بين نجيب محفوظ وإيلون ماسك

بين نجيب محفوظ وإيلون ماسك

الاثنين - 1 شوال 1443 هـ - 02 مايو 2022 مـ رقم العدد [15861]

يُروى أن نجيب محفوظ كان إنْ استمع إلى وجهة نظر علّق عليها بقوله: معك حق. حتى إن اختلف معها. وحتى إن تباينت. ويُروى أيضاً أنه سُئل عن هذا فأجاب أن كلاً معه «حق» من وجهة نظره. ليس «الحق» مجرد حق.
إحدى مشكلات الترجمة من الإنجليزية إلى العربية، التي لفت إليها مديري نظري في بداية حياتي العملية، ترجمة النكرة بالمعرف. تكون الكلمة في الإنجليزية خالية من أداة التعريف، فيترجمها محرر اللغة العربية مضيفاً إليها الأداة من عنده. ويحسبها هينة. والفارق في المعنى عظيم. لاحظ الفارق بين: «مصريون يذهبون إلى الساحل في الصيف» وبين «المصريون يذهبون إلى الساحل في الصيف». اخترت هنا جملة محايدة. لا تتحدث عن جرائم من طرف في حق طرف. ولا عن تعصب ديني وعرقي. وهي الجمل الأكثر تداولاً في الأخبار. تخيل الفارق في المعنى.
لا أبالغ إن قلت إنّ هذا الصراع الأكبر في التاريخ منذ نشأة الأمم. الصراع على المعنى ومتطلباته، على القيم. معنى الحياة، معنى الحق، معنى الحب، معنى الصلاح.
اعتدنا أن نمتدح ما حدث في أوروبا الغربية بعد عصر إعادة الإحياء. لو تفكرت في سبب المديح لرأيت أنه التنوع. من المهن إلى الأفكار إلى طريقة التعبد داخل الدين الذي يحمل اسماً واحداً.
في المجتمع الغربي الحالي عاد الصراع على أعقابه من نُخبة تريد أن تفرض منظوراً واحداً، تعدّه الصواب، بألف ولام التعريف، سياسياً ومجتمعياً وأخلاقياً. هذه النخبة تجاوزت فكرة أن يطرح المرء رأياً يعتقد أنه صواب -كما أفعل في هذا المقال- إلى فكرة أن تطرح رأياً هو وحده الصواب.
حتى هذا الاعتقاد يمكن التعامل معه. فالإنسان مخوّل أن يدافع عن رأيه بحماسة أحياناً. لكن المشكلة الأكبر في عنصرين أساسيين.
أولهما أن هذه النخبة تمتلك المحبس العمومي، بحيث تستطيع تعطيش الآخر تماماً. ومن القوة بحيث تمارس تنمراً جماعياً كثيفاً إلى درجة أنه لا يوصف بأنه تنمر. تحدثنا عن هذا من قبل، فلن أتوقف عنده. إلا بأنه المعادل السياسي لألف ولام التعريف في اللغة، التي تضاف إلى الشيء فيصير الواحد المعرف المتفق عليه.
ثانيهما تحكمها فيما يأتي بعد ألف ولام التعريف. الشعار نفسه. أكان حقاً أو حرية أو عدالة. وكلها كلمات لم تتفق البشرية على معناها يوماً. خذ مثلاً «العدالة». هل العدالة الرياضية أن تختصم من نقاط المتفوق في الدوري لصالح فرق القاع؟ أم العدالة أن تضع قواعد متساوية للجميع ثم ينال كلٌّ بقدر قدراته؟ هل العدالة الأكاديمية أن تجعل الاختبار في مستوى الطالب المتوسط فيتساوى هذا في النتيجة مع المتفوق، أم العدالة أن يكون الاختبار قادراً على قياس جميع المهارات ومن ثم تصنيف الطلاب أكاديمياً حسب تفاوت مهاراتهم؟ هل العدالة الاقتصادية أن ينفق الحرفي بالضرائب على طالب الجامعة، ومن أنجب ابناً أو ابنة على من أنجب فوق مقدرته بكثير؟
أطرح فقط زوايا مختلفة للنظر. لا أطرح هنا رأياً.
طيب. والنتيجة العملية من هذا التحكم؟
هذه الممارسة صارت فرصة لجماعات انتهازية لكي تجعل هذه تجارتها. بعض الجماعات صارت متعهدة «النصيب العادل» للسود، أو «النصيب العادل» لذوي ميول جنسية معينة، أو لذوي أصول عرقية ما.
ثم إنك تحتاج إلى أن يكون مؤهلك ظاهراً. هذا سهل في حالة لون البشرة. لكن ماذا تفعل مع التصنيف الديني؟ لا تقلق. هناك أيضاً جماعات انتهازية لديها إجابات. حين يريد متجر أن يُظهر تنوعه «الديني» لن يأتي بمسلمة لا تحمل في مظهرها ما يميزها عن يهودية أو مسيحية أو هندوسية. سيأتي بمسلمة محجبة. هنا تَحول الشكل الخارجي أيضاً إلى وسيلة احتكار لما بعد ألف ولام التعريف. لم تعد حتى «مسلمة» تكفي. بل صارت «المسلمة». هذه صورة «المسلمة» المطلوبة.
في ظاهر الأمر يبدو هذا فعلاً يبذر الخير على نطاق أوسع. لكن الواقع غير ذلك. لقد صارت هذه المكاسب تمر من ممرات محددة، يشرف عليها أشخاص بأعينهم، ارتقوا من خلال فعل تنظيمي منح منتسبيه ميزات على غيرهم من داخل نفس المجتمع. في حالتنا يملك الإسلامجية هذه الممرات. ومن هنا اقترنوا بجماعات التصنيف الأخرى على قلب فكرة تخدمهم.
استحواذ إيلون ماسك على «تويتر» ليس خبراً إيجابياً لأن إيلون ماسك سيملأ الأرض حقاً وعدلاً. بل خبر إيجابي لأن «البيغ تك» تحتاج إلى كسر سلوكها الاحتكاري الذي صار يحدد آراءنا السياسية، وآراءنا الثقافية والاجتماعية، وما المعلومات التي يجب أن نقرأها بكثافة في مقابل تلك التي لا نقرأها إلا لو قصدناها. السلوك الذي انعكس علينا في أرض الواقع ولم يقتصر على رفاهية الجدال النظري. ما حدث في الانتخابات الأميركية كان ليفل الوحش في تغول «البيغ تك»، ولا سيما أنها جميعاً تسير في اتجاه واحد يسيّره أشخاص أقل من أصابع اليدين. ومن الأفضل لنا أن تتصارع فيما بينها حول المعنى، فلا يملك أيها ألف ولام التعريف أبداً.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو