النقد الإسكافي

النقد الإسكافي

الأحد - 29 جمادى الأولى 1443 هـ - 02 يناير 2022 مـ رقم العدد [15741]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

في الحوار الشامل الذي أجراه مجدي الدقاق، مع رجاء النقاش في عدد 1 فبراير (شباط) 2007، ذكر رجاء أنه في عام 1974، تلقى دعوة من صديقه الطيب صالح مدير الإعلام في قطر، للعمل في قطر، ولإنشاء مجلة «الدوحة»، لكنه اعتذر عن قبول هذا العرض وفضل البقاء في مصر.
الطيب صالح في عام 1976، كرر هذا العرض على الأكاديمي محمد إبراهيم الشوش فقبل به. وهكذا وقع عبء الإنشاء الجديد لهذه المجلة على عاتق الشوش. وصدر أول عدد منها بحلتها الجديدة في واحد يناير (كانون الثاني) من ذلك العام. ومنذ أعدادها الأولى احتلت من ناحية المضمون ومن حيث الانتشار موقعاً بارزاً في عالم المجلات الثقافية العربية.
مجلة «الدوحة» قبل هذا الإنشاء الثقافي الجديد كانت مجلة إعلامية خبرية محلية، تصدر منذ عام 1969.
يقول رجاء النقاش في ذلك الحوار الشامل: «عندما أحسست باشتداد الحصار حولي، أدركت أن المطاردة التي أتعرض لها لن تهدأ حتى أختفي من مصر، خصوصاً أن أبواب الرزق بدأت تضيق أمامي، فقررت أن أستجيب لأول فرصة تتاح لي للعمل في الخارج... وكنت تلقيت عروضاً للعمل في بعض العواصم العربية، فاخترت قطر وذهبت إليها سنة 1979، حيث ساهمت في إنشاء جريدة (الراية) التي لا تزال تصدر حتى الآن. وكنت أول مدير لتحريرها. وبقيت في هذا العمل سنتين، ثم انتقلت إلى رئاسة تحرير مجلة (الدوحة) سنة 1981، وبقيت رئيساً لتحرير هذه المجلة المهمة حتى توقفها عن الصدور سنة 1986».
في ظني أو هكذا يخيل لي أني قرأت في ذكريات بعض الصحافيين عن رجاء النقاش منذ زمن، أن رجاء النقاش اختار فريقاً للعمل في هذه الجريدة المزمع إنشاؤها، من مصر، ومن صحافيين مصريين وغير مصريين يعملون في قطر. أما منصب «مدير التحرير»، فهو لا يعني أنه كان يشغل المنصب الثاني فيها، إذ إنه كان المؤسس لها، وكان الرجل الأول فيها على المستوى الفعلي. وهذا ما تشهد به إعلانات عن قرب صدور جريدة «الراية» منشورة في بعض أعداد مجلة «الدوحة» عام 1979.
فهذا الإعلان المتكرر نشره في هذه المجلة عن هذه الجريدة الجديدة، الذي يعرف بها، ويعدد مزاياها، مكتوب باسم «مدير التحرير، رجاء النقاش».
في طور إعداده هو وفريقه الصحافي والفني لإصدار جريدة «الراية» القطرية، وكان يوالي الكتابة في مجلة «الدوحة» منذ عددها 1 أغسطس (آب) 1976، كتب رجاء النقاش مقالاً فيها عنوانه: «محاكمة ظالمة لطه حسين» في 1 أبريل (نيسان) 1979.
حدث رجاء النقاش القارئ في بداية المقال أنه كتب مقالين طويلين في مجلة «الهلال» في أوائل عام 1977، في الرد على كتاب أنور الجندي «طه حسين: حياته وفكره في ميزان الإسلام».
وبعد أن حدثه بهذا، قال له: «ومنذ أسابيع تلقيت كتاباً جديداً عن طه حسين هو (طه حسين مفكراً) ومؤلفه هو الدكتور عبد المجيد عبد السلام المحتسب، وهو فيما علمت أستاذ في الجامعة الأردنية، وقد تفاءلت بالكتاب في أول الأمر، لسبب شخصي خاص هو أنني أحب ذكاء أهل الشام وذوقهم وميلهم الفكري الدائم إلى التحرير والتجديد، وعندما أقول الشام فإنني أقصد الأرض الشامية كلها من الأردن إلى فلسطين إلى سورية، وبسبب هذا الشعور الخاص اتهمني بعض الإخوة أنني مصري الموطن شامي الهوى، في كل ما أكتب من آراء في الأدب والنقد. وهذه التهمة – على رأي سعد زغلول – هي تهمة لا أنكرها وشرف لا أدعيه!!
على أنني – للأسف – لم أكد أتم قراءة الكتاب الجديد عن طه حسين حتى صدمت صدمة فكرية ووجدتني في نفس الموقف الذي وقفته من كتاب الأستاذ أنور الجندي منذ عامين، فالكتاب الجديد مثله مثل كتاب الجندي، مليء بالافتراءات والتهم التي لا تستند على عقل ولا حقيقة ولا منهج علمي. مما يدعونا إلى أن نقف في وجهه ونكشف أمره للناس بقدر ما نستطيع».
كل ما قاله رجاء النقاش عن حبه لصفات يتمتع بها الشوام، هو صادق فيه لكن ليس هنا محل اللهج به. وليس هو المدخل المنهجي الموضوعي السليم لما كتبه من نقد صائب لكتاب عبد المجيد عبد السلام المحتسب (طه حسين مفكراً).
أعلم أن رجاء النقاش اختار أن يكون مدخله لنقد هذا الكتاب، أسلوباً ذاتياً حميماً لدرء ما قد ينشأ من عصبية إقليمية شامية (أو تحديداً عصبية فلسطينية لأن المحتسب أردني فلسطيني) جراء نقده الصارم له ولكتابه، لكن فاته أن هذا الصنف الشامي هو غير صنف التيارات الأدبية والفكرية في بلدان الشام التي خبرها عن قرب، قراءة ومعايشة، فلا هو يتمثلها ولا هو يمثلها.
فصنفه صنف إسلامي أصولي بدأ منذ ذلك التاريخ يتفشى في بلده مصر وفي غيرها من البلدان العربية، وهو متوفر في الإسلامي الهندي وفي الإسلامي الباكستاني.
أشدد على هذه الملحوظة، لأنبه بعض الذين يحللون الاتجاه الإسلامي الأصولي الآن، أنه ليست فيه خصوصية قطرية أو إقليمية. فالاختلاف بين أصوليينا الإسلاميين مهما تعددت بلدانهم، هو اختلاف غير جوهري.
الفهم الخاطئ الذي خشي رجاء النقاش حصوله، حصل مع الإسلامي الأصولي المنقود عبد المجيد عبد السلام المحتسب، وإن كان تعليقاً شفاهياً عابراً. ففي الطبعة الثانية من كتابه عن طه حسين (الطبعة الأولى صدرت في عام 1978) الصادرة عام 1980، وفي ملحق (تعقيب) قال ما يلي:
«وأخبرني أستاذ صديق يدرس في كلية التربية بأبها في المملكة العربية السعودية أن أستاذاً من أهل مصر قال له: كيف يشتم الدكتور المحتسب المصريين في كتابه (طه حسين مفكراً)، وقد حصل على درجة الدكتوراه من جامعة القاهرة؟!
وإني أقول لهذا الأستاذ: لم أشتم طه حسين ولا المصريين في كتابي. لأن الشتم والتهجم شيء، ووصف الواقع شيء آخر. وفي كتابي وصفت واقعاً محسوساً مدركاً ولم أكن شاتماً أو شتاماً».
إن كان الأستاذ المصري أبعد النجعة في فهم مراد المحتسب من كتابه (طه حسين مفكراً)، فإن المحتسب لم يكن صادقاً في نفي الشتم عن كتابه وتنزيه نفسه عن الوقوع به. ففي نقده لمحمد عبده ولطفي السيد وطه حسين كان ناقداً إسكافياً بجدارة وامتياز. وهذا ما سنعرفه من رد رجاء النقاش، حيث قال في أوله: «فقد تناول الكاتب طه حسين وأساتذته وبعض معاصريه من الكتاب والمفكرين تناولاً غير كريم، واعتمد في مهاجمتهم على السب والتجريح، مما يعتبر خروجاً على العلم بل وخروجاً على الحدود الأخلاقية السليمة في نفس الوقت.
على سبيل المثال يقول الكاتب ص 39: إن محمد عبده ولطفي السيد وطه حسين هم نعل للأرجل البريطانية. ويقول في مكان آخر ص 45:... إني أعترف بصراحة بعجزي عن وصف واقع لطفي السيد في مواقفه، وماذا أقول فيه: مجرم، نذل، نفعي، منافق».
ولغاية تأصيلية في النسب الفكري للمدارس النقدية، أوضح أن النقد الإسكافي ليس له أصل عند الإسلاميين. فهو نقد اقتبسوه من الأدب اليساري المفرط في احتدامه وحدته النضالية.
ففي هذا الأدب ركن محفوظ للنقد الإسكافي. والنقد الإسكافي تعريفاً، منسوب إلى الإسكافية. والإسكافية ذات أصل سومري وأكدي تليد، انتقلت إلينا من اللغة الآرامية. أما النقد الإسكافي فهو الذي يتطاير من حومة وغى نصوصه النعل أو الحذاء أو الجزمة أو القندرة أو الكندرة، إما بهذه الصيغة المفردة وإما بصيغة الجمع، وكأنها مثار النقع فوق رؤوس القراء والسامعين لكن من دون «أسياف وليل تهاوى كواكبه»، لأن هذا النقد الموشى بالكلمات السابقة مشدود بحبل أرضي سفلي لأدواته الإسكافية وأصله الإسكافي.
يختلف نقد رجاء النقاش لكتاب المحتسب عن نقده لكتاب الجندي بأنه كان نقداً ساخناً، وأنه في مقطع منه كان نقداً فكهاً.
في النقد الفكه، يقول رجاء النقاش: «وسأقدم نماذج من هذه الأخطاء العلمية في كتاب الدكتور المحتسب، وبعضها يثير الضحك، ولعل في ذلك شيئاً من الترفيه عن القراء بآراء دكتورنا الذي لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب، كما يقولون.
فالدكتور يتهم الشيخ الإمام محمد عبده، بالضلال لبعض الأسباب من بينها، وهذه كلمات الدكتور المحتسب بنصها ص25:... إن مكتبة الشيخ محمد عبده كانت تحتوي فيما تحتويه من الكتب العديدة، كتاب (إميل) لروسو، وكتاب (التربية) لسبنسر، وروايات تولستوي ومؤلفاته التعليمية، وكتاب (حياة يسوع) لشتراوس، وتآليف رينان. والمعروف أن هذه المؤلفات مبنية على أساس الفكر الرأسمالي الذي يخالف الإسلام مخالفة تامة».
لما رجعت إلى رقم الصفحة التي نقل رجاء النقاش منها هذه التهمة، وجدت أنها ما هي إلا برهنة ودليل قطعي عند المحتسب على تهمة أخيرة جاءت خاتمة لتهم عديدة وجهها للشيخ محمد عبده.
يقول المحتسب: «والشيخ محمد عبده لم يتوقف عند التوفيق بين الإسلام وبين الأحكام والمعالجات الرأسمالية (!) بل وصل إلى حد مدح سياسة الإنجليز في التسامح وإقامة العدل، والتساهل في العمل بالقوانين الإنجليزية، ولا يرى ضيراً في ترك أحكام الإسلام بحجة الرخصة ومصلحة المسلمين. وتعلم محمد عبده قراءة اللغة الفرنسية في النصف الثاني من حياته، وطالع الفكر الأوروبي المعاصر على نطاق واسع. وكانت مكتبته تحتوي فيما تحتويه من الكتب العديدة...»...
فخاتمة التهم هي أنه طالع الفكر الأوروبي المعاصر!
وما استشهد رجاء النقاش به هو برهنة وتدليل قطعي على هذه التهمة الشنيعة!
علق رجاء النقاش على ما استشهد به قائلاً: «وفي هذا الكلام الذي يقوله الدكتور المحتسب خطأن واضحان:
الأول، أن المفكر لا يمكن محاسبته على ما في مكتبته من الكتب، بل على ما في رأسه من أفكار، وعلى ما يعلنه من آراء للناس. فلو افترضنا على سبيل المثال أن هناك مفكراً مؤمناً بوحدة العرب، أراد أن يتعرف على الفكر المعارض لهذه الوحدة، مثل فكر القوميين السوريين أو دعاة الفرعونية أو ما إلى ذلك. فحصل على كتبهم في مكتبته الخاصة لقراءتها ودراستها ومناقشتها... هل يكون في ذلك مجال لاتهام هذا المفكر بأنه معاد للعروبة متآمر عليها بدليل وجود هذه الكتب في مكتبته؟!
ذلك ولا شك منطق خاطئ وخاسر وغير مقبول.
ثانياً: قد يكون في هذه الكتب التي كانت موجودة في مكتبة الإمام محمد عبده ما يتناقض مع العقائد الإسلامية، وخاصة كتب رينان وشتراوس في تفسيرهما للمسيحية.
فمن البديهي أن يكون هذا التفسير مختلفاً مع الفهم الإسلامي للمسيح والمسيحية، إلا أن الكتب الأخرى التي ذكرها الدكتور المحتسب لا علاقة لها بما يقول من أنها تدعو إلى «الفكر الرأسمالي الذي يخالف الإسلام مخالفة تامة»... فهل رواية (الحرب والسلام) أو رواية (أنا كارنينا) أو غيرها من روايات تولستوي المعروفة تدعو إلى الرأسمالية؟ من أين جئت بهذا الكلام يا دكتور؟ في ظني أن الدكتور المحتسب لم يقرأ روايات تولستوي ولم يعرف عنها شيئاً.
فأدب تولستوي معروف بأنه يقوم على أساس من الدعوة إلى المساواة والعدالة، والكشف عن فداحة الظلم الذي تتعرض له الإنسانية في أي مجتمع لا يعترف بالمساواة والعدالة بين البشر».
ثم يمضي رجاء في الحديث عن احترام الضمير الديني عند تولستوي وإعلائه من شأنه في بناء المجتمع والشخصية الإنسانية، وأشار إلى أن فهمه للضمير الديني قريب جداً من الفهم الإسلامي، وذلك للرد الجزئي على تهمة اتصال محمد عبده ببعض المفكرين الأوروبيين، التي منها كتابته رسالة إلى تولستوي!
إن تهمة «وطالع الفكر الأوروبي المعاصر» ومبالغته بغرض تضخيم هذه التهمة أن مطالعته للفكر الأوروبي المعاصر كانت «على نطاق واسع» تهمة جداً سخيفة. والذي جعله يتردى في مثل هذا النقد الرث، الغث، هو حنقه وحقده الإسلامي الأصولي على شخص محمد عبده وعلى فكره.
فنظراً لاهتماماته الفكرية المحاربة للأفكار الحديثة، من المؤكد أن مكتبته الشخصية، لا تخلو من مؤلفات «تخالف الإسلام مخالفة تامة» بما هو أنكى من المؤلفات التي تقوم على «المعالجات الرأسمالية» ومن المؤلفات «المبنية على أساس الفكر الرأسمالي»!
لكن لو ذكر بهذا الأمر في حياته لماحك المحتسب، رحمه الله قائلاً: إن أمثال هذه المؤلفات يطالعها في مكتبة الجامعة الأردنية التي يدرس فيها، ويحرم عليها الدخول إلى حرم مكتبته الشخصية!
في يقيني أن رجاء النقاش كان مدركاً أن ما استشهد به هو ليس تهمة يوجهها المحتسب للشيخ محمد عبده، وإنما هو إثبات لاتهامه، بأنه طالع الفكر الأوروبي المعاصر على نطاق واسع، والبينة في هذا قوله في المثال الذي ضربه للمحتسب: «بدليل وجود هذه في مكتبته؟!».
إنه كان مدركاً لذلك، لكنه ليتجنب الإتيان بالنص من أوله الذي أتيت به آنفاً، اختزله في النص الذي استشهد به. فالإتيان بالنص من أوله سيقتضي منه مناقشته. وفي مناقشته دخول إلى عش دبابير الإسلاميين. والدخول إلى عش دبابيرهم في ذلك الوقت في قطر كان غير محمود العواقب، لا على عمله التحريري في إصدار جريدة «الراية»، ولا على مجلة «الدوحة» التي كتب فيها مقاله.
إن نص المحتسب الذي يتهم فيه محمد عبده بالتوفيق بين الإسلام وبين الأحكام والمعالجات الرأسمالية، نص فريد في نصوص الإسلاميين. ولا يعدو عن كونه مقابسة سطحية لـ«مثار النقع اليساري» وتأثر ساذج بذم اليساريين المطلق للرأسمالية، واعتبارها شراً مستطيراً على البشرية.
وأصف مقابسته بالسطحية وتأثره بالساذج، لأن اليساريين لا يخلطون كما خلط. فكتابا شتراوس ورينان عن «حياة يسوع» يعرفون أنهما لا صلة لهما بالفكر الرأسمالي لا من قريب ولا من بعيد، بل هم يبجلانهما لأنهما كتابان في نقد اللاهوت الديني.
وهذه المقابسة السطحية وهذا التأثر الساذج هما اللذان دفعاه في كتابه عن طه أن يعقد فصله الأول تحت هذا العنوان الفريد في شقة الأخير: «ولاء وترويج للحضارة الغربية والفكر الرأسمالي». وللحديث بقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو