ميشال أبو نجم
TT

هل يلهث أوباما وراء اتفاق مع إيران؟

ليس سرا أن الرئيس الأميركي باراك أوباما يريد بقوة اتفاقا مع إيران حول برنامجها النووي. لذا لا يفتأ يرسل الإشارة تلو الأخرى الى المسؤولين في طهران لإفهامهم أن غايته هي التوصل الى اتفاق "عادل" يتخلى الإيرانيون بموجبه عن طموحاتهم النووية العسكرية وعن حلم تصنيع القنبلة النووية، الذي إن نجحوا في تحويله الى واقع، فإنهم يغيرون معادلات الشرق الأوسط الجيوسياسية والعسكرية وينضمون الى النادي النووي الذي (يزنّرهم) من الشرق مع باكستان والهند ومن الشمال مع روسيا ومن الغرب مع إسرائيل. أما جنوبهم فهو الخليج الذي تبحر فيه حاملات الطائرات الأميركية والسفن الحربية الغربية.
حتى الآن، أمضى أوباما 75 شهرا في البيت الأبيض ولم يتبق له من ولايته الثانية، نظريا، إلا 21 شهرا. لكن في الأشهر القليلة القادمة، ستدخل الولايات المتحدة الأميركية في أجواء الحملة الانتخابية الرئاسية، حيث ستطغى عليها الشؤون الداخلية، وحيث سيصبح صوت الرئيس غير مسموع باعتباره راحلا عن السلطة ومعه سيرحل مساعدوه ووزراؤه وكبار الموظفين... وبكلام آخر، فإن الطاقم الرئاسي سيبدأ بجمع أغراضه وتحميلها لإخلاء المكان للعهد الجديد.
تكمن مشكلة أوباما في الشرق الأوسط وفي أمكنة أخرى من العالم، أنه لم يحقق أي إنجاز سياسي أو ديبلوماسي كبير. فلا الجهود التي بذلها لإيجاد حل للنزاع الفلسطيني ــ الإسرائيلي أفضت الى نتيجة، ولا وعود خطاب جامعة القاهرة وخطاب اسطنبول أينعت ثمارا. العكس هو الصحيح: التناحر بين الغرب والإسلام على أشده والمصالحة التاريخية التي دعا إليها لم تتحقق أبدا. أخرج القوات الأميركية من العراق وها هو أعادها إليه. لا العراق استقر ولا هو عرف التعامل مع الربيع العربي. سياسته إزاء مصر تخطو خطوة الى الأمام وخطوتين الى الوراء. أما سياسته في سوريا فلا أحد قادرا على فهمها. ثم إن خلافات الإدارة الأميركية الداخلية على كل شفة ولسان، ناهيك من اختلافات الرأي مع المعارضة السورية ومع بلدان فاعلة داخل النواة الضيقة من أصدقاء سوريا وعلى رأسهم فرنسا.
من المشرق الى المغرب، تترنح السياسة الأميركية الخارجية. لم يعد لواشنطن وجود في ليبيا، حيث قتل سفيرها وهوجمت مصالحها ولا في اليمن حيث أغلقت سفارتها وسحبت ما تبقى من قواتها الخاصة.
هذه الاخفاقات تبين كم أوباما بحاجة الى "إنجاز" سياسي ــ دبلوماسي في الشرق الأوسط يرتبط به اسمه، خصوصا أن لا نجاحات خارجية "وازنة" حققها في مناطق أخرى من العالم. العلاقة مع روسيا دخلت الثلاجة بسبب أوكرانيا، وموسكو بلعت شبه جزيرة القرم وهي تسعى الى فصل شرق أوكرانيا عن كييف. أما مع الصين فالعلاقة متوترة.
ثمة مجموعة من الأسباب الرئيسية المترابطة في ما بينها تدفع الإدارة الأميركية للسعي وراء اتفاق مع إيران. أولها أن واشنطن "بحاجة" الى طهران التي تظهر بصماتها على العديد من الأزمات المشتعلة في منطقة الشرق الأوسط من اليمن الى لبنان مرورا بالعراق وسوريا. والرهان الأميركي ان تفاهما مع إيران من شأنه دفعها للعب "دور معتدل" أو "بناء" لجهة إيجاد مخارج سياسية لهذه الأزمات. أما السبب الثاني فمرده أعتبار أن فشل المفاوضات النووية للتوصل الى اتفاق نهائي ستكون له نتائج سيئة للغاية؛ إذ سينسف مصداقية معاهدة منع انتشار السلاح النووي وسيترك لإيران الحبل على الغارب لتطور قدراتها النووية. فضلا عن ذلك، فإنه سيدفع المنطقة الى سباق نووي لأن دولا خليجية وعربية وربما تركيا ستريد بدورها السعي للحصول على هذا السلاح لكي لا تترك إيران وحيدة في الساحة. اما السبب الأخير فهو أن أصواتا ستدعو في الولايات المتحدة نفسها وفي إسرائيل لتدمير البرنامج النووي الإيراني بالقوة؛ الأمر الذي سيعني حربا شاملة في المنطقة بسبب "الأذرع" العسكرية التي تستطيع طهران تحريكها من شواطئ المتوسط وحتى باب المندب.
إذا كانت هذه الأسباب مفهومة، فهل يعني ذلك أن الإدارة الأميركية جاهزة لإبرام اتفاق مع طهران لا يستوفي الشروط الضرورية المطمئنة لبقاء البرنامج النووي الإيراني سلمي الطابع؟
قد يكون من الصعب تصور أن الرئيس أوباما، رغم حاجته الماسة للتوصل الى إنجاز دبلوماسي، غير حريص على انتزاع كافة الضمانات من المسؤولين الإيرانيين في مفاوضات شاقة تدوم منذ 18 عشر شهرا وتستهلك مئات الساعات من النقاشات وتعبئة وزراء خارجية الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، إضافة لألمانيا وللوكالة الدولية للطاقة النووية. ويعي أوباما أن أعين العالم مركزة عليه، وأن خصومه الجمهوريين والعديد من أصدقائه الديموقراطيين في الكونغرس لن يكونوا متساهلين معه بأي شكل من الأشكال إن لم يتوصل الى اتفاق مرض يمكن تسويقه لدى الرأي العام الأميركي ولدى حلفاء واشنطن في المنطقة والعالم. وأكثر من مرة، التزم أوباما علنا بمنع إيران من الحصول على القنبلة النووية؛ إن من خلال الاتفاق أو بالقوة، حيث أنه "لم يستبعد" الخيار العسكري الذي يقول مستشاروه إنه "ما زال على الطاولة".
المسألة اليوم تطرح كالتالي: هل يمكن الوثوق بكلام أوباما وبتطمينات إدارته؟ الجواب قد يميل في هذا الاتجاه أو ذاك. لكن الواضح أن اتفاقا غير مرض سيكون عالة على أوباما وإدارته كما على بلدان الخليج والمنطقة بأكملها.
يبقى أن أطرافا متخوفة من داخل مجموعة الست وعلى رأسها فرنسا أو من خارجها، لن تتخلى عن حذرها. ولذا يمكن الرهان على أن الرئيس الأميركي لن يخطو خطوة ناقصة، وسيحرص على المطالبة بكافة الإجراءات التي من شأنها أن تحرم طهران من اتفاق يترك لها مسارب للالتفاف على مضمونه.