د. محمد النغيمش
كاتب كويتي متخصص في علوم الإدارة. حاصل على الدكتوراة في القيادة من كلية ساوثهامبتون للأعمال في المملكة المتحدة وماجستير في إدارة الأعمال من جامعة ماستريخت الهولندية. ألف عدداً من الكتب منها "عقلية الإسفنجة".
TT

التأمل أعظم لحظات البشرية

لحظات تأمل، غير متوقعة، أحدثت ثورة هائلة في عالم صناعة السيارات والمصانع عموماً. كان ذلك عندما وقف هنري فورد، صاحب السيارة الشهيرة، ينظر إلى محل لبيع الدواجن، فبقي يتأملها وهي تُذبح بطريقة آلية أثارت انتباهه. إذ كانت الماكينة تسحب مجموعة من الدجاج فتقطع رؤوسها وتسلخها بطريقة سريعة على خط سير آلي يسير باتجاه أفقي، ولا يتطلب الأمر مجموعة كبيرة من العمال.
وميض هذه الصدمة أشعل فتيل فكرة في ذهن فورد، سرعت من وتيرة تصنيع السيارات. ففي السابق كانت تستغرق السيارة أسابيع طويلة، حتى تبنى فورد فكرة الحزام الآلي في خط الإنتاج Assembly Line. فلاحظ أن إنتاجية الموظفين بدأت ترتفع، فلم يعد يتطلب الأمر تحلُّق مجموعة كبيرة من الموظفين حول سيارة واحدة حتى يصنعوها، بل صار كلٌّ يقف في مكانه انتظاراً لأن تأتي سيارات متتالية على خط السير البطيء ليضع العامل القطعة المكلف بها، كإطار السيارة أو نافذتها أو مقبض الباب وغيره، ثم استبدل بالأمر لاحقاً الآلات الحديثة التي صارت تصنع السيارة في غضون يوم ونصف اليوم تقريباً.
في ساعة واحدة، يتأمل ملايين الناس أفكاراً مهمة لا حصر لها. ولو أن كل مختلٍ بنفسه قد قاطعناه بتطفل فكم من الأفكار التي ستوأد في مهدها. مدينة الألعاب الترفيهية «ديزني لاند» وتحديداً أيقونتها الكرتونية «ميكي ماوس» هبط إلهام فكرتها على ديزني في لحظات تأمل بالقطار، حيث كان يرسم خياله الخصب الذي بنى به قطاعاً ترفيهياً لم يبلغ آفاقه أحد حتى يومنا هذا.
وهذا يجرنا إلى حقيقة أن التأمل ليس له زمان أو مكان متوقع. وهو ما يعظم من إثم من يستخف بعظمة التأمل وأهميته. وحتى في الأدبيات الدينية نجد الحسن البصري يهمس في آذاننا فيقول «تفكر ساعة خير من قيام ليلة بأكملها». واختار المصطفى ‏صلى الله عليه وسلم غار حراء للتأمل في أمر جلل. وفي التأمل علاج للبشر كما يخبرنا مستشفى مايو كلينك الأميركي، في موقعه، إذ يقول «إذا ما كان الضغط يشعرك بالتوتر والاضطراب والقلق، فكر في تجربة التأمل. فقضاء حتى لو دقائق قليلة في التأمل يمكن أن يساعدك على استعادة الهدوء والسلام الداخلي».
ولحسن الحظ، فإن التأمل يمتلكه الغني والفقير، وهو بلسم لأخطائنا، وخطوة أولى نحو إيجاد حلول لتحدياتنا. مشكلتنا تكمن عندما نبدأ في مهمة اليوم الأولى من دون لحظات تأمل في الأولويات، أو في وجهتنا. ولذا قال الشافعي «إذا كثرت الحوائج فابدأ بأهمها». ولا يحدث ذلك من دون لحظات تفكر.
روعة التأمل أنه يقف وراء كل عجيب. ولولا التأمل لما أدهش الإنسان البشرية بروعة إنجازاته وابتكاراته وقراراته الرشيدة.