الرؤساء الأميركيون يساعدون بوتين!

الرؤساء الأميركيون يساعدون بوتين!

الجمعة - 17 رجب 1443 هـ - 18 فبراير 2022 مـ رقم العدد [15788]
ممدوح المهيني
المدير العام لقناتي «العربية» و«الحدث»

عندما اندلعت الثورة الخضراء في إيران وقُتل الآلاف، التزمت إدارة أوباما حينها الصمت. وجهة نظر الإدارة الأميركية حينها كانت: دعم الرئيس للمتظاهرين سيصورهم بأنهم مدفوعون بأيادٍ خفية ما يوفر حجة للنظام لتخوينهم والإجهاز عليهم. تلاشت بعد ذلك الغيوم وعرفنا لماذا اتخذت الإدارة هذا الموقف، من أجل صفقة أكبر مع النظام.
لكن ما الذي حدث فعلاً من الصمت وحتى الصفقة؟
مكافأة نظام وحشي ليس داخل إيران فحسب، بل خارجها أيضاً، أفقد العالم ثقته بالولايات المتحدة مخترعة النظام الدولي الناجح منذ الخمسينات والمدافعة عن أركانه مع حلفائها الموثوقين حول العالم.
الانسحاب من العراق كان الحلقة الثانية من التخلي عن النظام الدولي. ويتذكر الجنرال بترايوس في حديث مع أوباما المرشح الديمقراطي حينها أنه حذر من أن الانسحاب من العراق يعني هيمنة الإيرانيين، ورد عليه حينها: أرى بوضوح الخريطة المعلقة على الجدار! أي أنه يتفهم مصالح الإيرانيين في البلد المجاور لهم وسيستخدم الدبلوماسية بدل أسلوب بوش العسكري. ما حدث هو خروج كامل وتأكيد مرة أخرى على التخلي عن الدور في المنطقة وتراجع عن الإيمان بفكرة القطب الواحد، والوقت حان لعالم متعدد الأقطاب. سوريا الحلقة الثالثة، قرر أوباما توجيه ضربات لن تسقط الأسد ولكن ستبعث برسالة أن زعزعة النظام الدولي غير مقبولة. لم تحدث الضربات ولكن حدث ما هو أخطر. أغلب السياسيين في واشنطن من الحزبين أيّدوا أوباما على تراجعه، والنظرية الرائجة الصاعدة أننا لسنا مسؤولين عن العالم. هذه النظرية محركها الرئيسي مخاطبة الجمهور الداخلي المنعزل بطبيعته والمهتم بشؤونه المحلية. الرئيس بوتين قرأ وقتها بطريقة صحيحة هذه التحولات وتدخل في أوكرانيا وبعدها في سوريا. لقد كانت دوافع الرئيس بوتين أكبر فقط من التمدد ولكن تغيير قواعد اللعبة الدولية، وردد ذلك مراراً في أحاديثه عن موت النظام الليبرالي واستبدال نظام آخر بقيم جديدة به. قالت الإدارة الأميركية حينها وهي تبحث عن حجة ربما للخروج إن الروس سيغرقون في المستنقع السوري وهذا لا يبدو صحيحاً حتى الآن. عندما أتى الرئيس ترمب أصبح المشهد مضطرباً ومتداخلاً، تصادم مع الحلفاء الأوروبيين الذين يمثلون دعامة أساسية للنظام الدولي. تقارب مع بوتين بهدف عزله عن الصين التي اعتبرها العدو الاستراتيجي الأكبر. ضيّق الخناق على إيران وتقارب مع كوريا الشمالية. أعاد العلاقة مع الحلفاء في الشرق الأوسط. المحاطون بترمب كانوا أكثر إدراكاً منه لأهمية المحافظة على النظام الدولي، خصوصاً وزير الخارجية بومبيو الملاحق للنظام الإيراني وبولتون الذي رفض مصافحة قادة «طالبان». ترمب المهووس بالفوز بولاية ثانية استخدم لسانه لإرضاء قاعدته الشعبية وحرّك غرائزهم بحديث عن أميركا أولاً وأبدى عدم اهتمامه بما يحدث خارج العالم إذا لم تُدر أموال على أميركا وتُجلب وظائف للأميركيين وتُعاد الشركات المهاجرة للداخل. لقد بدا رجال ترمب أكثر حرصاً منه على العلاقة الاستراتيجية مع الحلفاء وصون العالم الذي صنعته أميركا وغيّرت وجه العالم. مرحلة بايدن متشابهة، تعاني أيضاً من الاضطراب ولكن بصورة مختلفة. نظرياً بايدن مؤمن بالنظام الليبرالي لأنه من الحرس القديم، ولكنه يرى العلاقة مهمة أكثر مع الأوروبيين. الانسحاب من أفغانستان كان لهدف داخلي تعثر ربما بسبب الخروج الكارثي، ولكن بايدن سياسي ويبحث عن ولاية ثانية، ولهذا قد يتنازل عن أي شيء حتى عن دور أميركي تاريخي من أجل أن يحقق أهدافه الخاصة. ومنطقياً، إذا سارت الأمور في هذا الاتجاه فسنرى في المستقبل رئيساً يعلن الخروج النهائي من العالم بحجج شعبوية عاطفية لأنها ستكون الضمانة لبقائه في السلطة لفترتين. في ظل كل هذه الفوضى في واشنطن من داخلها وتضارب الآراء والنظريات السياسية مع كل رئيس جديد، يمكن أن نقرأ خطوات الرئيس بوتين وكذلك الرئيس الصيني الذي لا يفصح كثيراً عما يجول في خاطره، ولكن ليس سراً أن الاثنين يتمنيان نهاية الهيمنة الأميركية على العالم بعد أكثر من 7 عقود، ويعملان لدفع أميركا لتكون قوة أطلسية بعيدة جداً عن مناطق نفوذهما وليس فقط بعيدة عن أوكرانيا وتايوان. صراع قوى لا أحد يعرف نهايته، ومن المثير أن حمل بوتين الثقيل لتغيير صورة العالم يُحمل بالسواعد الأميركية أكثر من أي شيء آخر.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو