الانتخابات العربية: مشكلة أم حل لمشكلة؟

الانتخابات العربية: مشكلة أم حل لمشكلة؟

الجمعة - 28 شهر ربيع الثاني 1443 هـ - 03 ديسمبر 2021 مـ رقم العدد [15711]
الياس حرفوش
كاتب و صحافي لبناني

إلى أي حدٍّ ما زال الرهان ممكناً على قدرة العملية الانتخابية في الدول العربية على إحداث التغيير السياسي وتبديل الأنظمة والحكومات وفقاً لرغبات شعوب هذه الدول، وبما يحترم نتيجة الأصوات التي تُدلي بها الشعوب في صناديق الاقتراع؟
كيفما نظرت حولك في الدول التي تستعدُّ لما صار متعارفاً عليه باسم «الاستحقاق الانتخابي»، أو التي جرت فيها الانتخابات، سوف يصدمك حجمُ الفشل الذي تواجهه هذه التجربة المسمّاة «ديمقراطية».
بعد الجدل الحاصل بشأن نتائج انتخابات العراق، واحتجاج الكتل التي تعرضت لخسائر كبيرة، ومعظمها كتل خاضعة للنفوذ الإيراني. وفي ظلِّ الخلافات بين أطراف الصراع الليبي، حيث تجري الاستعدادات لتجربة انتخابية هي الأولى بعد سقوط نظام معمر القذافي، والأمر نفسه في لبنان، حيث الرهان على انتخابات الربيع المقبل لإخراج ذلك البلد من الكارثة الاقتصادية، أو وضعه على الأقل على طريق الخروج، وإنهاء حالة الشلل السياسي فيه... بعد كل ذلك يصبح السؤال البديهي والمنطقي: هل تستطيع العملية الديمقراطية تسوية، أو حل أزمة الحكم في العالم العربي؟ وهل هناك في هذه الدول بنية سياسية واجتماعية متينة وقادرة على تحمّل الصدمات التي لا بد أن تأتي بها العملية الانتخابية، سواء كانت صدمة الفوز وكيفية التعامل معه، انطلاقاً من أنَّه ليس فوزاً أبدياً، بل هو فوز سوف يخضع لامتحانٍ لاحق، يمكن أن ينتهي بسحب ثقة الناخبين. أو كانت صدمة الفشل، والاستعداد للقبول بنتائجه، بعيداً عن اتهامات التزوير، أو الدعوة إلى «تصحيح النتائج»، حسب النداء المستهجن، الذي أطلقه الخاسرون في انتخابات العراق.
إضافة إلى الحاجة إلى اعتراف الخاسرين بنتائج الانتخابات، هناك ما يسبق ذلك، وهو إتاحة فرص متساوية أمام المرشحين والقوى السياسية التي تخوض هذه التجربة. بحيث لا تخوض الميليشيات وحاملو السلاح المعركة في وجه مرشحين لا يملكون من القوة سوى صوتهم وبرنامجهم الانتخابي. في ليبيا، الحافلة بالميليشيات الموزعة بين المواطنين والمرتزقة، صار يجري الحديث جدياً عن احتمال تأجيل الانتخابات، المقرر إجراؤها في 24 من هذا الشهر، وذلك رغم استعداد الأمم المتحدة لتقديم المساعدات اللازمة لإنجاحها. غير أن الأمين العام للمنظمة أنطونيو غوتيريش اعترف بأن هذه الانتخابات يمكن أن تتحول إلى مشكلة، بدلاً عن أن تكون جزءاً من الحل. في حين حذّر وزير الداخلية الليبي خالد مازن من أن عرقلة الخطة الأمنية سوف تجعل إجراء الانتخابات في موعدها أمراً صعباً. يضاف إلى ذلك طبعاً الجدل الدائر حول الطعون المقدمة بحق عدد من المرشحين، وأهليتهم لخوض المعركة.
وفي العراق، حيث حاصر الخاسرون «المنطقة الخضراء» في بغداد مهدّدين بالعنف احتجاجاً على النتائج، حمّل تكتل القوى الخمس المعترضة على النتائج مفوضية الانتخابات المسؤولية عن فشل الاستحقاق الانتخابي. وقال زعيم «عصائب أهل الحق» قيس الخزعلي، إن هذه الانتخابات «ستنقل البلد إلى الأسوأ». والسبب؟ أنَّ المفوضية لم تأخذ برأيهم وتعلن هزيمة المرشحين الذين فازوا ونقل أصواتهم إلى المرشحين الخاسرين! بل إن المفوضية التي قامت بعملها كما يجب، أكدت بعد الفرز اليدوي وجود أخطاء في 5 مقاعد فقط، بين كل دوائر العراق، تثبتت منها بعد إعادة احتساب الأصوات.
أما في لبنان، حيث الرهان على قيام طبقة سياسية جديدة بعد الانتخابات، إلى حد السعي وراء أصوات المغتربين لأحداث هذه النقلة النوعية، فقد تحولت المنافسة الانتخابية إلى صراع على هوية الدولة ووجهتها السياسية في المرحلة المقبلة، وأصبح «حزب الله» والقوى المتحالفة معه يعتبرون المشاركة القوية لقوى المعارضة والدعم الخارجي لضرورة التغيير بعد الفشل الذريع للطبقة الحاكمة في إدارة شؤون البلد، والوصول به وبالمواطنين إلى الإفلاس، أصبحوا يعتبرونها ضمن الحملة القائمة لإضعاف الحزب، ويتهمون سفارات واستخبارات غربية... إلى آخر المعزوفة، بدعم المعارضين وقوى «المجتمع المدني» لكسب المعركة ضد «حزب الله». وبلغ الأمر بعدد من قادة هذا الحزب حدَّ التهديد بالقوة لوقف هذه التدخلات المزعومة. وليس مستبعداً في أجواء التشنج الداخلي التي تسيطر على الوضع اللبناني أن يضع «حزب الله» المجتمع أمام أحد خيارين: التضحية بالانتخابات أو التضحية بالسلم الأهلي، إذا وجد أن نتائج الانتخابات لن تكون في مصلحته ومصلحة حلفائه.
في ظروف مثل التي نتحدَّث عنها في هذه الدول العربية، يصبح خيار الانتخابات هماً قائماً بذاته، بدلاً عن أن يكون مخرجاً وتسوية للهموم الأخرى التي تعاني منها المجتمعات. ويصل الأمر أحياناً إلى حد إرغام هذه المجتمعات على القبول بأمرها الواقع، والموافقة على فوز الحاكم بـ99 في المائة من الأصوات، باعتباره أهون الشرين. وبالطبع، فمن الظلم والإجحاف أن نقارن التجارب التي أتينا على ذكرها، وغيرها كثير في العالم العربي، مع تجارب دول غربية تذهب شعوبها إلى الانتخابات كما تذهب إلى مأدبة عشاء، ولا يرافق إعلان النتائج انقلاب عسكري أو معركة بين الميليشيات المتنازعة أو دعوات لتصحيح النتائج!
ولأنَّ المقارنة مجحفة، يظلُّ السؤال مطروحاً عما إذا كانت مجتمعاتنا مؤهلة لخوض هذه التجربة الديمقراطية، أم أنها يمكن أن تفاقم المشاكل بدل أن تكون طريقاً إلى الحل، حسب تعبير الأمين العام غوتيريش؟


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو