ثلاث مصريات من لبنان: الخسوف

ثلاث مصريات من لبنان: الخسوف

الخميس - 9 صفر 1443 هـ - 16 سبتمبر 2021 مـ رقم العدد [15633]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

عادت بديعة إلى القاهرة 1922 وهي النجمة الأولى في فرقة نجيب الريحاني. وفي مدينة تحب المرح والضحك توجت بديعة الممثلة الهزلية الأخرى. وانفتحت أمامها أبواب المال والهدايا من غير معجب. وإحدى هذه الهدايا كانت شقة في القاهرة انتقلت إليها في سرور وامتنان. وفي هذه الأثناء ازدادت قرباً من صاحب الفرقة، الريحاني الكبير، غير أن الرجل الذي كان يضحك مصر - ولا يزال – كانت له، مثل معظم البشر، شخصيتان: واحدة مرحة وحيوية بين الناس، وأخرى كئيبة وخاملة في المنزل.
وسوف تشكو بديعة في مذكراتها من سيد الكوميديا الصائع الضائع، الذي يمضي أمسياته مع رفاقه، يشرب ويهزر وينكّت ويلعب البليارد، ويترك زوجته الشابة وحيدة في المنزل. ومع ذلك قاما في السنة الثانية من الزواج، مع الفرقة، برحلة إلى البرازيل والأرجنتين وبعض الدول اللاتينية الأخرى، حيث وزَّعوا الفرح والطرب على أفراد الجاليات العربية. لكن الخناق كان دائراً بين الزوجين. هي تتهمه بالخمول والخيانة، وهو يتهمها بأنها مجرد رقاصة لا تفقه شيئاً. العام 1926 انفصلا. واشترت الزوجة في شارع عماد الدين «صالة بديعة»، وأصابت الصالة من النجاح بحيث حاول التجار تقليدها، كما حاولت النساء تقليد أزياء بديعة. بل إن أصحاب بديعة فاتهمتهم بالتآمر عليها مع ابن شقيقها أنطوان، الذي أتت به من لبنان لمساعدتها. لكن مع الحرب العالمية الثانية وامتلاء القاهرة بالغربيين، عادت أعمال بديعة إلى الازدهار، إلى أن حان وقت التقاعد، العام 1950. بعد أربعين سنة من العمل. باعت «كازينو بديعة» لعدوتها بيبا عز الدين، وغادرت مصر. ولم تنته أحزانها في لبنان. وبعد أضواء مصر وميدان الأوبرا (كازينو بديعة) وشارع عماد الدين، أنهت سنواتها الأخيرة في ظل شتورة الخافت. وقد حاولتُ أكثر من مرة زيارة المحل لكي أراها، لكنني كنت دائماً أخرج «بعروسة جبنة» مع الخيار والزيتون، تعدها لي موظفة المحل.
مع رجوع بديعة إلى شتورة، شارفت على الانتهاء تلك القافلة من اللبنانيين واللبنانيات الذين أعطتهم مصر شهرتها والشهرة العالمية أيضاً. عمر الشريف والشعراء (بالفرنسية) أندريه شديد، وجورج حنين، وجورج شحادة، والسينمائي يوسف شاهين.
تلك كانت الحقبة الجميلة، بين البلد الصغير والدولة الكبيرة، لا يفصل بينهما سوى ليلة في البحر، أو ساعة في الجو. وتجمع بينهما سنوات عجيبة في ثرائها: بيروت تصدّر العمال والشغالات والنجوم والباشاوات، ومصر تحتضن. وما كان غريباً أن يكون فؤاد حداد واحداً من كبار شعراء العامية في مصر. ويضعه البعض إلى جانب الأبنودي وأحمد فؤاد نجم. أعزكم الله جميعاً.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو