كل المصائب لا شيء

كل المصائب لا شيء

الأحد - 6 شوال 1443 هـ - 08 مايو 2022 مـ رقم العدد [15867]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.

جرت العادة حين يلتقي عراقيان أن يسأل أحدهما الآخر: «شكو ماكو؟». أي ماذا هنالك من أخبار؟ وغالباً ما يكون الجواب: «كل شي ماكو». أي لا جديد في الأفق. مفردات تعود في أصلها إلى بقايا اللغة البابلية القديمة. وهناك من يرى أنها محرّفة من كلمة «إيخو» الكلدانية وتعني موجود. وبهذا فإن «ماكو» تعني غير موجود.
قبل سنوات بعيدة أصدر الشاعر العراقي جليل حيدر مجموعة شعرية بعنوان: «طائر الشكو ماكو». واليوم هناك موقع على الشبكة اتخذ من «شكو ماكو» اسماً له. وبيننا من ما زال يتذكر عبارة «ماكو أوامر» التي ارتبطت بنكبة فلسطين. لكن الجديد هو هذا الفيلم الروائي للمخرجة ميسون الباجه جي: «كل شي ماكو».
كانت مناسبة جميلة أن يعرض الفيلم، قبل أيام، أمام جمهور واسع في قاعة معهد العالم العربي في باريس. ذهبنا ونحن لا نعرف هل هو طويل أم وثائقي قصير؟. ومنذ الدقائق الأولى للعرض كنا نغرق في مستنقع المأساة العراقية. صياد يسحب من دجلة جثة منتفخة لامرأة مكتوب على ذراعها أنها قتلت لسوء مسلكها.
قالت المخرجة وهي تقدم فيلمها الذي شاركتها كتابته الشاعرة إرادة الجبوري، إن التصوير استغرق زمناً طويلاً. وهو أمر مفهوم لأن الحكاية حكايات. والبطل أبطال. والمأساة الواحدة مآسٍ، مثل أخطبوط بعدة أذرع ورأس واحد موصوف ومعروف. وميسون التي درست الفلسفة ثم صناعة الأفلام في بريطانيا، نشأت في بيت سياسي. عايشت الاحتلال الأميركي للعراق بكل أخطائه وخطاياه واختارت لفيلمها زمناً هو الأقسى في فترة «الديمقراطية الجديدة». أي مذابح الاقتتال الطائفي عام 2006. حين كان الرجال والنساء يموتون بطلقة في الرأس بسبب الدين والمذهب.
تجري الأحداث في الأسبوع الأخير من ذلك العام، بين عيدي الميلاد والأضحى. إن حوارات الشخصيات قليلة ومعبرة. والكاميرا المدربة تدخل بيوت العائلات البسيطة والطبقة الوسطى، تتوقف في أزقة هجرها الأمان واستحلتها العصابات. يلتقي الجيران بين تفجيرين ويطرحون السؤال التقليدي: «شكو ماكو؟». يأتي الجواب المخادع: «كل شي ماكو». سخرية سوداء حين تصبح الفاجعة عادية ولا يعود أحد يهتم بما يجري.
يشتري شاب شهادة مزورة لكي يسافر للخارج ويطلب اللجوء. لا يتوقع أن يقبلوه في أوروبا وأميركا. يقول لوالدته إنه يراهن على الصين والهند والبرازيل. تسأل الأم بكل طيبة: «عيني ابني أنت تعرف تحكي برازيلي أو هندي أو صيني؟». أما جارتهم فإنها غاضبة لأنهم سألوا ابنتها: «هل أنت شيعية أو سنية؟». تقول لها: «قولي أنا عراقية وبس». امرأة أخرى كانت في السابق ممثلة، تستقوي على بؤس الحاضر بإلقاء ما تحفظ من حوارات لمسرحيات عالمية. تدمع عيناها حين تزورها صديقتها في العيد وتهديها النسخة الأصلية من «بيت برنار آلبا»، مسرحية الشاعر الإسباني لوركا. شعب مثقف يتشبث، رغم التجهيل، بقيم العلم والحق والجمال والعِشرة الطيبة. ينتظر معجزة.
من دون شعارات ولا هتافات ولا أي من مفردات السياسة والسياسيين، تدين ميسون الباجه جي الجريمة الكبرى في حق العراقيين. تعرض للعالم، بالكثير من الرهافة، وقائع ما آلت إليه الأحوال في «بلد الحضارات». تمسح الجرح والقيح بالزعفران.
أكو خاتمة: جاء في الأخبار أن «ميزانية العراق دخلها في الشهرين الأخيرين قرابة العشرين مليار دولار من بيع النفط. وفي كل شهر سيدخل بين سبعة وعشرة مليارات طالما أن أسعار الوقود مرتفعة، ما يمكنه أن يحلّ الآلاف من مشكلات المدارس والمستشفيات والجسور والشوارع والكهرباء والإسكان».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو