من «فيسبوك» إلى «تويتش» الإرهاب يواصل الازدهار

من «فيسبوك» إلى «تويتش» الإرهاب يواصل الازدهار

الاثنين - 22 شوال 1443 هـ - 23 مايو 2022 مـ رقم العدد [15882]

العلاقة بين الإعلام والإرهاب علاقة دقيقة ومُعقدة، لكنها تمر الآن بمنعطف خطير؛ إذ يتغير شكل الإعلام في العالم في اتجاه يعزز سطوة «السوشيال ميديا» ويزيد من حجم تأثيرها، بينما تلك الأخيرة لم تنجح حتى الآن في بلورة مقاربة مسؤولة وناجعة للحد من النزعات الإرهابية التي تنتشر عبرها وتواصل الازدهار.
ولمزيد من الإيضاح، سنفترض أن أحد المتطرفين المتعصبين قرر أن يُلهم آخرين ويشجعهم على ممارسة قتل الأبرياء تجاوباً مع ميوله الإرهابية؛ فجهز سلاحاً آلياً فتاكاً، وارتدى درعاً واقية، ثم ثبت كاميرا في خوذته، ورتب مع إحدى القنوات الفضائية الرائجة لكي تنقل المجزرة التي سينفذها على الهواء، حيث قامت تلك الفضائية بالبث الحي للواقعة التي سيقتل خلالها العشرات، قبل أن تعتذر عن بثها هذا المحتوى، وتقوم بإزالته.
سينقلب العالم من دون أدنى شك؛ إذ ستُقدم القناة اعتذارها للمشاهدين وللسلطات، وستُجري تحقيقاً داخلياً مع المسؤولين عن البث الدموي، وستوقفهم عن العمل قبل أن تقرر طردهم، وسيصدر «الأمبودسمان» الذي عيّنته القناة لإخضاع أدائها للتقييم بياناً يُقرّ فيه بأن القناة ارتكبت «جريمة» بكل المعاني القانونية والإعلامية، وستشجب النقابات المهنية المختصة ما أقدم عليه الإعلاميون المسؤولون عن البث، وستحقق معهم، وستصدر الهيئة الضابطة المعنية بتنظيم المجال الإعلامي قراراً بوقف بث القناة وسحب ترخيصها، قبل أن تذهب الواقعة إلى المحكمة التي يمكن أن تصدر قرارات بعقوبات زجرية بحق المتورطين.
ليس هذا فقط، لكن مجموعة عريضة من المنظمات المعنية بحرية الصحافة على مستوى العالم، ومعها المئات من الجمعيات غير الحكومية المعنية بقضايا السلام والأمن وحقوق الإنسان، ستشجب وتُدين ما أقدمت عليه القناة. وستطالب بتوقيع أقصى العقوبات على المتورطين في هذا «الجرم»، انتصاراً لما تدافع عنه من قيم الحق في الحياة والمسؤولية الاجتماعية للإعلام.
سيتم اتخاذ تلك الإجراءات كلها، وسيجري توقيع هذه العقوبات بلا هوادة، من خلال ميراث متراكم من آليات الضبط وإخضاع الأداء للتقييم ومسارات المحاسبة يعرفها قطاع «الإعلام التقليدي» في مختلف دول العالم، لكنَّ أياً من ذلك لن يحدث في حال أقدمت منصة «تواصل اجتماعي» على فعل الشيء نفسه.
هذا ما جرى بالفعل، حين نفذ المتطرف اليميني تارانت مجزرة في مسجدين بمدينة كرايستشيرش في نيوزيلندا عام 2019، حيث قتل 51 شخصاً، بينما كان يبث وقائع المجزرة على الهواء مباشرة، من خلال «فيسبوك»، فيما عُد لاحقاً أول بث حي في التاريخ لواقعة إرهابية.
ويبدو أن ما قالته بعض وسائل الإعلام ومراكز التفكير الدولية الكبرى آنذاك عن أن هذه الجريمة ارتُكبت «من أجل عالم وسائل التواصل الاجتماعي»، صحيح. فقد تلا هجوم كرايستشيرش، وبثه على الهواء، ثلاث مجازر مشابهة على الأقل؛ إحداها وقعت في هاله بألمانيا في خريف العام نفسه، حين شن متعصب عنصري هجوماً على كنيس يهودي، فقتل اثنين وأصاب آخرين، بينما بث جريمته على الهواء من خلال منصة «تويتش».
وثانية تلك الجرائم وقعت في تايلاند، حين قتل جندي متعصب نحو 20 شخصاً في معبد بوذي وأحد مراكز التسوق، لتثبت التحقيقات لاحقاً أنه قام بتحديثات على حساباته على منصات «التواصل الاجتماعي» خلال عملية القتل.
لكن الحادثة الثالثة التي وقعت في بافالو، بولاية نيويورك الأميركية، خلال شهر مايو (أيار) الجاري، جاءت لتثبت بشكل واضح هذا الارتباط الوثيق بين البث الحي عبر الإنترنت وزيادة إيقاع الجرائم الإرهابية المستندة إلى دوافع عنصرية.
وفي التحقيقات التي أعقبت الحادثة، التي راح ضحيتها عشرة من روّاد سوق تجارية، ظهر أن مرتكب الواقعة نفّذ جريمته بـ«وحي» من مهاجم كرايستشيرش. ولذلك فقد بث جريمته على الهواء من خلال منصة «تويتش»، كما اتضح للمحققين أنه قرر البث من أجل «إلهام الآخرين»، بعدما كان قد أعلن عن نيته الإجرامية من خلال منصة «ديسكورد»، ودعا متابعيه عبرها إلى مشاهدة وقائع جريمته.
تقول «تويتش» إنها حذفت الفيديو الإرهابي بعد دقيقتين فقط من بثه، لكن 22 شخصاً كانوا قد شاهدوه، واتضح لاحقاً أن تلك الفترة كانت كافية جداً ليتم بث الفيديو على منصات أخرى بعد إخضاعه لمعالجات لتفادي الحجب.
لم ينهض عمالقة التكنولوجيا بأدوارهم المفترضة من أجل ضمان آلا تتحول منصاتهم إلى وسائل لترويج العنف والإرهاب وإلهام المتطرفين. وهم بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد من أجل تصنيف رواد منصاتهم، وفرز أصحاب الميول العنيفة بينهم، بما يَحول دون استخدامهم تلك المنصات في بث جرائمهم على الهواء وإلهام آخرين حول العالم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو