بعد بدء الاجتياح الروسي لأوكرانيا، سألني أحد الأصدقاء عما إذا كنت أخطط لإخراج والدتي من الشيشان، نظراً لانعدام الاستقرار الاقتصادي، وندرة الغذاء في الدولة التي مزقتها الحرب في جنوب غربي روسيا. أخبرته أنها لن تذهب من دون ابنها وزوجة ابنها وأحفادها، ولا يمكنني إخراج الجميع.
نعلم بعض الشيء عن الحياة في زمن الحرب. فقد قضيت السنوات الأولى من شبابي تحت قصف المدفعية الثقيلة خلال الحروب الروسية ضد الانفصاليين في الشيشان. وتعرضت العاصمة غروزني للغزو مرتين في حملات قصف روسية لا هوادة فيها، أسفرت عن مقتل عدة آلاف من المدنيين.
أعرف معنى أن تخاف باستمرار، وألا يكون لديك بيت. شقيقي الآخر يرقد في مقبرة مشتركة في الشيشان، بعد أن قتلته القنابل.
طلبت من والدتي شراء طعام يدوم معنا لفترة، وسألتها: «هل تتذكرين كيف جففنا الخبز أثناء الحرب، ووضعنا الفتات في القبو؟». وطالبتها بفعل الشيء ذاته؛ لأن الخبز المجفف في الفرن لا يفسد بسرعة.
أشاهد حرب روسيا ضد أوكرانيا من خلال مدينة فينيكس التي وصلت إليها العام الماضي للحصول على زمالة في الصحافة. كان من المفترض أن أعود إلى موسكو في يونيو (حزيران). كان من المفترض أن أستمر في تعزيز مهنتي كصحافية في روسيا. كان من المفترض أن أرى والدتي في يوليو (تموز)؛ لكنني لا أستطيع فعل ذلك.
ابتُليت بذكريات الماضي عن الحروب الشيشانية منذ أن بدأت الحرب الروسية في أوكرانيا. فما يعانيه الأوكرانيون أمر مروع. وعلى الرغم من أنني وعائلتي مررنا بظروف مماثلة، فإن شعور الذنب لم يبارحني.
نظمت الجالية الأوكرانية في أريزونا احتجاجاً في فينيكس، بعد وقت قصير من دخول طليعة الجنود الروس إلى أوكرانيا. انضم إلينا زملاؤنا المهاجرون من أوروبا الشرقية، تحديداً من لاتفيا والمجر. وكان هناك أيضاً أميركيون، بالإضافة إليَّ أنا الصحافية الشيشانية من روسيا.
ركبت دراجتي وهرعت إلى الموقع لإجراء مقابلات مع الناس؛ حيث أخبرني زوجان في منتصف العمر من فينيكس، بأن الرئيس يجب أن يرحل. وقالت المرأة إنها آسفة إذا أساءت إليَّ؛ لكنها تقول الحقيقة.
في المركز الثقافي الأوكراني الأميركي المجاور، قابلت امرأة أميركية من أصل أوكراني، تدعى سفيتلانا جيلدن. لم تكن تتحدث معي باللغة الروسية التي يعرفها كلانا. وأخبرتني أنها لن تتحدث بعد الآن مع أصدقائها الروس في الولايات المتحدة الذين يدعمون السياسة الروسية.
نظرَت مباشرة في عيني، وأخبرتني أنه نظراً لكوني مواطنة روسية، فإنها تعتبرني عدواً لها، وليس هناك ما يمكنها فعله حيال ذلك.
لم أواجه مشكلة في امتلاك أكثر من هوية واحدة؛ فأنا مواطنة من أصل شيشاني روسي. وبصفتي شيشانية، عندما أشاهد مقاطع فيديو للملاجئ المؤقتة من القنابل الأوكرانية، أتذكر الذهاب إلى الفراش مرتدية ملابسي في غروزني، في منزل بلا نوافذ، وأدعو الله ألا يبدأ القصف في الليل. أتذكر الركض إلى الطابق السفلي عبر ردهة مفتوحة. وكان خوفي الأكبر أن أموت في الطريق.
كمواطنة روسية، عندما أرى القوات الروسية تقصف المدن، أشعر بالحزن؛ لأنني سمحت - من خلال صمتي - بأن غيري يعتقدون أنني سأقبل ما يقررونه.
وعندما أسمع عن ذهاب الشيشان إلى أوكرانيا لشن الحرب تحت علم الاتحاد الروسي، فإنني أواجه نفوراً معرفياً شديداً.
عندما قالت جيلدن إنها تعتبرني عدواً لها، أردت أن أشاركها صدمة نفسي وعائلتي، وأن أُعفَى من المسؤولية عن أفعال الجيش الروسي وأوامر بوتين؛ لكنني لم أفعل.
شاهدت مقطع فيديو لشيشانيين يقفون للدفاع عن أوكرانيا بالبنادق في أيديهم. وأخبرني صديق شيشاني في روسيا، أنه إذا أعلنت الحكومة الروسية الأحكام العرفية، وأجبرته على الذهاب إلى ساحات القتال، فسوف ينتقل إلى جانب أوكرانيا.
من بين الجنود الذين ذهبوا إلى أوكرانيا ضمن الجيش الروسي، قريب شيشاني لي. كان عمه واحداً من عدد من الشيشانيين الذين اختُطفوا خلال الحروب مع روسيا ولم يعودوا بعدها. وعندما كان صبياً، قصف الجيش الروسي منزله، وعاشت عائلته عدة سنوات كلاجئين في مسجد.
لا أعرف ما هو تفسيره للذهاب إلى أوكرانيا! إذا عاد من هناك حياً، فسأسأله.
أخشى ألا يكون لدى أفراد عائلتي في الشيشان ما يأكلونه قريباً؛ حيث لم أتمكن من تحويل المال إليهم؛ لأن شركات التحويلات أوقفت أو حدَّت من التحويلات داخل وخارج روسيا. وحالياً تقوم أمي بتجهيز قطعة أرض صغيرة في فناء منزلها الخلفي، لزراعة الطماطم والخيار والجزر والفلفل والبقدونس والشبث.
خرج زملائي وأصدقائي في موسكو للاحتجاج، وتعرض كثيرون منهم للاعتقال، بينما ذهب البعض إلى أوكرانيا لتغطية الحرب. لا يمكنني مقارنة تضحياتهم بما يعانيه الناس هناك الذين لن تعود حياتهم إلى ما كانت عليه مرة أخرى. ما زلت أشعر بالمسؤولية المتزايدة تجاههم.
هنا في الولايات المتحدة، استمعتُ إلى بث صوتي (بودكاست) أوضح فيه أحد الصحافيين أن العقوبات سارية؛ لأن الروس خرجوا للاحتجاج. وكان من المؤلم سماع ذلك. الناس في المدن الروسية يحتجون، نعم؛ لكن مما رأيته وسمعته، ليس بسبب العقوبات؛ بل لأنهم ضد الحرب. لقد كانوا دائماً ضدها.
نعم، تسبب العقوبات فوضى اقتصادية تؤثر على الحكومة والأفراد العاديين؛ لكن المتظاهرين مدفوعون بضميرهم. فهؤلاء هم الأشخاص الثمانية الذين خرجوا إلى الميدان الأحمر في موسكو عام 1968، بعد الغزو السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا. هؤلاء هم آلاف الأشخاص الذين عارضوا الحرب في الشيشان في بلدي في التسعينات، والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وخرج الآلاف في 2010 ضد الحكومة الروسية أيضاً.
بالطبع، يؤيد بعض الروس عدوان بلادهم على أوكرانيا، أو لا يأبهون به، أو يخافون من التعبير عن معارضتهم. أولئك الذين يتحدثون أحياناً يجدون أنفسهم منفصلين عن آبائهم وإخوانهم وأخواتهم الذين يصدقون دعاية الكرملين. فهم إما فقدوا وظائفهم، وإما فروا من البلاد.
أخبرني رجل شيشاني أعرفه، كان أخوه وأقاربه الآخرون من بين الجنود الذين ذهبوا إلى أوكرانيا، فهو خلال النهار يشاهد الأخبار ويدعم أوكرانيا. ثم في إحدى الأمسيات تلقى رسالة نصية تفيد بأن شقيقه ربما يكون قد قُتل (وهو ما لم يحدث). قال لي إنه شعور فظيع أن يفكر في أن أفراد عائلته في حالة حرب. إنه يصلي من أجل أن يعودوا أحياء من غير أن يقتلوا أحداً.
في فينيكس، أتلقى الدعم من أصدقائي الجدد ومن المنظمة التي دعتني إلى هنا، وأحصل على رسائل وعلى الرعاية كل يوم؛ لكني عندما أنظر من نافذة الطابق الخامس عشر من المبنى الذي أقطن فيه، يبدو لي أنه من هذه النقطة المرتفعة أستطيع أن أرى بلدي تغرق في الظلام.
** صحافية شيشانية بدأت حياتها المهنية عام 2009 في غروزني. في عام 2017، انتقلت إلى موسكو؛ حيث عملت حتى عام 2021. فازت في العام الماضي بزمالة «هوبرت همفري» وتدرس بـ«كلية والتر كرونكايت» للصحافة، في جامعة ولاية أريزونا.
* خدمة «نيويورك تايمز»
