لكي نقضي على الوباء...!

لكي نقضي على الوباء...!

الثلاثاء - 14 جمادى الآخرة 1443 هـ - 18 يناير 2022 مـ رقم العدد [15757]
آرون إي. كارول
- خدمة «نيويورك تايمز»

تتطلب رعاية الفرد وحماية السكان أولويات وممارسات وطرق تفكير مختلفة. فنحن نحتاج إلى التفكير بدرجة أقل مثل الأطباء، رغم أن ذلك قد يبدو غير منطقي للتخلص من الوباء ووضع استجابتنا لـ«كوفيد - 19» على المسار الصحيح.
يمكنني هنا التحدث عن النهجين: رعاية الفرد، وحماية السكان للتعامل مع المشكلات الصحية. كطبيب، فقد تم تدريبي على التفكير في الشخص الذي أمامي. فعندما أرى مريضاً، فإنني أحصل منه على تاريخه المرضي الطويل، وآخذ في الاعتبار جميع المعلومات الشخصية ذات الصلة وأوازن بين فوائد وأضرار أي قرار علاجي قد أتخذه. وبصفتي كبير مسؤولي الصحة في جامعة إنديانا، فإنني أحتاج إلى اتخاذ قرارات على مستوى السكان تضع في الاعتبار احتياجات الجامعة والمجتمع ككل، وليس لشخص واحد فقط.
يميل الأطباء إلى التحفظ في ممارستهم للطب، فنحن نخشى حدوث نتيجة سيئة ونفعل أي شيء تقريباً لمنعها. وعلى الرغم من أن الأطباء غالباً ما يهابون التهديد بالمقاضاة بسبب ممارسة الطب الدفاعي، فإنه غالباً ما يجري طلب عمل اختبارات وإجراءات إضافية، لأن ارتكاب خطأ واحد سيكون مدمراً، سواء بالنسبة للمريض أو لنا كمعالجين. تؤدي هذه العقلية أيضاً إلى التفكير في أن كل اختبار وعلاج يجب أن يكون الأفضل، لأننا سنحاسب إذا حدث أي خطأ.
ولكن في نطاق البلد بأكمله، فإن هذا النوع من التركيز على الأفراد قادنا في كثير من الأحيان إلى الاتجاه الخاطئ أثناء الوباء. فكثير من أسباب إحباطي من الاستجابة لـ«كوفيد» يكمن في أن عدداً كبيراً جداً من المسؤولين في المناصب العليا بـ«إدارة الغذاء والدواء» ومراكز «السيطرة على الأمراض والوقاية منها» يبدو أنهم يفكرون بهذه الطريقة. وقد جاءت بعض أعظم الإخفاقات الأولية والمستمرة لسياسة الصحة العامة من هذا الرأي.
على سبيل المثال، يؤدي التركيز على القيام بـ«الأفضل» للفرد إلى الاعتقاد بأنه إذا كنت ستختبر الأشخاص بحثاً عن فيروس كورونا، فيجب أن تكون الاختبارات المستخدمة من أعلى مستويات الجودة، وأن يجري اختبار «بي سي آر» بشكل احترافي، حتى لو كان إجراء هذه الاختبارات صعباً وكانت الإمدادات محدودة. يمكن أن يؤدي التركيز على الفرد أيضاً إلى مخاوف مفرطة من النتائج السيئة، حتى لو كانت نادرة. ويمكن للقادة أن يعتقدوا أن أي خطر للإصابة بالعدوى أمر غير مقبول، ما يؤدي الى تطبيق سياسات غلق المدارس، على الرغم من أن الخطر الذي تشكله المدارس يبدو منخفضاً.
من ناحية أخرى، غالباً ما تركز وجهة النظر على مستوى السكان على الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص بدلاً من الوصول إلى درجة الكمال. تجادل وجهة النظر هذه بأن الاختبار المتكرر والمنتظم هو الأفضل، ويمكن إجراؤه بسهولة أكبر مع الاختبارات التي يتم إجراؤها في المنزل حتى لو كانت أقل حساسية من اختبار «بي سي آر» من بعض النواحي. إن «إدارة الغذاء والدواء» و«مراكز السيطرة على الأمراض» تجد صعوبة في التعرف على فائدة الاختبارات في المنزل كأداة للصحة العامة، على عكس التشخيص السريري البحت، ما يدل على أوجه القصور في البحث دائماً عن الأفضل. قد يؤدي إجراء مزيد من الاختبارات غير الكاملة بشكل متكرر إلى اكتشاف مزيد من الحالات، حتى إذا فاتنا عدد قليل من الحالات التي ربما نكون قد اكتشفناها من خلال الاختبارات المثالية. إن منح عدد أكبر من الناس بعض الامان قد يحقق نتائج أفضل من منح الأمان الكامل لعدد محدود من الناس.
الأسبوع الجاري فقط، اتخذت الولاية التي أعيش فيها (إنديانا)، قراراً من منظور فردي وليس من منظور سكاني. فلأننا نعاني من نقص في اختبارات المستضادات السريعة في المواقع التي تديرها الدولة، فقد اختارت الدولة عدم استخدامها مطلقاً للبالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و49 عاماً. وبدلاً من ذلك، يجري منح الأولوية لمن هم في سن الخمسين وما فوق وكذلك الأطفال، ويجب أن تظهر الأعراض على المرضى لإجراء الاختبار.
من المنظور السريري، يعد هذا منطقياً: فأنت تريد حفظ الاختبارات لأولئك الأكثر عرضة للخطر، وسيكون غالبية البالغين الأصغر سناً بخير، بينما قد يحتاج الأشخاص الأكبر سناً والأكثر مرضاً مزيداً من الاهتمام.
لكن من منظور السكان، هذا هو الخيار الخاطئ تماماً. فالاختبار لن يمنعك من الإصابة بكوفيد، وسيمنحك المعلومات التي تحتاجها لتجنب نشر المرض. قد يكون الشباب معرضين لمخاطر منخفضة بشكل فردي، لكنهم يمثلون خطراً كبيراً على الآخرين لأنهم غالباً ما يخرجون ويتفاعلون مع الناس، ولذلك فإن الاختبارات السريعة مثالية لهم.
الأقنعة مثال آخر: إذا كان بإمكانك الحصول على الأفضل فقط، فسوف تركز على أقنعة «إن 95» وستلاحظ نقص المعروض منها في بداية الأزمة وستخبر معظم الناس أنه لا ينبغي لهم ارتداء الأقنعة على الإطلاق، لأن أقنعة معينة فقط توفر أفضل حماية، ويجب توفيرها للأشخاص المعرضين لخطر أكبر. ترى وجهة نظر على مستوى السكان أن الأقنعة القماشية أو الجراحية - التي ليست قريبة من جودة «إن 95»، لكن كان من السهل الحصول عليها - من شأنها أن تقلل من المخاطر على الجميع عندما كان الوباء في بدايته، وبالتالي ستكون مفيدة. فقد استغرق الأمر حتى أبريل (نيسان) 2020 - عدة أسابيع من الوباء - لكي توصي مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بارتداء القناع لعامة الناس.
عندما تكون الأقنعة الأفضل متوفرة أكثر (كما هي الآن)، فيجب بالطبع تشجيع الجميع على استخدامها، لكن مراكز السيطرة على الأمراض لا تزال متمسكة بمبدأ أن ارتداء «أي قناع أفضل من عدم وجود قناع على الإطلاق».
ليس الأطباء فقط هم من يركزون على المخاطر الفردية، فهناك أيضاً المرضى. على سبيل المثال، قد يفكر الآباء في أن الخطر الذي يتعرض له أطفالهم جراء «كوفيد» وغيره من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بالتطعيم في الولايات المتحدة منخفض جداً (على اعتبار أن الأطفال أقل عرضة لكوفيد، وإن كانوا يمثلون عاملاً وسيطاً أو ناقلاً للمرض)، فلماذا يتعين تحمل أي خطر من اللقاح على الإطلاق؟ ولكن من منظور نظام الصحة العامة، فقط مع مناعة القطيع، يمكن أن نبدأ في رؤية نهاية لهذا الوباء - وهذا يتطلب تطعيماً شبه شامل. إن التركيز المفرط على تشجيع الأشخاص على التطعيم لحماية أنفسهم، وهو ما يحاول كل رسم بياني يقارن منحنيات الاستشفاء بين الذين تم تطعيمهم وغير الملقحين القيام به، يضيع فرصاً لتوضيح أن السبب الأكبر للتلقيح غالباً ما يكون حماية الآخرين، خصوصاً أولئك الذين لا يستطيعون حماية أنفسهم.
يركز أسلوب فحص الأمراض بشكل عام على الفرد. فغالباً ما يبدو تشخيص السرطان كأنه فشل يؤدي إلى دفع لا هوادة فيه للاكتشاف المبكر. هذه هي الطريقة التي ينتهي بها الطب إلى التوصية بتصوير الثدي بالأشعة السينية. وإذا عدت إلى عدد السكان، فقد ترى أن فحص تصوير الثدي بالأشعة السينية لدى النساء الشابات الأصحاء لم يفعل شيئاً يذكر لتقليل معدل الوفيات لديهن، ويثير قلقهن كثيراً.
فما الذي يمكن عمله حيال ذلك؟ ستكون البداية لأولئك الذين يتخذون القرارات لتحديد أهدافهم بوضوح عند تحديد العدسة التي يجب استخدامها.
إذا كنا نحاول منع انتشار «كوفيد» وإنهاء الوباء، فنحن بحاجة إلى التركيز على السكان في أسلوب التفكير. تحتاج السلطات الصحية إلى توفير أدوات مثل الاختبارات السريعة والأقنعة الأفضل لأكبر عدد ممكن من الأشخاص، خصوصاً أولئك الأكثر عرضة لنشر المرض، حتى لو كانوا هم أنفسهم معرضين لخطر منخفض. ويحتاج الناس إلى إقناعهم وتحفيزهم على التطعيم لحماية الآخرين.
* كبير مسؤولي الصحة
في جامعة إنديانا
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو