كيف يفكرون وكيف يخطئون

كيف يفكرون وكيف يخطئون

الخميس - 20 شهر ربيع الثاني 1443 هـ - 25 نوفمبر 2021 مـ رقم العدد [15703]

ما يجري على الساحة البترولية هذه الأيام من تفاوت في التفكير والتقرير بين منتجي ومستهلكي البترول يستدعي بعض الملاحظات:

الأولى: أنَّ السياسة البترولية في المملكة العربية السعودية تتنازعها مصلحة المملكة الوطنية أولاً، وعلاقتها بالعالم ثانياً. وهي بذلك ليست بدعاً ممَّا يميز عالمنا المعاصر على النحو الذي أكَّده ميثاق الأمم المتحدة.

الثانية: أنَّ هذه السياسة البترولية التي ننسقها مع بقية الدول الأعضاء في «أوبك» والدول المنتجة والمصدرة الأخرى قد تتفق مع مصلحة بعض الدول وقد تفترق، وقد شاهدنا منذ فترة قريبة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب وهو يقف على مدخل البيت الأبيض ليشكر مجموعة «أوبك بلس» على قرارهم التاريخي الذي أنقذ الصناعة البترولية الأميركية في ذلك الوقت، نظراً لضخامة التخفيض الذي قرر في ذلك الوقت وهو 9.7 مليون برميل باليوم، ونشاهد الآن الرئيس بايدن وهو يصدر قراره بالسحب من المخزون الاستراتيجي مع ما صاحب ذلك من امتعاض من موقف «أوبك بلس» التي تتمسك بالزيادة المحددة التي قررتها تلك المجموعة.

الثالثة: أن السياسة البترولية للمملكة تعتمد على المبادئ التي حددتها المواد الأولى من ميثاق «أوبك» وأهمها تأمين الإمدادات لمناطق الاستهلاك، وحماية مصالح الدول صاحبة الثروة، واستقرار السوق. وأكرر أنَّ تأمين الإمدادات ورد في أول وثيقة رسمية صدرت من الدول المصدرة للبترول وليس من الدول المستوردة له؛ بل إنَّ ما أقدمت عليه المملكة وشركاؤها في أبريل (نيسان) 2020 تعدى ما نطلق عليه «تأمين الإمدادات».

لا يبدو أنَّ هذه الملاحظات وما تنطوي عليه من أسس لسياسة واضحة المعالم؛ واضحة لبعض أصدقائنا.

عدت إلى أوراق أحتفظ بها نظراً لما فيها من طرافة؛ ومنها بعض قصاصات من صحف أجنبية أعرضها للقارئ كما يلي:

في 28 سبتمبر (أيلول) 2016 نشرت جريدة «فايننشيال تايمز» اللندنية مقالة للدكتور نك بتلر؛ الأستاذ في «الكلية الملكية» بجامعة لندن والمستشار الخاص في ذلك الوقت لرئيس الوزراء البريطاني غوردن براون، بعنوان: «السعوديون يلعبون بالنار إذا تمادوا في زيادة الإنتاج»، وبيت القصيد في المقالة أنه على السعوديين أن يخفضوا إنتاجهم لإفساح المجال لـ«زيت السجيل» الأميركي (هكذا) لكي يحظى بحصته من السوق!!

هذه المقالة، وقد صدرت من أستاذ يحاضر في جامعة مرموقة، تصدَّى لها أستاذ آخر يحظى بشعبية كبيرة بين طلاب الاقتصاد والسياسة، وهو الدكتور جيفري ساكس، مدير «معهد الأرض» في «جامعة كولومبيا» الأميركية في ذلك الوقت. جيفري ساكس مفكر حر ونصير مهيب لمبادئ التنمية المستدامة ومناضل شرس ضد الفقر في العالم.

كتب الأستاذ جيفري تعقيباً على مقالة نك بتلر، نشرته الجريدة نفسها بتاريخ 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 يقول فيه:

أرجو أن يتجاهل السعوديون هذه النصيحة لما تحمله في ثناياها من أخطاء؛ هي:

* ليس من المعقول أن يفسح الزيت الذي تتراوح تكلفة البرميل منه بين 5 و10 دولارات المجال لزيت تتراوح تكلفة البرميل منه بين 50 و60 دولاراً، وهذه النقطة لا تحتاج إلى تعليق سوى أنها مثل رائع على قوة الوازع الأخلاقي عند بعض العلماء الذين تثقل كاهلهم قضية العدالة في عالمنا المعاصر.

وقد فنَّد الأستاذ جيفري ساكس ما قاله الأستاذ بتلر من أثر عدم استجابة السعودية لمطلبه على مستوى البطالة في صناعة البترول الأميركية، مشيراً إلى أن العمالة المختصة بصناعة البترول لا تتعدى 0.1 في المائة من مجمل القوى العاملة في الولايات المتحدة.

وخلاصة الحديث أنَّ أصدقاءنا في الخارج يجانبهم الصواب؛ بل وتخالفهم الحكمة والمعرفة ببواطن الأمور، عندما يحاولون تفسير مواقفنا، فهم ينظرون لنا في كثير من الأحيان كأننا متغير صامت لا دور له في صنع القرار.

أختم بما يحيرني وأنا أعود لقراءة البيان الصادر عن «قمة العشرين» في روما وما ورد في إحدى فقراته من تأكيد على أهمية التشاور عبر «منتدى الطاقة العالمي» (مقره الرياض) من أجل ضمان الاستقرار والشفافية والكفاءة لأسواق الطاقة. وقد يتساءل القارئ مثلي عن مصير هذا البيان وغيره من البيانات التي صدرت بالإجماع.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو