أمانة الإرث... وكابوس الترؤس

أمانة الإرث... وكابوس الترؤس

الثلاثاء - 14 رجب 1443 هـ - 15 فبراير 2022 مـ رقم العدد [15785]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق

في إطلالته المباغتة يوم الاثنين 24 يناير (كانون الثاني) 2022، بدا سعد الدين رفيق الحريري القطب الأكثر وهجاً في المجتمع السياسي السُني منسجماً مع نفسه، محترماً كرامته التي أُسيئ إليها. هذا من جهة. ومن جهة أُخرى رسم بقرار النأي عن العمل السياسي، وهو الذي لطالما حاول تثبيت هذا الخيار للدولة عندما ترأس الحكومة، ملامح الصدمة التي يعيشها وارث زعامة حققها الوالد، حيث إنه مهما سعى وجدد أو أضاف فإنه لا يصل إلى ما سبق أن وصل إليه المورِّث الذي سيبقى هو الحاضر في ذاكرة الناس وعلى الألسنة في أحاديث مجالسهم.
مثل هذه الحالة عاشها رشيد كرامي، الذي رغم السعي الذي بذله في سنوات ترؤسه الحكومة بقي والده عبد الحميد كرامي هو الحاضر في الذاكرة اللبنانية. ويجاريه في حالته هذه القطب السياسي المسيحي ريمون إده الذي كان استحضار الموارنة لمسيرة والده إميل إده وصراعه، حتى بعدما أسلم الروح، مع القطب الماروني المنافس بشارة الخوري، يطغى على بريق الحراك السياسي الراقي والمتوازن. وعاش الحالة إياها بعد ذلك في الفضاء السياسي دوري شمعون الذي كان جمهوره السياسي يركز في تقييم ما يقوم به من نشاطات وما يسجله من مواقف على اسم والده الرئيس كميل شمعون. ولقد نجا من المفاعيل النفسية للظاهرة المشار إليها بحكم عدم التوريث، أن الرئيس فؤاد شهاب لم ينجب. كذلك الرئيس شارل حلو. كذلك الرئيس إلياس سركيس. ولولا أن قضاء الله أصاب أحد نجلي الرئيس سليمان فرنجية (طوني) والد الوارث سليمان لكانت الظاهرة إياها سترتبط بشخصية سليمان فرنجية الحفيد الذي ترتبط تطلعاته بالجد وليس بالوالد ومن أجل ذلك فإن معاناته من ظاهرة وهج المورِّث وتأثيرها السلبي في مسيرة عمله السياسي، ليست كما معاناة الآخرين. كما نجا من مفاعيل الظاهرة الرئيس بشير الجميل، وهذا عائد إلى أن الابن هنا بنى زعامة غير مسبوقة في لبنان.
وعندما ورث منصب الرئاسة اللبنانية أمين الجميل، بدت جلية حكاية الظاهرة، أي ربط الشأن بالمورِّث الثاني (الشقيق الآخر بشير) ربطاً بالمورِّث التاريخي مؤسس «حزب الكتائب اللبنانية» بيار الجميل (الوالد). وغادر أمين الجميل المنصب وفي تطلعاته أن يعوِّض نجله بيار ما لم يستطع هو تحقيقه، لكن المرهِّبين قضوا على الابن ومعه الحلم وبات النجل الثاني سامي يحاول أن يكون في الحد المستطاع بمثل ريمون إده في معالجة تقديم الحديث عن المورِّث قبل الوارث الذي يحاول ترسيخ بريق عصاميته.
في السياق نفسه، لم تساعد الظروف العائلية الرئيس الثامن للجمهورية اللبنانية إلياس الهراوي ثم الرئيس التاسع العماد إميل لحود فالعاشر الجنرال ميشال سليمان... إلى أن طرأ تجديد للمعادلة، حيث إن التوريث حدث في حياة المورِّث الذي هو حادي عشر رؤساء الجمهورية الجنرال ميشال عون. وخلال خمس سنوات بالغة العجْف من أصل ست على أهبة الانقضاء كانت الرئاسة اثنتيْن؛ واحدة رسمية متمثلة بشخص الجنرال ميشال عون، والأخرى فاعلة عملياً متمثلة بصهر الجنرال الرئيس. وحيثية الفاعلية أن الجنرال لم ينجب ولداً فاعتبر أن الصهر بمثابة الابن، وأنه سيصون تبعاً لذلك كشْف حساب الرئيس العم ما بعد الترؤس إذا هو كان الوريث. ومثل هذا التوريث لا يتم إلا إذا مارس الدور والتأثير تحت جناح الرئيس العم. وهذا ما يحصل وإلى درجة أن الحديث عن فاعلية الصهر يطغى أحياناً على فاعلية الرئيس. وعندما فاض الكيل إزاء شأن الصهر جبران باسيل بات لا بد من كلام يبرِّد سخونة القائلين بأن القصر الجمهوري العوني محكوم برئيسيْن، فكان قول نسبته الصحافية الزميلة غادة حلاوي للرئيس ميشال عون، في عدد يوم الأربعاء 5 يناير 2022 من صحيفة «نداء الوطن» اليومية التي ولدت في ظل انكفاء الصحافة الورقية، «أنا رئيس الجمهورية ولست رئيس التيار الوطني الحر. وقد تخليت عن رئاسة التيار عام 2015، أي قبل الرئاسة بسنتيْن، لكنهم هم لم يعترفوا بجبران باسيل. وكلما أرادوا منه شيئاً قصدوني لأتدخل في أمور تعنيه. أنا رئيس جمهورية أدير شؤون البلد وجبران رئيس تيار يدير شؤون الحزب والشؤون السياسية في البلد. إذا كان جبران طامحاً للرئاسة فيجب أن يكون كفؤاً، ولكنهم يخافون منه لأنه تربيتي ولا يقايض...». مجريات الأمور ونوعية التخاطب المعتمدة من جانب الصهر جبران باسيل تؤكد أن واقع الحال ليس كما حاول الرئيس الجنرال تبسيط أمر ما يقوم به الصهر الذي يؤكد حراك الرئاسة داخلياً وخارجياً، أنها ذات رأسيْن؛ رأس فوقه التاج هو الرئيس الجنرال ورأس ممسك بالتاج في انتظار أن يضعه على الرأس. وبهذا يسبغ على ظاهرة التوريث حالة غير مسبوقة رفضها الرئيس عبد الناصر عندما زين له متحذلقون أهمية توريث الابن البكر خالد أو تفادياً لما قد يصبح حديث الناس، توريث أحد الصهريْن. كما أن الرئيس حسني مبارك كان على أهبة الأخذ بها لولا أن الثورة عصفت برئاسته التي كانت في الثلث الأخير منها مثل الرئاسة اللبنانية العونية: رئاسة من اثنيْن، العم والصهر في لبنان. ورئاسة من الأب رسمياً في مصر ومن الابن جمال وريث بتهيئة مدروسة وصلاحيات تأثيرية كما حال تأثير جبران باسيل في جمهورية الثنائي الشيعي متكاتفاً مع الثنائي المسيحي الماروني ميشال عون وصهره جبران المفضل عن الصهر الآخر شامل روكز الذي افترض لبعض الزمن أنه كعسكري مقدام أولى بوراثة العم الجنرال.
الموقف الذي اتخذه سعد الدين رفيق الحريري وسبقه إلى اتخاذ موقف مماثل بحيثيات مختلفة تمام سلام، هو الدافع إلى هذا الاستحضار للتوريث السياسي بشقيْه المعنوي والنفسي المؤلم، حيث الوارث مهما أنجز يبقى أسير وهج المورِّث. كلاهما لقي خذلاناً لا يستحقانه، خصوصاً أنهما أعطيا الرئيس الجنرال قبولاً وإن على امتعاض باستهانات منه تركت أثرها على المجتمع السُني الذي بات يتملكه الشعور بأن هنالك أجندة خفية الدوافع واضحة الأسلوب، الغرض منها إحداث اهتزاز نوعي في الصيغة وبحيث يصبح رئيس الحكومة السُني موضع التسليم به رقماً وليس ركناً في الهرم المثلث، وفي الوقت نفسه، إضعاف أي دور يستند إليه هذا الرئيس وذلك من خلال مواقف يتم اتخاذها وتجعل هذه الدولة المساندة والمتعاطفة تنأى عن التعاطي كما في السابق مع الوضع عموماً. وعلى سبيل المثال، فإن إجبار رئيس الحكومة على ارتضاء التهجم على دول الخليج واستضافة أغراب للتهجم واعتماد تسمية الشوارع وملء عشرات الأمكنة بالصور والملصقات واليافطات يحقق الغرض، أي يصبح رئيس الحكومة السُني رابع الثنائيْن، الثنائي الشيعي القوي بـ«الفيتو المقاوم» والثنائي الرئاسي الجنرال الرئيس وصهره المستقوي بصاحب «الفيتو» والذي عيناه على استحقاق انتخابي برلماني يفرز كما الأجندة المسيئة القصد الاستحقاق الرئاسي.
هنا أُسقط الأمر نهائياً لدى سعد الحريري الذي بات كوارث يبعثر عن غير رغبة تراث والده المورِّث. ونراه يقرر بعد عميق اعتماد الوقفة الحاسمة التأمل فيما قد يكون آتياً ولخصه يوم الثلاثاء 24 يناير 2022 بعد قراءة حرب التهجم على من إذا أعانوا فإنهم يحققون استنهاضاً للبنان الذي أذله بعض أولي أمر الساعين إلى استيلاد وطن مختلف، بعبارة «إن التاريخ لن يرحم حزباً يبيع عروبته واستقرار وطنه ومصالح أهله لقاء حفنة من الشراكة في حروب المنطقة...».
كان الكلام موجهاً إلى الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله. وكان وهو يكتب تغريدته هذه قد اتخذ قراره بأن يضع النقطة على السطر، وهو الذي اشتهر بترداد العبارة في هذا الشأن. ولقد ظن مريدوه المحتارون في أمر خياره وأقاويل حوله نيته عدم الترشح في الانتخابات، أنه لا بد عندما جاءهم من أبوظبي سيواصل دوره كقطب سُني وارث زعامة من نوع زعامة رياض الصلح وعبد الحميد كرامي وصائب سلام، وأنه سيكون عند حُسْن التفاف المريدين حوله، وأنه سيبلغهم خبر يقين الاستقرار وسيبدأ من جديد بما يجعله عند حُسْن ظن الوالد والذين سبقوه في دنيا الآخرة، وبما يثبِّت الرئاسة الثالثة ركناً في المثلث الرئاسي وليست رقماً برسم التقاذف والاستهانة. كما ذهب بهم الظن إلى حد أن سعد الحريري سيقتبس وهو أمام هتافات المريدين المطالبين باستمراره، ما فعله قبل 48 سنة الرئيس جمال عبد الناصر الذي داوى جرح هزيمة 1967 بإلقاء بيان يعلن فيه التنحي من منصب الرئيس والنزول إلى الشارع يناضل مع الجماهير لإزالة آثار الهزيمة، ثم عاد في اليوم التالي عن قراره. (من باب المصادفة أن سعد الدين الحريري كان عند وفاة عبد الناصر يوم 28 سبتمبر (أيلول) 1970 طفلاً في الشهر الخامس فهو من مواليد 18 أبريل/ نيسان 1970).
لم يفعل سعد الحريري ذلك. وربما كان ضمناً يمهد أمام الشقيق بهاء لكي يداوي بقدر من تخفيف أثقال الاستهانة مفاعيل ظاهرة التوريث الاضطراري في نفس شقيقه كما هي في نفوس سائر الوارثين، وبالذات تمام صائب سلام وبأمل ألا يصيب الحريري الجديد الآتي ما أصاب الحريري المنصرف من خيبة الرهانات. والله المعين.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو