هل للعملة المشفرة أن تحافظ على الحرية؟

هل للعملة المشفرة أن تحافظ على الحرية؟

الثلاثاء - 14 صفر 1443 هـ - 21 سبتمبر 2021 مـ رقم العدد [15638]
جيمس بولوس
* خدمة «نيويورك تايمز»

خلقت لجنة الأوراق المالية والبورصة الأميركية، عبر تهديدها القانوني الأخير ضد برنامج شركة «كوين بيز» لحساب العملات المشفرة الجديد ذي الفوائد، ضجة في كل من القطاعين المالي والتكنولوجي، وهما عالمان لطالما كانا متشابكين، ولكن بسبب تداعيات التكنولوجيا الرقمية نفسها، فإن بعضهما يواجه البعض الآن في منافسة متزايدة العمق. ويتوقع مراقبو الصناعة الآن من إدارة بايدن أن تشن هجومها التنظيمي ضد العملة المشفرة.
وما بات على المحك الآن هو أخطر كثيراً من مجرد تعميم العملات المشفرة. إن توسع الشركات المالية الذي تسهله التكنولوجيا في حياتنا الخاصة يهدد بدفع الأميركيين إلى نظام ائتمان اجتماعي وواقعي يعاقبهم على اتخاذ الخيارات - وحتى التعبير عن الآراء - التي لا يحبذها المسؤولون عن الجهات الرقابية.
وبوتيرة سريعة، أصبح تمويل المستهلك جزءاً لا رجعة فيه من التكنولوجيا الرقمية. أظهرت دراسة مسحية جديدة لمؤسسة «ماكنزي» أن أكثر من ثلاثة أرباع الأميركيين يستخدمون نوعاً ما من منصات الدفع الرقمية. وبحلول العام القادم، وفقاً لمؤسسة «ستاتيستا»، من المتوقع أن يستخدم نحو ثلثي الأميركيين الخدمات المصرفية الرقمية. وعلى نحو متزايد، أصبح بوسع المرء أن يشارك في الاقتصاد لحساب ومصالح أولئك الذين يديرون بنية الاقتصاد الأساسية، مما يعطي المسؤولين عن هذه البنية الأساسية قدراً هائلاً من القوة في صياغة أو معاقبة السلوكيات. إنهم يواصلون استغلال الجميع.
رأينا، خلال الشهور الأخيرة، كيف اتخذت معالجات الدفع، ومضيفو الإنترنت، وشركات أخرى، بكل فجاجة إجراءات تنسيقية ووثيقة الصلة مع أولويات الحكومة لتجميد الأعمال غير المرغوب فيها مالياً على الإنترنت. ذلك أن استبعاد الرئيس التنفيذي الحالي من مواقع التواصل الاجتماعي، أيا كانت جدواه أو مبرراته المتصورة، قد فتح الباب أمام نظام يتمكن فيه أولئك الذين بوسعهم إلغاء أو تعليق الحسابات وفق هواهم وفي انسجام تام. أدى هذا المنطق الذي تبنته مباشرة إحدى منصات الدفع «ستريب»، إلى انتقال دونالد ترمب لمنصة أكبر بكثير، «باي بال»، تلك التي تضع العملاء في القائمة السوداء لتطهير قاعدة المستخدمين لديها.
كلما اكتسبت هذه المنظمات المزيد من القوة، أصبحت معاييرها الأخلاقية أو الآيديولوجية أكثر تعسفا وعقابا. تماما كما حذر ديفيد ساكس، مدير العمليات المؤسس في شركة «باي بال»، فإن تنسيق القوى الفيدرالية والمالية والتكنولوجية المتشابكة لمعاقبة منتقديها ومعارضيها قد تحايل على حمايتنا الدستورية الأساسية: فالشخص الذي يجد حساباته المالية والاجتماعية مغلقة، بعد أن تصفه الحكومة بأنها ذات صفة تخريبية لن يكون أمامه أي سبيل قانوني يسلكه.
وبفضل موارده الضخمة، التي تمتد عبر وادي السيليكون والحكومة الفيدرالية، يحظى النظام بمعرفة عميقة بنشاطنا على شبكة الإنترنت. فكر، وقل وافعل ما يريده النظام منك حتى يُسمح لك بالعمل. وإذا ما انحرفت عن الجادة المرسومة لك، فسوف يغلقون الأجواء في وجهك. هذا هو المنطق غير الأميركي لنظام الائتمان الاجتماعي الذي يُفرض علينا.
