جدل «العوالم الثقافية»

جدل «العوالم الثقافية»

الثلاثاء - 16 شوال 1443 هـ - 17 مايو 2022 مـ رقم العدد [15876]

لا تتوقف تأثيرات الحرب في أوكرانيا على حدود المواجهات العسكرية المباشرة على الأرض أو التدخلات الخارجية التي تقودها الولايات المتحدة، بالسلاح المفرط والعقوبات غير المسبوقة والتحالفات المتغيرة وحسب، إذ تمتد إلى أبعاد ثقافية وحضارية وإنسانية متشعبة ومعقدة، وكل منها يدفع بقوة إلى مراجعات وتأملات كبرى.
دعونا نتأمل هذا المفهوم الخطير الذي كتبه رئيس الوزراء البولندي، ماتيوش مورافيسكي في صحيفة «تليغراف» معبراً عن رأيه في الحرب الأوكرانية، معتبراً أن «العالم الروسي» بمثابة «ورم سرطاني يشكل تهديداً مميتاً لأوروبا بأكملها»، داعياً إلى وجوب «القضاء تماماً على هذه الآيديولوجيا الجديدة الوحشية».
مثل هذه المقولات لا يمكن النظر إليها كشيء عابر، فالقائل هو رئيس وزراء دولة أوروبية مهمة، وتوجهها الرئيسي منذ سقوط حلف وارسو وانهيار الاتحاد السوفياتي السابق نهاية ثمانينات القرن الماضي، تمثل في التحول السريع إلى القيم الغربية والنظام الديمقراطي والانخراط الفعال في الهياكل المؤسسية الغربية كالناتو والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن علاقة وثيقة للغاية مع الولايات المتحدة. هذا التوجه كان وما زال يعبر عن قناعة تامة بالقطيعة الكلية مع ميراث الحقبة الشيوعية، وهي قناعة تفسر إلى حد ما تشدد الموقف البولندي تجاه العملية العسكرية الروسية، والوقوف بحزم مع أوكرانيا، وتقديم أنواع متنوعة من الدعم العسكري والاقتصادي والدعائي والسياسي للرئيس الأوكراني زيلينسكي، فضلاً على لعب دور فعال في تشديد العقوبات على روسيا، وحث كل الدول الأوروبية على الاندفاع نحو التخلص من كل إمدادات الطاقة الروسية.
الأمر بالنسبة لرئيس الوزراء البولندي لا يتوقف عند رد «العدوان الروسي»، بل يمتد إلى القضاء التام على العالم الروسي وآيديولوجيته الوحشية حسب تعبيراته. والسؤال هنا هل يمكن بالفعل القضاء التام على عالم متنوع البلاد والجنسيات، ومرتبط بشكل أو بآخر باللغة الروسية وثقافتها، وبعض تلك البلدان تَعتبر روسيا حليفاً موثوقاً به، وبعضها الأخرى لديها تحفظات على سياسات روسية، ولكنها لا تريد أبداً القطيعة معها، وهل وصف الوحشية هو وصف صائب، أم أنه تعبير عن رؤية استعلائية وتمييزية؟ وتمتد الأسئلة إلى مساحة واسعة من الإشكاليات الفكرية والسياسية، فهل تقبل مثل هذه التصريحات من مسؤول عربي أو مسلم في مواجهة ثقافة الغرب، وهل كان العالم الغربي سيقف صامتاً مثل صمته تجاه مقولة المسؤول البولندي رفيع المستوى؟
مفهوم صراع الحضارات والثقافات ليس بجديد، مع الفارق الكبير بينهما من حيث المضمون والسلوك، ومنذ أن طرح صمويل هنتنغتون كتابه الشهير صراع الحضارات وتشكيل النظام العالمي الجديد، وهناك أدبيات عديدة قدمت بدورها مفاهيم مضادة، وركزت غالبيتها على أن صراع حضارة ضد أخرى تدحضه الوقائع والأحداث، وأن الأقرب إلى الدقة هو أن الحضارات نفسها تواجه الصراعات الداخلية فيما بين ممثليها، فمن بين المنتمين للحضارة الإسلامية هناك فروقات ضخمة، كما بين بعضهم صراعات تتعلق بالمصالح. والأمر كذلك بين المنتمين للحضارة العربية بمعناها التاريخي والوظيفي، وحتى الحضارة الأوروبية ذاتها إذا قبلنا المفهوم ككل، ورغم تقدم دولها اقتصادياً وتكنولوجياً، ففيها الكثير من التناقضات بين أطرافها، ولعل الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، هو التعبير العملي الأوضح على مستويات من الصراع والتنافس بين ممثلي حضارة ما.
كذلك مفهوم العالم الموصوف بصفة محددة، كالروسي أو التركي أو العربي أو الأوروبي أو الصيني وما شابه، فهي كلها مفاهيم متداولة في نطاق التحليل السياسي والاستراتيجي. والعنصر الحاكم هو كيف يتم توظيف المفهوم لتحقيق مصالح كبرى. وفي التعريف الذي قدمته إحدى الوكالات الإعلامية الروسية لمفهوم العالم الروسي، في سياق الرد على رئيس الوزراء البولندي، واستناداً إلى باحثين وخبراء روس، فإن العالم الروسي «هو مفهوم ثقافي حضاري وجيوسياسي وديني، وهو مركز حضاري بدأت السياسة الخارجية الروسية في استخدامه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، كمبدأ مرتبط بتوحيد المواطنين الناطقين باللغة الروسية على اختلاف أجناسهم وأعراقهم ودياناتهم وجنسياتهم، ويرتبط بفكرة المجال الثقافي الذي تؤثر فيه ثقافة ما على شعوب مختلفة، وتوظيف القوة الناعمة للدولة الأم. وبهذا المعنى فهو يعكس استراتيجية شاملة لتشكيل مجال حيوي يحقق مصالح مشتركة بين أكثر من مجتمع وبلد وجنسية، ولكن بصورة طوعية، وليست قهرية.
مقابل العالم الروسي هناك أيضاً العالم التركي الذي يعد بدوره أحد مكونات السياسة الخارجية التركية منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، بغرض استعادة قدر من النفوذ في الجمهوريات التي استقلت عن روسيا، حيث قدمت تركيا نفسها كنموذج ديمقراطي لمجتمع مسلم وثيق الصلة بالغرب، وهو النقيض الموضوعي للعالم الشيوعي الذي سقط تماماً، وللنموذج الإيراني المنافس والمكروه غربياً.
أنقرة في العامين الماضيين حولت ما كان يعرف بالمجلس التركي الذي نشأ 2009، وضم الدول الناطقة بالتركية، إلى منظمة العالم التركي وتضم أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان وقرغيزستان وتركمانستان. وبدون معاناة يظهر التداخل بين العالمين الروسي والتركي، وحين تم نشر ما وصف بخريطة العالم التركي نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، شملت دولاً ذات علاقة جيدة مع موسكو ومناطق روسية، علق وزير الخارجية الروسي لافروف أنه يوجد أيضاً عالم روسي يربط بين الناطقين بالروسية.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا أي عالم روسي هو المقصود؟ من الصعب الإجابة الدقيقة، بيد أن التداخل بين عالمين روسي وتركي، والتنافر بين اللغات وتباين الثقافات يبين أنه من الصعوبة بمكان أن تتحول هذه العوالم الافتراضية إلى حضارات متناغمة كل في ذاته.
وقد بَينت الأحداث أن فكرة الارتباط بعالم بذاته بناءً على اللغة والثقافة - إذا ما افترضنا أنه يمثل حضارة متكاملة الأركان وذات خصوصيات واضحة - تخضع بالأساس لمدى تحقيق مصلحة رئيسة ولمدى عمق الارتباط بثقافة مركز معين. فأثناء الاضطرابات التي عمت كازاخستان يناير (كانون الثاني) الماضي، وقبل أقل من ستة أسابيع من بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، طلب رئيس كازاخستان الدعم من روسيا استناداً إلى معاهدة الأمن الجماعي التي ترأسها أرمينيا حالياً، ولم يتجه إلى أنقرة التي تعتبر نفسها مركز العالم التركي، وبالفعل أرسلت موسكو قوة حفظ سلام ساعدت على السيطرة على الأوضاع الداخلية بسرعة لافتة.
واقعة كازاخستان أظهرت أن كل دولة، واستناداً إلى مزيج من المعطيات التاريخية والتطورات السياسية الحديثة، يمكن أن تنتمي إلى أكثر من عالم، دون أن تشعر بالارتباك، ويظل لديها الاختيار للجوء إلى هذا العالم أو ذاك وفقاً لطبيعة اللحظة التي تمر بها، وتقديرها للطرف الذي يمكن أن يقدم الدعم والمساندة أكثر من الطرف الثاني. وبالتالي يصعب الاتفاق على أن عالماً بذاته يمثل كل الشر ويجب القضاء عليه، وعالماً آخر يمثل كل الخير وينبغي الانصياع له. فمثل هذه الأوصاف الحدية لا مجال لها في واقع دولي وإنساني دائم التغير والتحول.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو