لا شك أن تحديد الجرعات للأطفال يجب أن يأخذ في الاعتبار بدقة أجساد الأطفال الأصغر والمختلفة عن أجساد البالغين. بجانب ذلك، ثمة مخاوف إزاء الآثار الجانبية النادرة المحتملة، مثل التهاب القلب.
أما الأمر الأقل إقناعاً بالنظر إلى التفشي السريع لمتحور «دلتا»، فهو طلب إدارة الغذاء والدواء الأميركية بزيادة الفترة المخصصة للتجارب السريرية للحصول على بيانات السلامة للقاحات الموجهة للأطفال إلى ستة شهور، بدلاً عن اثنين، والاعتماد على عينات أكبر. من جهتها، أعلنت «فايزر ـ بيونتيك»، مؤخراً، أن لقاحها آمن وفعال للأطفال من 5 إلى 11 عاماً، وأنها ستتقدم بطلب للحصول على موافقة طارئة بحلول نهاية الشهر. ودعا منتقدو إدارة الأغذية والأدوية، بما في ذلك الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال، الوكالة عند اتخاذ قرار بشأن الإذن بتطعيم الأطفال، إلى النظر في البيانات التي جرى إنتاجها بالفعل، لأن خطر دلتا شديد للغاية. إلا أنهم يغفلون المشكلة الأساسية وهي الانفصال القائم بين ما جرى بناء على نظام الصحة العامة داخل الولايات المتحدة من أجله والتهديد الذي يشكله «كوفيد ـ 19». الحقيقة أنه ثمة سبب في أن النظام الأميركي لتطوير الأدوية والموافقة عليها قد جرت محاكاته في جميع أنحاء العالم. جدير بالذكر هنا أن الموافقة على الدواء ليست مجرد عملية مفتاح تشغيل وإيقاف يسمح للعلاج بفوائد معروفة وقابلة للقياس ليجري إطلاقها ببساطة كي تتولى تفعيل سحرها، وإنما هي عملية يجري خلالها اكتشاف فوائد العلاج ذاتها. وبعد ذلك، يجري تحديدها من أجل إنتاج أفضل نسخة ممكنة عندما يصبح الدواء متاحاً. لا تعمل الأدوية واللقاحات إلا إذا جرى إعطاؤها بالجرعة المناسبة، ويبدي الناس ثقتهم بهذه العملية ـ وفي إدارة الغذاء والدواء ـ ما يكفي كي يتناولوا مثل هذه الأدوية. ومع ذلك، كشفت جائحة فيروس «كوفيد ـ 19» عن ضعف هيكلي في هذه المنظومة، ذلك أن السلطات الصحية داخل الولايات المتحدة عادة ما توافق على الأدوية واللقاحات لمواجهة الأمراض التي يجري فهمها على نحو أفضل بكثير عن «كوفيد ـ 19»، مثل الالتهابات البكتيرية وأمراض القلب والسرطان. وعندما تظهر علاجات جديدة لهذه الأمراض، تظل هناك علاجات حالية كافية على نحو عام. أما «كوفيد ـ 19»، فيبدو وحشاً من نمط مختلف. في الواقع، لم يواجه المجتمع الأميركي هجوماً ممرضاً على مثل هذا النطاق الواسع منذ جائحة الإنفلونزا الإسبانية عام 1918.
وعليه، من الواضح أن المنظومة التي طورتها الولايات المتحدة غير متوافقة مع «كوفيد ـ 19». تجدر الإشارة هنا إلى أن ترخيص اللقاح بدأ بقانون مراقبة الأدوية البيولوجية لعام 1902 وتطور من خلال مجموعة من التطورات المؤسسية، بما في ذلك الدراسات المرحلية التي تدرس بشكل تدريجي مسائل السلامة والفاعلية والجرعات والتي جرى تطويرها في البداية للأدوية والعلاجات مثل المضادات الحيوية والعلاج الكيميائي. وجرى استخدام آلية ترخيص الاستخدام في حالات الطوارئ لإطلاق اللقاحات الموجهة ضد «كوفيد ـ 19». ومع ذلك، لم يعد ذلك كونه حلاً مؤقتاً لمشكلة مختلفة. وذهب التفكير إلى أنه إذا أطلق الإرهابيون أحد مسببات الأمراض، فيمكن للولايات المتحدة أن تأذن بسرعة باستخدام عقار أو علاج وقائي. ومثلما اتضح أمام الأميركيين، فإن آلية الاستخدام الطارئ يمكن أن تتعرض لسوء الاستخدام، لأنها عرضة للتدخل من قبل المعينين السياسيين، بل وأحياناً الرئيس نفسه. في الوقت ذاته، تتطلب أمراض مثل «كوفيد ـ 19» استراتيجية مصممة خصيصاً لمواجهة الأوبئة، والتي يمكنها تنظيم جهود متسقة بسرعة كبيرة وعلى مساحة واسعة. يمكن لسياسة الإجازة التي تركز على الوباء أن تعتمد على عملية صناعة قرارات سريعة شبيهة بقرارات الإجازة من أجل الاستخدام الطارئ، لكنها بجانب ذلك تنجز ثلاثة أشياء أخرى على الأقل.
أولاً: إدراك أن المطالب المتعلقة بالبيانات الواجب توافرها قبل إصدار الإجازة يجب أن تتكيف مع مدى حدة الأزمة القائمة. جدير بالذكر هنا أن العقبة الرئيسية أمام ترخيص لقاحات للأطفال الأميركيين تكمن في الفترة المطلوبة للتجارب السريرية وعدد الأطفال المطلوبين لفحص سلامة وفاعلية اللقاحات.
ثانياً: ينبغي أن تملك إدارة الغذاء والدواء القدرة على دفع شركات الأدوية لإجراء اختبارات على اللقاحات الجديدة على المراهقين والأطفال في أسرع وقت ممكن.
ثالثاً: يجب أن يتناول نظام الإجازة الجديد أي نقص في الموارد داخل مركز التقييم والأبحاث البيولوجية، القسم التابع لإدارة الغذاء والدواء والمعني بمراجعة اللقاحات.
وإذا ما أصر قادة إدارة الغذاء والدواء على فترة ستة شهور لدراسة بيانات السلامة بينما يفتك متحور «دلتا» بالبلاد، فإنهم بذلك سيكونون مستحقين لكل عبارة نقد يتعرضون لها.
* بروفسور شؤون الحكومة بجامعة هارفارد
* خدمة «نيويورك تايمز»
TT
عقبات أمام تلقيح الأطفال ضد «كوفيد ـ 19»
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
