كيفية تفادي حرب نووية

كيفية تفادي حرب نووية

الثلاثاء - 12 شعبان 1443 هـ - 15 مارس 2022 مـ رقم العدد [15813]
روس دوثات
كاتب من خدمة «نيويورك تايمز»

سبتمبر (أيلول) 1983. كان ستانيسلاف بتروف يحمل رتبة مقدم في الجيش السوفياتي، مكلفاً في مركز القيادة المعني رصد سواتل الإنذار المبكر فوق الولايات المتحدة. وخلال إحدى نوبات العمل، انطلقت أجهزة الإنذار: يبدو أن الأميركيين أطلقوا 5 صواريخ باليستية طراز «مينيتمان» العابرة للقارات.
حدث ذلك في ذروة توترات الحرب الباردة، وبعد أسابيع قليلة فقط من إسقاط الاتحاد السوفياتي طائرة ركاب مدنية كورية انحرفت عن مسارها إلى المجال الجوي السوفياتي. خلال دقائق فقط من توقع وصول الصواريخ الأميركية إلى أهدافها، كان على المقدم بتروف أن يقرر ما إذا كان سيبلغ عن الهجوم عبر تسلسل القيادة من عدمه؛ مما قد يؤدي إلى توجيه ضربة انتقامية سريعة.
بعد النظر ملياً في الأمر، وافتراض أن الضربة الحقيقية الأولى لا بد أن تشتمل على أكثر من 5 صواريخ، قرر الإبلاغ عن حالة الإنذار باعتبارها خللاً، أو عطلاً، أو إنذاراً كاذباً. وهو ما كان: لقد أخطأ القمر الصناعي في قراءة ضوء الشمس المنعكس على السحب باعتباره إطلاقاً صاروخياً.
نال بتروف مكافأته سنة 2017، وهي مكافأة ملائمة، كما نرجو، لرجل أنقذ ملايين الأرواح. لكن هناك سببين للتأمل في خياراته الآن، حيث يحاول الغرب الرد على اجتياح روسيا لأوكرانيا وفي الخلفية تقف الترسانة النووية الروسية.
الأول أن نتذكر ببساطة كم كان العالم بأسره محظوظاً للإفلات من براثن القصف النووي المتبادل إبان الحرب الباردة. عندما كادت الإخفاقات وشيكة للغاية، ليس فقط في لحظات «حافة الهاوية القصوى» مثل أزمة الصواريخ الكوبية، وإنما أيضاً من خلال العشوائية، والمصادفة، والخطأ. إذا كان هناك طريق إلى الحرب النووية في القرن الحالي، فمن المحتمل أن تنطوي على نوع مماثل من الطوارئ والحوادث، حيث يتدخل الشيطان بأساليب يتعذر التنبؤ بها مسبقاً.
غير أن الأمر يستحق النظر فيما جعل موقع بتروف موجعاً للغاية: إذ كان عليه أن يقرر ما إذا كان سوف يتوجه إلى نهاية العالم في وضع يهدد فيه عدم التصعيد مجتمعه بكامله بالهزيمة. وبعد ذلك، يتعين علينا النظر في كيفية تلمس سبيله للخروج من المأزق: بالنظر في حقيقة أن 5 صواريخ لم تكن في الواقع ضربة قاصمة، وإنما كانت دليلاً على أن الأقمار الصناعية قد أخطأت، وإشارة أيضاً على أنه لم يحمل المصير النهائي لبلاده بين يديه.
تثبت تجربته الخاصة مبدأ عاماً في المواجهات بين القوى ذات التسليح النووي: غالباً ما يكون من الأفضل أن تقيد (تضبط) نفسك بدلاً من تقييد خيارات عدوك، وتدفعه نحو قرار مثقل بالهلاك بين التصعيد والهزيمة.
الالتزامات الواضحة - سوف نقاتل هنا ولن نقاتل هناك - هي العملة المعروفة في المجال النووي؛ لأن الهدف هو إلقاء مسؤولية التصعيد على كاهل العدو، حتى يشعر بثقله الرهيب، بينما يشعر أيضاً بأنه يمكنه دائماً اختيار مسار آخر. وفي حين أن التصعيد غير المتوقع والأهداف القصوى، التي قد تكون مفيدة غالباً في الحرب التقليدية، تمثل عدو السلام النووي، بقدر ما تهدد به العدو بسيناريو الخسارة المشتركة الذي كاد بتروف يكتشف وجوده في ذلك اليوم من عام 1983.
لهذه الرؤى مضاعفات عديدة على استراتيجيتنا الآن. أولاً، أنها تقترح أنه حتى لو كنت تعتقد أنه كان ينبغي على الولايات المتحدة منح ضمانات أمنية لأوكرانيا قبل الاجتياح الروسي، فإننا الآن، وبعد اندلاع الحرب، يجب علينا الالتزام بالخطوط التي رسمناها مسبقاً. مما يعني: نعم للدفاع عن أي حليف لحلف الناتو، ونعم لدعم أوكرانيا بالعقوبات والأسلحة، ولكن كلا لمنطقة حظر الطيران، أو أي تدبير آخر قد يُلزمنا إطلاق أول رصاصة ضد الروس.
ثانياً، تعني أنه من الخطر للغاية على المسؤولين الأميركيين الحديث عن تغيير النظام في موسكو - على غرار السيناتور المتهور ليندسي غراهام، على سبيل المثال، الذي دعا «بروتس - السياسي الروماني القديم المعروف باشتراكه في اغتيال الملك يوليوس قيصر» أو «شتاوفنبرغ - ضابط الجيش النازي المعروف بضلوعه في محاولة فاشلة لاغتيال هتلر» لتخليص العالم من فلاديمير بوتين. فإذا جعلت عدوك المسلح نووياً يعتقد أن استراتيجيتك تستلزم نهاية نظامه (أو فناءه شخصياً)، فإنك تدفعه مجدداً إلى دائرة عدم الاختيار التي كادت تحاصر المقدم بتروف.
ثالثاً، تشير كل الدلائل إلى أن احتمالات اندلاع حرب نووية قد تكون أعلى اليوم من احتمالات نشوبها في العصر السوفياتي؛ ذلك لأن روسيا أضعف كثيراً الآن. إذ كان لدى الاتحاد السوفياتي ببساطة أراض أكبر يمكنه التخلي عنها في حرب تقليدية، قبل أن تلوح الهزيمة الوجودية بأكثر مما هو متاح لإمبراطورية بوتين الصغيرة حالياً - مما قد يكون سبباً في منح الاستراتيجية الروسية الراهنة الأولوية بشكل متزايد للأسلحة النووية التكتيكية، في حالة تراجع الحرب التقليدية عن بلوغ أهدافها.
لكن، إذا كان هذا من شأنه أن يجعل الوضع أكثر خطورة، فلا بد أن يمنحنا أيضاً الثقة بأن الأمر ليس في حاجة إلى خوض مجازفات نووية رعناء. يجب على الأصوات المنادية بالتصعيد الآن؛ لأنه سيتعين محاربته عاجلاً أم آجلاً، أن تدرك أن الاحتواء، والحروب بالوكالة، والرسم الدقيق للخطوط قد ألحقت الهزيمة بخصم سوفياتي هددت جيوشه باجتياح ألمانيا الغربية وفرنسا، بينما نحن الآن نواجه جيشاً روسيا قد تعثرت خطواته خارج كييف.
كنا حذرين للغاية بشأن التصعيد المباشر مع السوفيات حتى عندما غزوا المجر أو تشيكوسلوفاكيا أو أفغانستان، وكانت النتيجة انتصار الحرب الباردة من دون حرب نووية. إن التصعيد الآن ضد خصم أضعف، وإن كان من غير المرجح أن يهزمنا في نهاية المطاف، بل ومن المرجح أن يغرق في طيش نووي إذا ما قُيدت خطواته وحوصرت نزواته؛ مما يشكل حماقة وجودية خطيرة.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو