العالم تحت وطأة الإمدادات الضرورية

العالم تحت وطأة الإمدادات الضرورية

الأحد - 23 شهر ربيع الثاني 1443 هـ - 28 نوفمبر 2021 مـ رقم العدد [15706]
غاي بلاتن
* خدمة «نيويورك تايمز»

من لوس أنجليس إلى فيليكستوي بإنجلترا، إلى دبي بالإمارات، وحتى شينزين في الصين، يشهد العالم تأخراً ونقصاً في كل شيء من الألعاب إلى الديوك الرومية. يقع في صميم هذه الأزمة قطاع نقل يرزح تحت وطأة ظروف «كوفيد – 19» القاسية. فالعمال الذين يقودون الشاحنات، ويطيرون بالطائرات ويبحرون بالسفن المسؤولة عن نقل جميع هذه السلع - نحو 19 تريليون دولار من التجارة العالمية سنوياً - قد تعرضوا لضغوط هائلة أجبرتهم على مواجهة العمل على حافة الانهيار. وكانت الحكومات أبطأ من أن تتحرك أو تتصرف.
ومع ارتفاع أسعار البنزين والمواد الغذائية والمزيد من الارتفاع المستمر، يتعين على الولايات المتحدة أن تتولى زمام المبادرة في إعادة النظام إلى سلاسل التوريد قبل فوات الأوان. ومن خلال استغلال نفوذها، يجب على واشنطن إقناع الدول الأخرى بمعالجة السبب الكامن وراء الأزمة: ظروف العمل لعمال النقل.
قبل حادثة سفينة الحاويات «إيفر غيفن» التي تبلغ حمولتها 220 ألف طن وعطلت قناة السويس في شهر مارس (آذار) الماضي، أصدرت صناعات النقل تحذيراً عاماً فجاً مفاده أن الزحام التجاري أمر لا مفر منه إذا لم تتحسن ظروف البحارة والسائقين والطيارين. وللحفاظ على حركة التجارة، يحتاج العمال بشكل عاجل إلى تأشيرات سريعة، وعودة الرحلات من وإلى الموانئ، فضلاً عن التطعيم. ولكن ما حدث هو العكس تماماً. وكان لحظر السفر الصارم، ومحدودية الحصول على التطعيمات الأثر المدمر على رفاهية العاملين في مجال النقل وسلامتهم. ولم يُسمح لأطقم السفن بالنزول من السفن من دون أوراق التطعيم المناسبة، ومن ثم أصبح من المستحيل مغادرة السفن أو الصعود إليها: وقد حوصر مئات الآلاف منهم على سفنهم، مع استمرار بعضهم في العمل لشهور بعد انقضاء فترة عقودهم الأولية. كما أُجبر الآلاف من سائقي الشاحنات على الحدود الدولية على الجلوس لأيام في درجات حرارة شديدة البرودة من دون الحصول على الطعام أو المرافق الطبية اللازمة. ويواجه طيارو طائرات الشحن حجراً صحياً شاملاً بعد إتمام الرحلات الدولية، ما يعني ابتعادهم لفترات طويلة عن أسرهم.
قد تدفع المعاملة السيئة بالعديد من العمال إلى الخروج من القطاع فيؤدي إلى تفاقم نقص العمالة المُفضي إلى مزيد من الفوضى. وفي قطاع النقل البحري وحده، الذي ينقل نحو 80 في المائة من البضائع المتداولة عالمياً، هنالك نقص متوقع في آلاف الضباط البحريين خلال السنوات القليلة المقبلة، استناداً إلى تقرير قوة العمل الصادر عن «غرفة الشحن الدولية» و«المجلس البحري الدولي ودول البلطيق». وإذا ما تُرك العديد من العاملين في مجال النقل يعتمدون على برامج التطعيم الوطنية، لا سيما هؤلاء القادمين من الاقتصادات النامية التي تقل فيها فرص الحصول على اللقاحات، فسوف يظلون يعانون من ظروف عمل قاسية لا يمكن تحملها.
