لا يزال القلق يساور الأميركيين في كل مكان إزاء كيفية تجاوز ما يبدو كأنه سلسلة لا نهاية لها من المشكلات الاقتصادية الناجمة عن جائحة فيروس «كوفيد - 19»، من نفاد المنتجات من المخازن إلى التضخم والمخاوف المستمرة من الإصابة بالمرض بمجرد الخروج من المنزل. ويتساءل الجميع: متى سينتهي هذا الوضع؟ أما التوقعات الاقتصادية المهنية، فتناضل من أجل طرح إجابة عن هذا التساؤل.
وفي خضم هذه المحاولات، يلجأ الكثيرون إلى فترات الركود السابقة كدليل مرشد لكيفية سير الأمور، ولكن أحد أهم الأمور التي ينبغي فهمها أنه في حين تسبب الوباء في حالة انهيار - بل وصل الأمر مع البعض إلى حد الكارثة الاقتصادية - لم يكن الركود القائم على أرض الواقع بالمعنى الطبيعي لهذا المصطلح.
ربما يبدو هذا غريباً. الحقيقة أن الجهة الحَكم في هذه الأمور (المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية) أعلنت أن الولايات المتحدة شهدت ركوداً على امتداد شهرين، تحديداً في مارس (آذار) وأبريل (نيسان) 2020.
ومع ذلك، فإن الدورات التجارية السابقة تبدو مختلفة تماماً عمّا مرّت به الولايات المتحدة في أثناء هذه الجائحة. وعليه، فإنها المكان الخطأ لجهود محاولة العثور على دروس حول ما تسير نحوه الأمور في الوقت الراهن.
ومع أن أسباب حالات الركود تختلف فيما بينها، فإنها تتبع بوجه عام نمطاً أساسياً: تتمثل الصناعات الأكثر تضرراً في القطاعات ذات الحساسية الدورية حيث ينضب الطلب. وتشمل هذه القطاعات مبيعات السلع باهظة الثمن مثل الأثاث ومواد البناء والأجهزة والسيارات، حسبما وثّق مكتب إحصاءات العمل وآخرون، وهذه هي المشتريات التي يمكن أن تتأخر عندما تكون الأوقات سيئة. وتبدأ عمليات التعافي عندما يعود الطلب إلى هذه الصناعات الدورية، عندما تنخفض الأسعار بدرجة كافية أو تنخفض أسعار الفائدة بشكل كافٍ أو تتراكم الاحتياجات المكبوتة بما يكفي لعودة الطلب.
في المقابل، نجد أن لموجات الركود تأثيرات أقل بكثير على الصناعات غير الدورية، مثل المستشفيات والرعاية التمريضية والغاز ومرافق الكهرباء وما شابه ذلك، ذلك أن الطلب في مثل هذه القطاعات ثابت بغضّ النظر عن الدورة الاقتصادية. كما تشهد بعض صناعات قطاع الخدمات، مثل التعليم، ارتفاعاً في الطلب خلال فترات الركود.
اللافت أن أياً من هذه الأنماط المألوفة لم يظهر في أثناء الانهيار الاقتصادي جراء الجائحة. الملاحَظ أن ارتفاع الإنفاق على السلع الاستهلاكية المعمرة ارتفع خلال هذه الفترة. وتكشف الإحصاءات أن مبيعات أجهزة التلفزيون ذات الشاشات الأكبر من 65 بوصة ارتفعت بنسبة 77% من أبريل إلى يونيو (حزيران) 2020، مقارنةً بالعام السابق. وكانت مشاهدة التلفزيون واحدة من الأشياء القليلة التي لا يزال بإمكان الأشخاص القيام بها في أثناء فترة الإغلاق العام. كما ازدهر الطلب على سلع الصناعة الدورية الأخرى، مثل الإسكان ومواد البناء كذلك.
وخلال فترة الانكماش التي نجمت عن الجائحة، عكس الأميركيون أيضاً اتجاهاً استمر لعقود طويلة نحو الإنفاق على الخدمات، بدلاً عن السلع. على مدار 75 عاماً، كان المستهلكون في الولايات المتحدة ينفقون أقل وأقل من أموالهم على السلع المادية (من 60% من الإنفاق في أربعينات القرن الماضي إلى 31% عام 2019). على عكس هذا الاتجاه (وعلى النقيض من حالات الركود السابقة)، قفزت حصة إنفاق المستهلكين على السلع المادية فعلياً خلال الوباء إلى أعلى مستوى له منذ 17 عاماً وكان ذلك من بين أكبر القفزات التي جرى تسجيلها على الإطلاق.
بعبارة أخرى، كان هذا ركوداً لا مثيل له في الذاكرة الحديثة. كان الانكماش الناجم عن جائحة «كوفيد - 19» مدفوعاً من جانب جميع تلك الصناعات التي من المفترض أن تكون مقاومة للركود -رحلات إلى طبيب الأسنان، واستخدام الكهرباء في المكاتب ومراكز التسوق، وما إلى ذلك. وشهد قطاع التعليم المعاكس للدورات الاقتصادية تراجعاً كبيراً في معدلات الالتحاق على الرغم من سوء الأوضاع الاقتصادية.
بالطبع، كان هذا بسبب فيروس «كوفيد - 19»، لكنّ هذا يعني أن التعافي من حالات الركود السابقة لا يكشف لنا الكثير عن كيف سيتحقق التعافي حالياً. يحاول الجميع التنبؤ بالوقت الذي سيحدث فيه انتعاش في صناعات قطاع الخدمات التي لا تتراجع في العادة، مثل الرعاية الصحية ورعاية الأطفال والتعليم. ويتعلق هذا التساؤل في جوهره بمدى سرعة التحكم في انتشار الفيروس أكثر مما يتعلق بأساسيات الركود.
في الوقت نفسه، تجاوز الطلب الكبير غير المعتاد على السلع المادية داخل الولايات المتحدة والدول الغنية الأخرى، العرض، ما أدى إلى ارتفاع التضخم وأدى إلى أزمات نقص في بعض السلع.
لذا فإن أهم شيء تجب مراقبته إذا كنت تريد فهم الاقتصاد حقاً مدى التقدم الذي جرى إحرازه ضد الفيروس. وفي الوقت ذاته، ينبغي الاهتمام بمقدار ما ينفقه الأميركيون على السلع بالنسبة إلى الخدمات (كانت 31% في 2019 وارتفعت إلى 35% الآن).
وفي حين أن النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة جاء مخيباً للآمال في الربع الثالث من عام 2021، فإنه يمكن أن يتحول بسهولة إذا تحسنت أعداد حالات الإصابة بفيروس «كورونا». والملاحَظ أن أرقام التوظيف الأميركية الصادرة بدت مشجعة. وبالتزامن مع ذلك نجد انخفاضاً كبيراً في حالات الإصابة الجديدة بفيروس «كوفيد - 19»، في وقت أصبح ملايين الأطفال اليوم مؤهلين للحصول على اللقاح، الأمر الذي قد يقلل معدلات الإصابة بدرجة أكبر.
ومع ذلك، بالنظر إلى ما بعد الأشهر القليلة المقبلة، فإن الأسئلة الأكثر إثارة للاهتمام لا تتعلق حقاً بالركود والانتعاش، وإنما بما إذا كان أي من التغييرات الناجمة عن الجائحة سيستمر. من ناحيتها، تحاول بعض الشركات، على سبيل المثال، الآن الاحتفاظ بمزيد من المخزون والحفاظ على سلاسل التوريد الخاصة بها محليةً لتجنب حدوث اضطرابات. ويعمل الكثير من الناس على نحو جزئي من المنزل وانتقل البعض الآخر إلى الضواحي.
اعتقادي أن التحولات التي حدثت في الاتجاهات الاقتصادية القائمة منذ أمد بعيد من غير المرجح أن تصبح دائمة. وبمجرد أن تتلاشى الذاكرة الاقتصادية للجائحة، من المحتمل أن تعاود الدروس القديمة من دورة الأعمال العادية اكتساب أهميتها السابقة مرة أخرى. وحتى يحدث ذلك، من الأفضل أن تصطف للحصول على الجرعة المعززة من اللقاح وأن تراقب أرقام الإصابات.
* أستاذ الاقتصاد في كلية «بوث للأعمال» بجامعة شيكاغو. عمل رئيساً لمجلس المستشارين الاقتصاديين من 2010 إلى 2011.
* خدمة «نيويورك تايمز»
10:2 دقيقه
TT
كيف نفكر في الركود المرتبط بـ«كوفيد ـ 19»؟
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
