الحقيقة، ليس من الدقة اعتبار اللغة عنصراً ثقافياً لتتطور مع تغير الأزمنة. ولذلك اعتبر كثير من العلماء والمختصين اللغة في منزلة وسط بين البناء التحتي، ممثلاً بالاقتصاد والواقع الاجتماعي، وبين البناء الفوقي، الذي يشمل الثقافة بمعناها الواسع (Culture) الذي تندرج ضمنه العناصر الثقافية والفكرية والسياسية والعادات والتقاليد الاجتماعية وحتى ثقافة الطعام... إلخ. وبهذا المعنى، اعتبرت اللغة التعبير الواقعي للفكر، الذي تتغير بالطبع أشكاله بتغير الزمان والمكان، بينما الهيكل الأساسي لقواعد اللغة ومتنها، أو بنيتها العميقة، إذا استخدمنا تعبير العالم اللغوي ستيفن بنكر، أو المستوى التركيبي، باقٍ جوهرياً كما هو، وهو يتميز بثبات كبير قد يستمر قروناً. بنية العربية، مثلاً، لا تزال كما هي ما قبل امرؤ القيس وبعده، وجوهر الإنجليزية باق كما هو ما قبل شكسبير وبعده، كما في أي لغة حية أخرى.
وكما هو معروف، هناك لغات قديمة ماتت تماماً مع أقوامها التي بادت مثل السومرية والأكدية والفرعونية، وهناك أيضاً مفردات تموت، أو تنضمر، وفي المقابل تدخل مفردات جديدة في أي لغة حيوية بحكم التطور العلمي والثقافي والتقني واختلاطات الثقافات، فيحصل ما يكمن أن نسميه «نمواً لغوياً». ونحن نعرف أن قاموس «أوكسفورد» الإنجليزي يغتني كل عام بمفردات جديدة من لغات أخرى، منها العربية، وكذلك قاموس «لاروس»، وكل قواميس اللغات الحية، كما أن بناء الجملة أو صياغتها يتغيران أو يتطوران مع الزمن بالضرورة، فلم يعد أحد يكتب مثل راسين أو شكسبير، أو مثل الجاحظ أو الهمذاني.
من هنا، فإن تساؤل الزميل توفيق السيف، عن سبب زيادة مساحة القبول حين يكون المتحدث رجل دين، يجد جوابه في فهمنا لطبيعة اللغة، وليس بسبب «أن اللغة تسمح بمستويات متعددة للمعنى»، رغم وجاهة هذا القول، لكنه لا يكفي لتفسير ظاهرة فكرية واجتماعية تشمل قطاعات كبيرة من مجتمع ما.
كون اللغة هي الواقع العملي للفكر، يفسر لنا لماذا ازدادت مساحة القبول بحديث رجل الدين في مرحلتنا هذه. إن الخطاب الديني يشكل الآن عنصراً أساسياً في الثقافة السائدة بمنطقتنا في هذه المرحلة. ولكن الأمر لم يكن كذلك في الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي، حين ساد الخطابان القومي واليساري في بلدان عربية كثيرة، وكانت مساحة القبول بهذين الخطابين واسعة جداً، لأنهما شكلا العنصرين الأساسيين في الثقافة السائدة آنذاك، بينما لم يكن للخطاب الديني سوى تأثير ضئيل، ويكاد يكون شبه معدوم.
وإذا عدنا في التاريخ بعيداً، كان الخطاب الديني هو السائد في أوروبا لقرون طويلة، ربما حتى القرن التاسع عشر.
وفي مرحلة لاحقة، سادت ثقافة الطبقة البرجوازية. وقد تغلغلت هذه الثقافة في كل فئات المجتمع، منها تلك الفئات التي كانت خارج هذه الطبقة، لكنها وقعت تحت تأثير خطابها السياسي والثقافي بسبب سيادتها الشاملة. وفي البلدان الاشتراكية السابقة، سادت ثقافة أخرى، أو خطاب آخر هو خطاب الطبقة الجديدة، الطبقة العاملة، أو على الأقل خطاب منظريها وأحزابها، وهكذا عبر مراحل التاريخ المتعاقبة.
وما تغير في عهدنا الحالي، ربما خلال السنوات العشرين الأخيرة، وبسبب الانقلابات الاجتماعية والإعلامية الهائلة، أن الخطاب العالي لم يعد بالضرورة خطاب الطبقة السائدة، أو الفئة التي تمتلك السلطة، وإنما الخطاب الشعبي، الشعبوي غالباً، الذي يكاد يصبح بدوره خطاباً سائداً في هذه المرحلة، التي لا أحد يعرف مدى ديمومتها ما دامت الشروط السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي أنتجتها لا تزال قائمة.