وفي غياب وسيلة جديدة وجوهرية وأفضل في توليد الثروة وتداولها وحفظها وتبادلها، فإن الأميركيين سوف يصبحون عاجزين على نحو متزايد عن منع استغلال نظامهم المالي في تحويل بلادهم إلى قفص تكنولوجي عقيم.
ومن الممكن أن تتمكن عملة البتكوين، والعملات المشفرة المماثلة، من تحرير المواطنين الأميركيين العاديين من الانضباط المالي، والنفسي، والعقوبات في قلب نظام السيطرة المذكور. ولكن هذه الهدية سوف تختفي إذا لم يعمل صناع السياسات والمشرعون، بداية على مستوى الولايات، في ترسيخ العوائق التنظيمية والتشريعية للجهود المجمعة في واشنطن وول ستريت ووادي السيليكون لجعل العملة المشفرة مجرد ترس آخر في النظام الذي يسيطرون عليه.
ويتعين على الولايات أن تتحول إلى ملاذ قانوني واسع النطاق للعملات المشفرة. إن استخدام التكنولوجيا الرقمية لإعادة تأسيس الولايات المتحدة كنظام ائتماني اجتماعي سهل لا يمكن إيقافه إلا بوضع القوة الرقمية بين أيدي الناس. على مدى أجيال، نظمت أجهزتنا العسكرية والاستخباراتية التقدم التكنولوجي الأميركي تدريجيا حول السيطرة الاجتماعية غير الخاضعة للمساءلة وغير القانونية. واعتمادنا على هذا النظام من أجل الابتكار في المستقبل يتطلب ثمنا باهظا لا يُطاق على حريتنا وازدهارنا.
إن إجراءات مكافحة الاحتكار ضد الشركات العملاقة مثل غوغل وأمازون حكيمة ومنصفة، ولكنها لا تعيد الوكالة الرقمية إلى المواطنين العاديين وتزج بها بين أيادي القانون. ويعمل نظام الائتمان الاجتماعي الذي بدأ يظهر سريعاً على إزالة الخط الفاصل بين القطاعين الخاص والعام، فالأميركيون يحتاجون إلى عملة البتكوين، وما إلى ذلك، حتى يتسنى لهم استعادة مصيرهم في العالم الرقمي بدلاً من إسناده إلى المزيد من أباطرة القطاع الخاص أو العام.
لقد حظي المنتقدون بيوم مشهود مع العملات المشفرة، وفي أسوأ الأحوال، اكتسب هذا اليوم زخم الرسوم الكاريكاتورية المعهود. لكن السبب وراء ذلك أنه مثل كل الأدوات، من الممكن أن ينقلب ضد أفضل استخدام له. وبالنسبة لمهندسي نظام الائتمان الاجتماعي، فإنه من الضروري أن تكون كمية العملات المشفرة المستخرجة محدودة بشكل كبير، وأن تُراقب المعاملات المشفرة مع وضع سقف لها، وأن تُدمج كافة أشكال التشفير ضمن بيئة تنظيمية واستثمارية هي الوحيدة التي تسيطر عليها واشنطن وول ستريت ووادي السيليكون.
بل إن الأميركيين يحتاجون إلى العكس تماماً: الحق في إنتاج وشراء الحواسيب قوي بالدرجة الكافية لاستخراج عملة البتكوين وبناء مراكز البيانات، والحق في استخدام ونقل العملة المشفرة بعيدا عن المراقبة الغاشمة، ومتطلبات الإبلاغ، والقيود التعسفية، والحق في الاختيار الحر لاستخدام عملة التشفير كعملات رقمية حقيقية فيما بينهم. قد تعتبر القوانين الفيدرالية مثالية في هذا الصدد، لكن في البيئة العدائية الحالية، فإن نقطة الانطلاق العاجلة هي على مستوى الولايات.
وفي غياب هذه القوانين، فإن الأميركيين سوف يفتقرون إلى القوة الرقمية اللازمة للهروب من نظام الائتمان الاجتماعي القادم. ولا توجد خطة بديلة إذا كان المشرعون لا يستطيعون حماية الحقوق الرقمية للأميركيين.


- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو