انتخابات بعد عجز الثورات

انتخابات بعد عجز الثورات

الجمعة - 2 شهر ربيع الأول 1443 هـ - 08 أكتوبر 2021 مـ رقم العدد [15655]
الياس حرفوش
كاتب و صحافي لبناني

ثلاث دول عربية تستعد شعوبها للتوجه إلى صناديق الاقتراع. وقد تلحقها دولة رابعة هي تونس، إذا سارت خطة إعادة تدبير البيت السياسي كما يتمنى الرئيس قيس سعيّد. العراق يستعد للانتخابات النيابية بعد يومين. وبعد التجربة العراقية يستعد الليبيون أيضاً لانتخابات رئاسية ونيابية في آخر هذا العام، تهدف إلى وضع ليبيا أخيراً على طريق يؤمّن شيئاً من الاستقرار، بعدما عجز خلع معمر القذافي عن تحقيق ذلك، وفجّر مختلف الولاءات والانشقاقات الداخلية، تضاف إليها فرص التدخل الخارجي، بدعوة من أطراف الداخل، مثلما يحصل دائماً.
بعد ذلك، هناك الانتخابات التي يستعد لها اللبنانيون في الربيع المقبل، وهي مثل كل انتخابات لبنانية، فرصة لإعادة النظر في كل شيء، ودائماً في اللحظة الأخيرة التي لا تترك فرصة لإعادة النظر. هم يبحثون الآن في موعد الانتخابات وفي لوائح أسماء الناخبين، وفي حق المغتربين في الاقتراع، وفي عدد الدوائر، وحتى في عدد النواب. وهذه أمور كان يفترض أن تُحسم منذ زمن، لكن اللبنانيين يفضّلون علاج أزماتهم في الوقت المتأخر الذي لا يسمح بأي علاج.
في الدول التي نتحدث عنها، هناك أزمات موروثة وأزمات استجدت بعد التغييرات السياسية التي حصلت في السنوات الأخيرة. وبسبب هذه الأزمات، التي صارت خبزاً يومياً للمواطن، أصبح ينظر إلى الانتخابات على أنها الباب إلى الفرج. لا تسمع في كل مكان سوى حديث «إعادة إنتاج السلطة» أو «التغيير عبر صناديق الاقتراع»، وهي عبارات جميلة تكاد تقنع المواطن المغلوب على أمره أن تلك الورقة التي سيلقيها في الصندوق سوف تنقل بلده وظروفه الشخصية من حال إلى حال.
في العراق تقرر إجراء الانتخابات في موعد مبكر، قبل ستة أشهر من الموعد الذي كان مقرراً، بعد احتجاجات عام 2019 التي شهدت أوسع اعتراض على التدخل الإيراني، وأدت إلى خروج عادل عبد المهدي من رئاسة الحكومة ليخلفه مصطفى الكاظمي، بعد أشهر من التجاذبات الصعبة بين الكتل. اعتبرت الانتخابات الطريق الفضلى للتغيير بعد عجز الانتفاضات والثورات عن ذلك. الأمر نفسه جرى الحديث عنه في لبنان بعدما انتهت انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 إلى صفر نتائج. وتراهن القوى التي ظهرت بعد تلك الانتفاضة، والتي يتجمع الجزء الأكبر منها اليوم تحت لواء «الحراك المدني»، على إمكان إحداث خرق أو تغيير في تركيبة المجلس النيابي الذي ستنتجه انتخابات الربيع المقبل، التي تؤكد الحكومة اللبنانية على لزوم إجرائها. والأمر ذاته يمكن أن يقال عن ليبيا، حيث ينظر إلى الانتخابات على أنها المدخل لإنهاء الانقسام وقيام سلطة مركزية موحدة.
لا شك أن الانتخابات يجب أن تكون فرصة للتغيير. هذا هدفها، باعتبار أنها تمنح الناخب الحق في إصدار حكم على تجربة سابقة، ومنحها فرصة جديدة، أو اختيار تجربة أخرى.
غير أننا نتحدث هنا عن دول يشوب تجربة الانتخابات فيها كثير من العوائق؛ أهمها تأثير القوى الخارجية، التي بات دورها فاعلاً، على الأقل في أزمات الدول التي نتحدث عنها، وعامل الرشوة في ظل الأزمات المعيشية التي يعاني منها معظم الناخبين، علاوة على ضمان نزاهة السلطة التي تشرف على الانتخابات.
وليس من الصدف أنك لا تسمع إلا في انتخابات العالم العربي إعلان الحكومة «حرصها» على نزاهة الانتخابات وحق المواطن في أن يدلي بصوته بحرية. هذه مسائل تعتبر من تحصيل الحاصل في الدول التي تجري فيها انتخابات تستحق هذا الاسم، أما في بلداننا...
تسمع مثلاً تأكيد رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي أن حكومته ملتزمة بنزاهة الانتخابات، والكلام نفسه يقوله وزير الداخلية في لبنان، وتتسابق الدول الغربية على مطالبة الحكومات برفع يدها عن صناديق الاقتراع، فيما بات هناك شبه إجماع دولي على ضعف الثقة بفرص هذه العملية الديمقراطية، عندما تجري في بلد عربي.
ولا يوازي ضعف الثقة الخارجية هذه سوى ضعف ثقة في الداخل من فرص التغيير عن طريق الانتخابات. وأبرز دليل على ذلك هو ارتفاع نسبة المقاطعة والعزوف عن المشاركة في الانتخاب. الشعور الذي يكاد يكون عاماً: صوتي لن يحدث أي فرق ولن يغير شيئاً. في لبنان تجاوزت نسبة المقاطعين في الانتخابات الماضية 60 في المائة، وفي العراق يتحدث مراقبون لانتخابات 2018 أن نسبة المشاركة لم تتجاوز 25 في المائة. لقد بات معظم الناخبين يدركون أن القوى السياسية والطائفية المتحكمة لن تفسح الفرصة لأي تغيير يمكن أن يضر بنفوذها أو بمصالحها. وكان لافتاً تدخل المرجع الشيعي الكبير في العراق السيد علي السيستاني، بالنفوذ المعنوي الذي يملكه، ليدعو إلى المشاركة بكثافة في الانتخابات، «لإقصاء الفاسدين»، كما قال.
لهذا السبب لا يشكل ضمان النزاهة، حتى لو تحقق، الشرط الوحيد لنجاح هذه العملية. فقد يفوقه التأثير الخارجي على ولاءات المرشحين وأصوات الناخبين. ولعل المثالين البارزين اللذين يتشاركان في هذه المشكلة هما العراق ولبنان، حيث صار ولاء القوى السياسية المتحالفة مع إيران أو الخاضعة لوصايتها يلعب دوراً مرجّحاً في الانتخابات. فهذه القوى، خصوصاً في هذين البلدين، صارت تنظر إلى الانتخابات باعتبارها ضمن المعركة على النفوذ، القائمة بينها وبين القوى الغربية التي تتنافس معها، والتي تتهمها طهران وحلفاؤها بدعم المعارضين. وفي لبنان يتحدث هؤلاء الحلفاء صراحة عن التدخل الغربي لمصلحة القوى المدنية، ولقلب موازين القوى الداخلية.
في العراق، تتنافس القوى الشيعية على إثبات ولائها لإيران. هناك التيار الصدري (تحالف «سائرون»)، الذي يقال إنه الأوفر حظاً في هذه الانتخابات، و«تحالف الفتح» الذي يمثل نفوذ «الحشد الشعبي»، إضافة إلى تيارات وتحالفات أخرى يتزعمها رئيسا الحكومة السابقان حيدر العبادي ونوري المالكي. أما القوى السنية، فينقسم ولاؤها بين الأحزاب والعشائر التي تشكل قاعدتها الشعبية، بعدما خسرت نفوذها السابق. وتحافظ الكتل الكردية على «توازن نفوذ» بين السليمانية وأربيل، وبين «الاتحاد الوطني» و«الحزب الديمقراطي».
لقد شكلت المحاصصة الطائفية، في العراق كما في لبنان، وتوزيع الرئاسات الثلاث على هذه القاعدة، قاعدة للحكم، بحيث صار الولاء للطائفة، باعتباره الباب إلى السلطة، يسبق الولاء الوطني. وفي وضع كهذا تصبح فرص التغيير محدودة، والسعي لإعادة إنتاج السلطة، الذي يجري الحديث عنه، أقرب إلى الحلم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو