يمكن القولُ إنَّه منذ الانسحابِ البريطاني من الخليج عام 1968، دخلت منطقةُ الشرقِ الأوسط في مرحلة أو حالةٍ من الفراغ الاستراتيجي، وأصبحت تتنازع عليها قوى إقليمية ودولية عدة. وأصبح قدر المنطقة أن تعيش في حالة مستمرة من التحول والصراع وعدم الاستقرار. وضمن هذا المشهد الدرامي المأساوي، تبلور ما عُرف بـ«محور الاعتدال» أو الاعتدال العربي بوصفه استجابة عقلانية لحماية الدولة الوطنية ومنعها من الانهيار، تقوده السعودية ومصر ودول الخليج والأردن والمغرب، مستندة إلى رؤية تعلي من شأن الاستقرار والدولة الوطنية، واحترام السيادة على حساب المشاريع الآيديولوجية، ولديه سياسة معتدلة مع الغرب. وعلى الجانب الآخر، ظهرت محاور أخرى تسمى «المقاومة أو الممانعة» وأنا أسميها محاور لا تؤمن بسيادة الدول واستقرارها، وعلى علاقة متوترة مع الغرب، واختارت طريق الفوضى والتدخل الخارجي، تحت شعارات الثورة والمقاومة، فحوَّلت المنطقة إلى ساحات تصفية حسابات.
وعندما اندلعت موجات ما سُمِّي «الربيع العربي» مطلع عام 2011، لعبت محاور التغيير دوراً بارزاً في تغذيتها ودفعها نحو مسارات فوضوية، مستفيدة من حالتَي الغضب الشعبي والفراغ السياسي؛ لتقويض الدولة الوطنية، وإعادة تشكيل موازين النفوذ عبر التدخل الخارجي. فدخلتِ المنطقة في مرحلة وحالة من الفوضى العارمة، حيث انهارت الأنظمة السياسية في كثير من الدول، وانعدم الاستقرار السياسي، وترهلت مؤسساتها الأمنية والعسكرية، ورأينا تداخل الأمن بالسياسة، والدين بالسلاح، فأصبحت هذه الدول عرضة وبيئة خصبة للتدخلات الخارجية والمنظمات الإرهابية. ودفعت المجتمعات ثمناً باهظاً من أمنها واستقرارها. ولم تكن تكلفة تلك المرحلة سياسية وأمنية فحسب، بل جاءت باهظة اقتصادياً واجتماعياً، إذ قدرت تقارير أممية ودراسات إقليمية الخسائر بمئات المليارات من الدولارات، إلى جانب تفاقم البطالة، واتساع هشاشة المجتمعات في واحدة من أكثر الفترات تكلفة في التاريخ الحديث للشرق الأوسط.
ومع فشل وانكشاف التكلفة العالية لهذه المشاريع التي راهنت على تقويض مفهوم الدولة الوطنية ودعم منطق اللادولة، وما ترتب عليها من فوضى ودمار وتفكك في عدد من دول المنطقة، برز المشروع السعودي ليعيد قيادة «محور الاعتدال» من جديد بوصفه النقيض الاستراتيجي لتلك المشاريع. فقد راهنت السعودية على أن أمن المنطقة واستقرارها لا يتحققان عبر الآيديولوجيا أو الصراعات بالوكالة، بل من خلال الاستقرار السياسي والأمني والتنمية الاقتصادية.
وقد عبَّر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بوضوح عن ملامح هذا التوجه في أكثر من محطة مفصلية. ففي مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» بالرياض عام 2018، أكد أن الشرق الأوسط قادر على أن يكون أوروبا الجديدة إذا ما استثمرت دوله إمكاناتها الاقتصادية والبشرية، في إشارة إلى انتقال المنطقة من منطق الصراع إلى منطق التنمية والتكامل. ثم عاد ليؤكد هذا المسار في حواره مع صحيفة «الشرق الأوسط» عام 2019، حين شدَّد على أن أولويات المملكة تقوم على تحقيق الاستقرار السياسي والأمني، بوصفه شرطاً لازماً للتنمية الاقتصادية، وأن دور السعودية إقليمياً هو دعم السلام، وبناء بيئة مستقرة ومحفزة. وبالتالي عادت السعودية بوصفها قوة سلام وتنمية تتجاوز منطق الصراع وتستبدل منطق البناء والتكامل المشترك بمنطق الهيمنة. هي مقاربة تستند إلى إرث عميق من الحكمة والتوازن والقدرة على بناء العلاقات على أساس الاحترام المتبادل في السياسة السعودية، ترجمت لمنهج ثابت يقوم على الدبلوماسية الهادئة الواعية بتعقيدات المشهد الدولي، والعمل الإنساني، والتنمية العابرة للحدود، بوصفها أدوات متكاملة لإعادة الاستقرار وصياغة توازن إقليمي مستدام.
وقد تجلَّت بدايات المشروع السعودي عبر دعم استقرار الدول العربية المحورية، وربط الأمن بالتنمية من الخليج إلى مصر والعراق واليمن امتداداً إلى أفريقيا، من خلال وساطات سياسية ومشاريع اقتصادية كبرى ومساعدات إنسانية وتنموية، مهدت جميعها لتحول السعودية بحلول 2025 إلى فاعل مركزي في إعادة الاستقرار وبناء التوازن الإقليمي بعد عقدين من الفوضى والدمار.
ويمكن القول إن عام 2025 كان عاماً ساخناً في المنطقة، وهو امتداد لأعوام متلاحقة من الاضطراب وتراكم وتشابك الأزمات، لكن رأينا فيه انفراجة في كثير من ملفاته، وقد برزت السعودية في حلحلة كثير من هذه الملفات المعقدة، حيث تحركت بشكل كبير ومؤثر في ملفات القضية الفلسطينية، وسوريا، ولبنان، والعراق، واليمن، والسودان، وفق مقاربة واحدة تعيد الاعتبار للدولة الوطنية والسلطة المركزية، وتربط أي مسار سياسي بوقف النزاعات، وإعادة الاستقرار، وتحسين الأوضاع المعيشية بوصفها مدخلاً للاستقرار الدائم.
ففي القضية الفلسطينية، عملت السعودية على مسارين رئيسيَّين، الأول حشدت جهداً سياسياً وإنسانياً دولياً لوقف الحرب على غزة ومنع انزلاق المنطقة إلى دوامة صراع مفتوح، والثاني هو السعي لحل جذري للقضية عبر ترسيخ مركزية حل الدولتين إطاراً وحيداً للسلام. حيث أطلقت في سبتمبر (كانون الأول) 2024، «التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين» ليكون منصة دبلوماسية تستهدف إحياء عملية السلام الفلسطينية - الإسرائيلية، وتدرج مساره عبر اجتماعات دولية متعددة في كل من الرياض، وبروكسل، وأوسلو، والقاهرة قبل أن يتوَّج في يوليو (تموز) 2025 بعقد مؤتمر دولي في الأمم المتحدة استضافته السعودية وفرنسا، ولاقى زخماً واسعاً وتوافقاً دولياً على تسوية «عادلة» للقضية الفلسطينية، وانتهاءً بإقرار إعلان نيويورك المؤيد لحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بأغلبية ساحقة.
أما في سوريا فقد دعمت السعودية إعادة سوريا الجديدة، بعد سقوط نظام الأسد، إلى محيطها الإقليمي، وربط أي انفتاح سياسي بالحفاظ على وحدة الدولة وتحسين الأوضاع المعيشية، وتهيئة بيئة آمنة لعودة اللاجئين. كما لعبت السعودية دوراً مؤثراً عبر تكثيف التنسيق الدبلوماسي عبر الشركاء الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة؛ لدفع مسار رفع العقوبات وتوسيع الاستثناءات عن سوريا، بما يتيح دعم التعافي الاقتصادي وفتح المجال أمام الاستثمار، وإعادة الإعمار بوصفه مدخلاً ضرورياً لاستقرار سوريا. وفي العراق، استمرَّت في تعميق شراكتها مع العراق عبر مسارات التنمية والطاقة والربط الاقتصادي.
وقد برز الملف السوداني بوصفه أحد الملفات الساخنة في عام 2025، وقد واصلت السعودية دورها المحوري في دعم مسار التهدئة ووقف القتال، مستندة إلى اتفاق جدة الذي رعته بالشراكة مع الولايات المتحدة بوصفه الإطار الأكثر جدية لتنظيم وقف النار وحماية المدنيين وفتح المسارات الإنسانية. وخلال زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن عام 2025، دفعت السعودية باتجاه تنسيق دبلوماسي مكثف لإعادة إحياء مسار جدة، بما يمهد لتسوية سياسية تحفظ وحدة السودان وتمنع انزلاقه مجدداً إلى فوضى إقليمية ممتدة.
وفي الملف اليمني، ركزت السعودية خلال عام 2025 على تثبيت مسار التهدئة ودعم الجهود الأممية والإقليمية؛ للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة، مع الاستمرار في لعب دور الضامن لخفض التصعيد وحماية الملاحة وأمن المنطقة. وفي ظل التطورات الأخيرة، تعاملتِ الرياضُ مع المشهد اليمني بمنطق احتواء الأزمة ومنع توسعها، عبر الجمع بين الضغط الدبلوماسي، والدعم الإنساني، والتنمية.
وأخيراً، أعتقد جازماً أنه مع تراكم الجهود السعودية في دعم الاستقرار والسلام، وإطلاق المبادرات التنموية، وإعادة بناء الثقة بين الدول والشعوب، يتشكل ويتبلور مسار إقليمي جديد أكثر وعياً بمصالحه وحدوده، وأقل اندفاعاً نحو المغامرات غير المحسوبة، بما يجعل الاعتدال الذي تقوده السعودية ليس مجرد خيار سياسي، بل يصبح إطاراً واقعياً وعقلانياً وعملياً للخروج من إرث سنوات عجاف من الحرب والدمار، ومشروعاً مستداماً للاستقرار والتنمية في المنطقة، ويمهد لتحول المنطقة إلى أوروبا الجديدة، كما تنبأ الأمير محمد بن سلمان.