لقد سنحت الفرصة للحكومات لتجنب هذه الأزمة. وكان من الواجب منح الأولوية للعاملين في مجال النقل في مختلف أنحاء العالم للتطعيم بمجرد توفر اللقاحات. كما يتوجب على البلدان في كل مكان تقديم الإعفاءات فيما يتصل بقيود السفر المفروضة. ورغم هذا فإن أغلب البلدان ظلت عازفة عن التحرك. ولا يمكن السماح باستمرار هذه الأوضاع.
إن التدقيق العالمي آخذ في الازدياد. وخلصت «منظمة العمل الدولية» التابعة للأمم المتحدة، إلى أن الحكومات الوطنية قد فشلت فشلاً ذريعاً في تفعيل المعايير الدنيا لحماية حقوق البحارة والملاحين، بالنحو المنصوص عليه في القانون الدولي. وإذا لم يُوضع حد لأزمة سلسلة التوريد، ربما تستمر الأزمة بسبب تناقص القوة العاملة في مجال النقل.
بدأت واشنطن باتخاذ خطوات لمعالجة المشكلة. أعلن الرئيس بايدن، في الصيف الماضي، تشكيل فرقة العمل المعنية بتعطيل سلسلة التوريد للحد من الضغط على تدفق التجارة إلى الولايات المتحدة. وفي الشهر الماضي، أعلنت فرقة العمل أن ميناء لوس أنجليس الرئيسي سوف ينضم إلى ميناء لونغ بيتش في العمل 24 ساعة يومياً، و7 أيام أسبوعياً، في خطوة مشجعة يمكن أن تساعد على دخول السفن إلى الميناء والخروج منه بسرعة أكبر.
وربما يذهب بايدن لأبعد من ذلك. إذ يمكنه تشجيع المسؤولين على تغيير قواعد تقسيم المناطق للسماح للموانئ بتخزين المزيد من الحاويات الفارغة، أو الاستعانة بالأراضي القريبة منها للعمل كساحات مؤقتة للحاويات. وينبغي عليه أيضاً ضمان استمرار الولايات المتحدة في حيازة المبادرة من خلال مراكز التطعيم في الموانئ، التي تخدم العمال بصرف النظر عن جنسيتهم. وينبغي لهذه المراكز توفير اللقاحات المعترف بها والمعتمدة على نطاق واسع تجنباً للتأخير عند وصول العمال إلى بلدان أخرى.
بطبيعة الحال، فإن القضاء على أزمة الحاويات في مدينة واحدة لن يمنع سلاسل التوريد العالمية من الانهيار. ويجب على إدارة بايدن حثّ الحكومات بطيئة التصرف على تحسين ظروف عملها. ومن شأن فرض الضغوط - عبر كل شيء بداية من الدبلوماسية الناعمة إلى العقوبات - أن يساعد في إقناع الحكومات بتعجيل حركة السفن والشاحنات والطائرات، وبالتالي تخفيف أزمة سلسلة التوريد عالمياً.
كما يمكن لبايدن الدفع باتجاه العمل البيني عندما يتعلق الأمر ببروتوكولات التطعيم. وهذا يعني إقناع البلدان بالاعتراف بمجال أوسع من اللقاحات للعاملين في مجال النقل، بما في ذلك الجرعات المصنعة خارج حدودها. وهذا من شأنه السماح للبحارة بمغادرة السفن أو الصعود إليها في الموانئ بسرعة أكبر كثيراً، ولن يضطروا بعد الآن إلى الالتزام بالحجر الصحي لمجرد أنهم ربما تلقوا النوع «الخطأ» من اللقاح سابقاً.
لم يفت الأوان بعد لإنقاذ سلاسل التوريد العالمية. وللقيام بذلك، لا يمكن للحكومات نسيان أن أقوى وأهم روابطها هو «الإنسان».


* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو