انصبَّ تناول رجاء النقاش النقدي لكتاب عبد المجيد عبد السلام المحتسب، «طه حسين مفكراً»، في مقاله «محاكمة ظالمة لطه حسين»، المنشور في مجلة «الدوحة»، عدد 1 أبريل (نيسان) 1979، على تمهيد المؤلف لكتابه المعنون بـ«حزب الشيخ محمد عبده: أحمد لطفي السيد... أستاذ طه حسين وزميله»، وعلى فقرة واردة في الفصل الأول المعنون بـ«ولاء وترويج للحضارة الغربية والفكر الرأسمالي».
وإذا كان أنور الجندي قد تجنَّب أن يكتب رداً على تناول رجاء النقدي لكتابه «طه حسين: حياته وفكره في ميزان الإسلام»، في مقاله «طه حسين في قفص الاتهام»، ذي الجزأين المنشورين في مجلة «الهلال»، عدد 1 مايو (أيار)، وعدد 1 يونيو (حزيران)، فإن عبد المجيد عبد السلام الحدتسب، سارع بالرد، ونُشر رده في مجلة «الدوحة»، عدد 1 يونيو 1979.
قال في النقطة الأولى من رده على رجاء النقاش: «لبس الكاتب أول الأمر عباءة القضاة في محكمة الجنايات، فهددني بعقاب قانوني قد يلحق بي من جراء تهجمي على الشيخ محمد عبده ولطفي السيد وطه حسين، ثم ارتدى عباءة القيِّم على الثقافة والفكر في الجامعات العربية كلها، فطالب في مناشدة حاقدة أن تسحب الجامعة الأردنية لقب الدكتوراه مني. وقد لبس الكاتب ثلاث عباءات في مقال واحد، وهذا كثير جداً».
الشق الأول من هذه النقطة يقصد به قول رجاء النقاش: «إنني أعتقد أن الدكتور المحتسب لم يحتسب جيداً عواقب كلماته من الناحية القانونية البحتة؛ فلو أن أحداً من أفراد أسرة الدكتور طه حسين أو لطفي السيد أو الشيخ محمد عبده قام برفع قضية أمام القضاء الأردني ضد الدكتور المحتسب، بسبب ما وجهه إلى هذه الشخصيات العامة من اتهامات مهينة... لو أن أحداً رفع هذه القضية أمام القضاء، فلا شك أن الكاتب سوف يناله عقاب لا جدال فيه».
وكما نرى في هذا القول، فإن رجاء النقاش لم يلبس فيه عباءة القضاة في محكمة الجنايات، ولم يهدده بصفة القاضي في محكمة الجنايات التي ادعاها عليه بعقاب قانوني قد يلحق به.
إن رجاء النقاش يتحدث في قوله عن حالة افتراضية. ولو أن المحتسب أوَّل هذا القول بأن النقاش يتمنى أن أحداً من أفراد أسرة طه حسين أو لطفي السيد أو الشيخ محمد عبده أن يرفع قضية عليه أمام القضاء الأردني، أو أنه يدعوهم أو يغريهم أو يحرضهم على ذلك، لكان أقل تضليلاً في النقل والحكم والفهم والتفسير.
ومع أنه ليس عندي أدنى معرفة بالقانون الأردني، ولا عندي اطلاع جيد على تاريخ الحياة الثقافية والعلمية في الأردن، وعلى ملابساتها وظروفها القضائية، إلا أنني أشك بقوة أن يحصل ذلك الأمر.
أقول هذا استناداً إلى أن أسرة طه حسين إلى تاريخ كتابة رجاء النقاش مقاله، «محاكمة ظالمة لطه حسين»، لم ترفع قضية على أنور الجندي، وعلى كتابه الطافح بـ«اتهامات مهينة ومسيئة» لطه حسين أمام القضاء المصري، مع أن المؤلف مصري، والجهة الناشرة، دار نشر مصرية.
وأقول هذا استناداً إلى أنه إلى ذلك التاريخ السالف، لا نعرف حادثة من الحوادث - وهي كثيرة في مصر - تعرض فيها كاتب مصري للسب والتشهير الديني، أو التشكيك في وطنيته، أو اتهامه بالسرقة العلمية من قبل كاتب مصري آخر، فقام الأول برفع قضية على الثاني أمام القضاء المصري.
هذا مع أن القانون المصري تتوفر فيه مادة لمعاقبة مرتكب جنحة السب والتشهير وجنحة الاتهامات المهينة والمسيئة.
وهذا ما نعرفه من حادثة شهيرة رفع فيها الممثل صلاح نظمي دعوى على المطرب عبد الحليم حافظ وعلى المذيعة سناء منصور في محكمة بولاق في الستينات الميلادية.
ففي 18 ديسمبر (كانون الأول) 1968، في أواخر برنامج (رمضاني) يُذاع من «إذاعة الشرق الأوسط»، سألت سناء منصور ضيفها عبد الحليم حافظ: «مين أتقل دم ممثل في مصر؟»، فأجاب: «صلاح نظمي». فكركرت ضاحكة.
فلما سمع صلاح نظمي هذه الإجابة المردفة بضحكة المذيعة التي تعني استحسانها لها، أو أنه أبلغ بها، غضب عليهما أشد الغضب، فرفع عليهما قضية ارتكاب إهانة وإساءة بحقه.
تروي سناء منصور في برنامج تلفزيوني حلّت عليه ضيفة أنه لولا قبول صلاح نظمي اعتذار عبد الحليم حافظ، لكان عبد الحليم حافظ وهي دخلا السجن.
إن صلاح نظمي تمكن حينها من أن ينتصف لنفسه من عبد الحليم حافظ، لكن لو كان حياً مع بدء استخدام الشبكة العنكبوتية، قبل أكثر من عشرين عاماً، فإنه لن يتمكن من الانتصاف لنفسه من إجابات المصريين الهاوين للسينما المصرية التي تضعه من حيث التسلسل الزمني في طليعة الممثلين المصريين، ثقلاء الدم، ورواد «الرخامة» في التمثيل.
أما الشق الثاني من تلك النقطة في ذلك الرد، ففعلاً كان رجاء النقاش اشتط، وطلب من الجامعة الأردنية عقد محاكمة علمية للدكتور عبد المجيد عبد السلام المحتسب؛ ففي رأيه أن «المنهج الخاطئ» الذي اتبعه في كتابه يبيح للجامعة الأردنية أن تسحب منه لقبه العلمي الذي (كما أردف قائلاً) «لم يمنحه ما يستحقه من الاحترام والتقدير».
هذا الطلب المشتط الذي وصفه المحتسب بـ«مناشدة حاقدة»، لم يكن سببه الحقد، وإنما سببه الكامن الدفاع عن طه حسين والمحاماة دونه. وأسبابه الظاهرة وردت في مسوغات طلبه المشتط من الجامعة الأردنية بعقد محاكمة علمية للدكتور عبد المجيد عبد السلام المحتسب. وهذا هو نص مسوغاته الكامل:
«إني أعتقد أن الجامعة الأردنية ينبغي أن تعقد محاكمة لهذا الأستاذ الجامعي الذي لم يلتزم بالأخلاق الجامعية أو الأخلاق العلمية الصحيحة».
«لو فعلت الجامعة الأردنية ذلك في محاكمة علمية علنية، لكان في موقفها خير كثير لها وللفكر العربي كله، ولكان في مثل هذا الموقف مساعدة حقيقية في تطهير الحركة الثقافية العربية من أمراض البعد عن الموضوعية وعدم الالتزام بالمنهج العلمي السليم، وسلاطة اللسان أو القلم بغير علم أو دليل».
«لقد كان من حق الكاتب أن يقول إن طه حسين أو لطفي السيد أو محمد عبده قد انحرفوا عن الاتجاه الصحيح الذي يراه الكاتب ويؤمن به، وكان عليه أن يقدم الدليل العلمي على ذلك، ويخرج من هذه المناقشة بما يراه ويهديه إليه عقله وفهمه ومبادئه من الرأي والنتيجة، ولكن الدكتور المحتسب اختار أن يلقي التهم بلا حساب ضد المفكرين الكبار البارزين، الذين ساهموا - جميعاً مهما كانت أخطاؤهم - في صياغة حياتنا الثقافية المعاصرة، وفي حركة الإصلاح العربي الشامل التي كان من ثمارها إنشاء الجامعة المصرية منذ إحدى وسبعين سنة، وما تلا ذلك من إنشاء الجامعات العربية المختلفة التي من بينها جامعة الأردن، حيث أتيحت للدكتور المحتسب فرصة ليكون أستاذاً وحامل لقب علمي مثل لقب دكتور».
«المنهج الخاطئ» - كما في السطور السابقة - كان رجاء النقاش عنى به «إلقاء التهم بلا حساب».
في الطبعة الثانية لكتابه، طبعة عام 1980، التي صدرت بعد عامين من صدور طبعته الأولى، قال عبد المجيد عبد السلام المحتسب في ملحق «تعقيب» عن طلب رجاء النقاش المشتط: «ولكن الذي آلمني فعلاً أن يطلب رجاء النقاش من الجامعة الأردنية أن تسحب درجة الدكتوراه مني؛ فتذكرت عندئذ الإقطاع الفكري الذي تمارسه مدرسة طه حسين ضد خصومها. وطه حسين يقطع رزق مَن يقف ضده في الرأي، وكذلك تلاميذه. وزكي مبارك وأحمد ضيف ومحمد نجيب البهبيتي ومحمد مندور من أبرز ضحايا طه حسين. وأنا أعلم أن الأساتذة في جامعات بريطانيا وفرنسا وسائر أوروبا لا ينتقم بعضهم من بعض بسبب الخلاف في الرأي؛ فما معنى أن يمارس هؤلاء الإقطاع الفكري والتصفية الجسدية والنفسية ضد الخصوم والمخالفين في الرأي؟! وخفف من هذا الألم الذي اعتراني أن رجاء النقاش بدا لي مغرور ساذجاً؛ فمن رجاء النقاش الذي يطلب من جامعة لم تمنحني درجة الدكتوراه أن تسحب مني هذه الدرجة؟ والجامعة التي منحتني درجة الدكتوراه في الآداب هي جامعة القاهرة».
للتوضيح: «الإقطاع الفكري»، اصطلاح سكّه الناقد العقّادي عبد الحي دياب، في عنوان كتابه «الإقطاع الفكري وآثاره» وفي متنه.
ففي هذا الكتاب، زعم أن طه حسين هو الذي أوجد الإقطاع الفكري في الجامعة. وتهجم عليه وعلى تلامذته. وهذا الكتاب كان من بين المصادر التي رجع لها المحتسب في كتابه عن طه حسين.
على خلاف ما يقول عبد المجيد عبد السلام المحتسب، فإن طلب رجاء النقاش من الجامعة الأردنية أن تسحب درجة الدكتوراه منه، لم يؤلمه، بل أبهجه، لأن رجاء النقاش بطلبه المشتط هذا وفّر له فرصة سانحة بأن يصور نفسه بأنه مُعتدى عليه، ويصور النقاش بصورة الساعي لقطع رزقه.
فالمحتسب من موقعه الأكاديمي كأستاذ جامعي، لديه معرفة بالأنظمة والقواعد المتبعة في الجامعة الأردنية وفي غيرها من الجامعات العربية، فحتى لو كان حاصلاً على درجة الدكتوراه من الجامعة التي هو يدرِّس فيها وهي الجامعة الأردنية، فإن جامعته لن يسعها إلا استقبال طلب رجاء النقاش بابتسامة المتعجب والساخر في آن.
لأن كتاب المحتسب، «طه حسين مفكراً»، ليس هو رسالته العلمية التي حصل بها على درجة الدكتوراه، وجامعته ليس لها صلة بهذا الكتاب؛ فهو منشور بـ«دار إحياء التراث العربي» ببيروت (الطبعة الثانية من الكتاب نشرت في «مكتبة النهضة الإسلامية» بعمّان).
ولتوضيح واقع الحال أكثر في بعض الجامعات العربية، أشير إلى أنه في الثمانينات الميلادية وفي التسعينات الميلادية كُتبت في مشرق العربي وفي مغربه رسائل ماجستير ورسائل دكتوراه، ولا تزال تُكتب إلى الآن، تتبع الخط الذي خطّه محمد محمد حسين في الكتابات الإسلامية المعاصرة، الذي كان أول من نحا نحوه غازي التوبة، في كتابه «الفكر الإسلامي المعاصر: دراسة وتقويم» الصادر عام 1969. وكان ثانيهم عبد المجيد عبد السلام المحتسب في كتابه «اتجاهات التفسير في العصر الحديث»، الصادر عام 1973. وكان ثالثهم أنور الجندي في مؤلفاته الإسلامية ابتداء من منتصف السبعينات الميلادية.
ولما كان واقع الحال بهذا المقدار من السوء، فسيبرز لنا المسوغ التحديثي التقدمي، الذي استند رجاء النقاش إليه في طلبه للجامعة الأرنية بهيئة واهنة جداً، إذ إن الرسائل العلمية المومأ إلى فحواها سلفاً، كُتبت أصلاً لتحارب «صياغة حياتنا الثقافية المعاصرة» و«حركة الإصلاح العربي الشامل التي كان من ثمارها الجامعة المصرية».
إن رجاء النقاش في طلبه لم يكن مشتطاً فحسب؛ ففي طلبه «غشامة» أيضاً، والأحرى أن طلبه «غشيم». و«الغشيم» في اللهجة الدارجة في بعض البلدان العربية - على سبيل المثال - هو «الذي لا يجيد قيادة سيارته بوجه كامل»، أو «الشخص الجديد في مصلحة أو مجال أو عمل» (راجع مجمع اللغة العربية الافتراضي على موقع الإنترنت).
يشترك عبد المجيد عبد السلام المحتسب مع رجاء النقاش في «الغشامة»، حينما استنجد بأساتذة الجامعات الأوروبية استنجاداً انتهازياً.
وأحكم على استنجاده بهم بأنه استنجاد انتهازي، لأنه في كتابه عن طه حسين، كان من جبهة الرفض الإسلامية للثقافة والتقاليد الأوروبية.
«الغشامة» في محاججته أنه لغرض انتهازي أسبغ على الأساتذة في جامعات بريطانيا وفرنسا وسائر أوروبا - من حيث لا يُتوقع منه ومن مثله من ذوي الغلو الديني - صورة الملائكة الأطهار بالتمام والكمال. ولم ينقص هذه الصورة الزائفة سوى أن يركّب فيها لهم أجنحة يرفرفون بها بين ردهات الجامعة وقاعات المحاضرات فيها، ويحلّقون بها فوق سماء الجامعة في حركة دائرية، وذلك في سويعات الفراغ بين المحاضرات!
وفي «ضعث يزيد على إبالة» ادعى ضمناً، وهو يستنجد بالأساتذة الأوروبيين، بقبوله «الخلاف في الرأي»، مع أن كتابه عن طه حسين لا يدخل في نطاق «الخلاف في الرأي»، فليس في الكتاب أي إشارة إيمانية، حتى لو كانت ضعيفة، لحق الاختلاف السياسي والفكري. وهذه المصادرة لحق الاختلاف لا تقتصر، في مصادرتها، على الفكر العلماني، بل تفيض بغلوائها على الفكر الإسلامي المعاصر في مدرسته العقلانية الإصلاحية التي من روادها الشيخ محمد عبده. وللحديث بقية.
9:11 دقيقه
TT
النقاش وطلبه «الغشيم»
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
