مذكرات شيخ جامع

مذكرات شيخ جامع

الأحد - 26 صفر 1443 هـ - 03 أكتوبر 2021 مـ رقم العدد [15650]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.

لم تقع تحت يدي من قبل يوميات لرجل دين اشتغل صحافياً. رحل العشرات ممن صنعوا تاريخ العراق من دون أن يدونوا حرفاً. الصمت أسلم للأرواح. ثم تفرقعت سدادة الزجاجة بعد طول احتباس وتدفق منها، في السنوات العشرين الأخيرة، رشاش من كتب المذكرات والتهيؤات لسياسيين وحزبيين وضباط متقاعدين وأطباء ومهندسين وفنانين وطباخين وربات بيوت حتى اختلط الحابل بالنابل. ما الجديد الذي سيأتي به هذا الكتاب الصادر حديثاً والواقع في أكثر من 700 صفحة من القطع الكبير؟
عنوانه الكبير: «مذكرات شيخ جامع». والعنوان الصغير: صور اجتماعية عن الجوامع والحياة البغدادية خلال الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق في عامي 2003 و2004. والناشر دار دجلة الأكاديمية في بغداد. والمؤلف هو عمر علي حيدر، شيخ جامع موظف في الأوقاف، يصلي في الناس ويقيم بهم الجمعات وينصحهم في العبادات والمعاملات. يعرف نفسه بأنه عمل أيضاً صحافياً وكاتباً ومصححاً لغوياً في الجرائد ونشرات الأخبار ومعلماً في المدارس.
كأنه كان يحمل كاميرا ويطوف ليلتقط آلاف الصور للكابوس الذي حل بالعراق، شارحاً ما مهد له وما نتج عنه. عاد إلى خطب القادة والكتب التي نشرها صحافيون عرب وأجانب، وأفرد لها فهرساً بالأسماء، مع ثبت بالمصادر وملحق للصور. وبهذا فإنها مذكرات شاملة، يمكن أن يدخلها القارئ من أي صفحة ويستمر في القراءة حتى تثقل قلبه الغمة. وإذا كان المواطن العراقي قد عاش كل تلك الفصول على مراحل وبالتقسيط فإن هذا الكتاب يضعه في مواجهة جبل الأهوال كلها دفعة واحدة مرصوصة، لئلا تشفق عليه الذاكرة فينسى ويقلب الصفحة.
يقول عن عسكرة المجتمع إن عدد سنوات الخدمة العسكرية عند الكثير من الجنود العراقيين المكلفين وصل إلى 16 عاماً بسبب الحروب المتلاحقة. كما تم إدخال الطلبة والمتسرحين سابقاً من الجيش ممن زادت أعمارهم على 40 عاماً في تشكيلات عسكرية موازية. وبهذا أصبح في البيت الواحد سلالة من الجنود شملت الجد والأب والحفيد. ويعود المؤلف إلى الهروب الكبير لأهل بغداد عند بدء حرب تحرير الكويت، وآلاف الجنود الذين كان عليهم الالتحاق بوحداتهم. ويكتب «تكدسنا في القطار المتوجه نحو الموصل والذي تم إقفال أبوابه بشق الأنفس. كان واسطة النقل الوحيدة بعد غياب الوقود للحافلات وسيارات النقل. وكان هناك رجل يتوسلنا بدموعه لنفتح له ولولده ولحفيده باب العربة. لكن أجسادنا كانت تتكدس وراء أبواب العربات. نمنا حتى على رفوف الحقائب الموجودة أعلى المقاعد، فوق الرؤوس، وفي الممرات، وبين وصلات العربات التي كان حديدها يرفس ظهورنا كرفس الجنين في بطن الحامل. وإذا حرك أحدنا قدمه صاح الآخر: آه بطني».
انحدر الذوق العام وانعزل العراق. وكانت الفضائيات تنقل للعالم كله وقائع الحرب لحظة بلحظة بينما العراقيون في ظلام دامس. لا هواتف نقالة ولا صحون لاقطة ولا «إنترنت». ثم جاءت الجمعة الأولى بعد الاحتلال. ونقرأ: «ماذا عساي أن أخطب بين الناس؟ وماذا أقول والكل في حيرة وذهول؟ اعتليت المنبر وخرجت مني الكلمات بلا شعور: أيها الناس والله إنها نكبة. فاستغرق أغلب المصلين في البكاء. وبعد الصلاة نهض من بينهم مجموعة من الضباط وطالبوني بقيادة تشكيل عسكري في الحال، يقع على عاتقه قتال الأميركان وعلى عاتقي إعلان الجهاد. فهدأت الجميع وطلبت منهم الجلوس وانتظار ما سيسفر عنه قابل الأيام، فهناك جهادات أخرى منها عدم الانجرار للفتن وقطع الطريق أمام الطائفيين وحماية الضعيف... أذعنوا لكلامي وعادوا إلى بيوتهم على مضض».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو