لا تزال ثمة أوهام بين الشعوب في مناطق واسعة من العالم أن ثمة علاقة بين القمر وارتفاع الإصابات بالأمراض، وهو ما يُعرف بـ«تأثيرات القمر الصحية» Moon Health Influences. وضمن عدد 10 مارس (آذار) من مجلة بحوث التمريض Nursing Research، نشر الباحثون من جامعة كاليفورنيا نتائج دراستهم حول مراجعة الدراسات السابقة التي بحثت في موضوع تأثيرات اكتمال القمر كبدر، على معدلات الدخول إلى المستشفيات ومعدلات الولادة، ونفى فيها الباحثون الأميركيون صحة تلك الاعتقادات حول العلاقة بينها. ولا تزال فرضية التأثيرات النفسية لـ«القمر المكتمل» أحد العوامل المطروحة حول جوانب صحية متعددة، افترضتها دراسات طبية قديمة وفندتها دراسات طبية أحدث وأدق.
وكلمة القمر moon في اللغة اللاتينية هي «لونا» luna، ومنها اشتقت كلمة ليونَتِك باللغة الإنجليزية التي تعني المجنون أو الطائش، باعتبار ما كان شائعا في القرن الثامن عشر من اعتقاد بأن اكتمال البدر له علاقة بأعمال الجنون الإجرامية وفقد السيطرة على السلوكيات والتصرفات، وهو ما استخدمه المحامون في تلك الحقبات الزمنية كتبرير لأفعال المجرمين. وعلى سبيل المثال، نشرت مجلة علم الطب النفسي الإكلينيكي (جورنال أوف كلينيكل سايكاتري) في سبعينات القرن الماضي دراسة لفريق من باحثي جامعة ميامي حول علاقة القمر بجرائم القتل، وجدوا أن معدل حصول جرائم القتل ينخفض ويزيد حسب تطور مراحل ظهور القمر. كما أجرت المؤسسة الأميركية للطب المناخي American Institute of Medical Climatology بحثا عن تأثير القمر المكتمل على السلوكيات البشرية ووجدت نفس الملاحظات التي ربطت بين اكتمال ظهور القمر وانتشار الجرائم.
ولكن بالمقابل، قام كثير من الباحثين الطبيين وغيرهم بمراجعة مثل هذه الدراسات القديمة، كالدكتور إيفان كيلي، الباحث النفسي الكندي بجامعة ساسكاتشوان في ساسكاتون، الذي نشر أكثر من 15 بحثا طبيا نفسيا عن هذا الموضوع، وراجع أكثر من 200 دراسة علمية طبية عن علاقة القمر بحياة الناس النفسية والصحية. وعبّر عن رأيه الصريح في الأمر برمته قائلا: «رأيي الشخصي هو أن الادعاء بوجود تأثيرات لاكتمال القمر، بهيئة البدر، لم يثبت، علميا، والدراسات التي تم إجراؤها لم تكن نتائجها متوافقة ومنضبطة، ولكل دراسة إيجابية في نتائجها هناك دراسة أخرى سلبية النتائج تُقابلها، وتُلغيها». وهو ما دفع الدكتور إيريك تشدلر، الباحث النفسي بجامعة واشنطن في سياتل بالولايات المتحدة، إلى القول: «هل من الممكن أننا، كثقافة، نُحب الفكرة القائلة بوجود قوة غامضة مُؤثرة للقمر على الأحداث في حياتنا، وأننا بالتالي ندعم قدما تلك الخرافة إلى الأمام لأننا نُريد إثبات ذلك، وبأي شكل؟ ولذا حينما يحصل أمر غير معتاد ويكون القمر آنذاك بدرا، فإن الناس عادة ما يُلاحظون ظهور القمر بهيئته المكتملة ويلومونه في التسبب بحصول تلك الأمور».
وعلق الدكتور سكوت براندهورست، الباحث النفسي في روبرت ميوري كلينك التابع لمؤسسة فورست بالولايات المتحدة، على الموضوع بالقول: «إنها واحدة من الخرافات myths التي استمرت بالحضور بقوة عبر الأجيال المتعاقبة. ونحن، كمجتمع، لا نزال نستخدم اكتمال القمر لتعليل سلوكيات الناس.. والدراسة الحديثة تعيد تأكيد أن لا علاقة بين الحالات المرضية والتغيرات التي تحصل لرؤيتنا للقمر وإطلالته على كوكب الأرض».
ويقول البروفسور جينليك ماغوت، المتخصص في علم فلك الكواكب بجامعة كاليفورنيا والباحث الرئيسي في الدراسة الحديثة، إن «القمر بريء، ومع هذا تستمر الخرافة حتى بين طبقات المتعلمين والعاملين في أوساط العاملين في التمريض، وراجعنا دراسة سابقة للباحثين الإسبان حول ارتفاع معدلات دخول المرضى للمستشفيات عند أيام اكتمال البدر، ووجدنا عدة أخطاء في كيفية إجراء البحث وعملية تحليل البيانات فيه ما يُثبت أن لا علاقة للقمر بارتفاع معدلات دخول المرضى الذي حاول الباحثون الإسبان إثباته وثبت خطأ ذلك».
وأضاف البروفسور ماغوت قائلا: «أظهرت العديد من الدراسات أن لا تأثيرات للقمر على أحداث مثل حوادث المرور أو دخول المرضى إلى المستشفيات أو نتائج العمليات الجراحية أو معدلات نجاح الشفاء من السرطان أو الإصابة بالاكتئاب أو معدلات الولادة أو معدلات حصول الجرائم، ومع هذا كله لا يزال البعض يعتقد أن القمر يُؤثر على سلوكيات البشر». واستطرد بالقول: «قد يكون السبب هو عامل تحيز التأكيد confirmation bias الذي يجعل الناس يُفسرون الأشياء لتأكيد ما يعتقدون صحته وصدقه ويُهملون ويتغاضون عمدا عن الأدلة العلمية التي تناقض ذلك».
وعلى سبيل المثال، أشارت دراسة الباحثين من كارولينا الشمالية، والمنشورة ضمن عدد مايو (أيار) 2005 من المجلة الأميركية لطب النساء والتوليد، إلى أن نتائج المراجعة العلمية لحالات أكثر من 500 ألف مولود، لا تدل البتة أن هناك صلة بين وقت الولادة من جهة ومراحل دورة القمر الشهرية، وفق ما قالته الدكتورة شيللي غالفن، الباحثة المشاركة في الدراسة. وعلى الرغم من هذا لا يزال البعض يعتقد أن اكتمال البدر يرفع من احتمالات الحمل بالمولود الذكر.
* استشاري باطنية وقلب
مركز الأمير سلطان للقلب في الرياض
[email protected]
