في عالم يبدو في حالة انهيار وخراب، انجذبت نحو قصيدة «الخريف» لرينيه ماريا ريلكه، وأتذكر منها «هناك كيان واحد يمسك بهذا الانهيار بشكل لا نهائي ونعومة بين يديه».
لست وحدي المهتمة بهذا الفن القديم، حيث يبدو أن الشعر في طريقه للعودة إلى حياتنا. وبحسب استطلاع للرأي أجرته وكالة الوقف الوطني للفنون عام 2018، تضاعف عدد الأشخاص البالغين الذين يقرأون الشعر تقريباً خلال خمس سنوات، وهو ما يمثل أكبر معدل خلال الخمسة عشر عاماً الماضية. وقد خطفت الشاعرة أماندا غورمان الأنظار خلال مراسم التنصيب الرئاسي العام الحالي، وتصدر ديوانها «التل الذي نتسلقه» قائمة الكتب الأكثر مبيعاً على موقع «أمازون».
لا يوجد سبب واضح أو أوحد لعودة الشعر مرة أخرى للظهور، لكنني أعتقد أن ما يوضحه لنا الشعر في لحظتنا الراهنة هو أن القصائد الجيدة تعين على استعادة الكلمات لقوتها وتأثيرها وجمالها. تبدو الكلمات شائعة ومنتشرة الآن، ونحن نحمل معنا عالماً من الكلمات كل لحظة على هواتفنا الذكية، كما أننا نتفاعل مع أفراد عائلاتنا وأصدقائنا من خلال الكلمات المكتوبة في رسائل البريد الإلكتروني والرسائل النصية والمنشورات على موقع «فيسبوك»، لكن ذلك بفضل قدرتنا المكتشفة حديثاً على نشر أي كلمات نريدها في أي لحظة يمكن لنا أن نبتذل تلك الكلمات ونجعلها رخيصة.
وقد كتبت مارلين تشاندلر ماكنتاير، في كتابها «العناية بالكلمات في ظل ثقافة الأكاذيب»: «يمكن للغة أن تُستنزف وتتلوث وتتآكل، وتصبح مليئة بالمحفزات الصناعية»، وتحث على «نشر السلام» لأن «حب الجمال يتصل بعمق بحب السلام». ومن المؤكد أن في عصر مواقع التواصل الاجتماعي الذي نعيش فيه حالياً كثيراً ما يتم استخدام الكلمات سلاحاً. على الجانب الآخر يتعامل الشعر مع الكلمات باهتمام وعناية، حيث يتم تركيبها ببطء لتصبح مثل مصابيح يمكنها أن تنير وترشد. للجدل والنقاش أهمية، لكن حين تبدو النقاشات الجدلية اليومية هي كل ما يقال عن الحياة والموت أو الحب أو الإله، في حين يذكرني الشعر بتلك الحقائق الغامضة التي لا يمكن اختزالها في فكر خطي أحادي.
يمكن للشعر ذاته الانخراط في جدل ونقاش ذكي، فحتى الشعر التعليمي الإرشادي، أي الذي يقدم حجة ما، يستطيع تحقيق هذا الهدف بطريقة أكثر إبداعاً ودقة وفتنة مما نراه عادة في خطابنا العام المتأجج الساخن. وهناك سبب آخر أعتقد أنه وراء انجذابنا نحو الشعر، وهو أن القصائد تبطئ إيقاعنا. وذكرني أبرام فان إنجين، أستاذ صف الشعر الصيفي، وهو أستاذ إنجليزي في جامعة واشنطن بمدينة سانت لويس، بأن الشعر هو «فن الانتباه». في عصر أصبح فيه انتباهنا سلعة، وحين تحقق الشركات أرباحها من جذب أنظارنا لأطول وقت ممكن، يشعر الكثيرون منا بالارتباك والغرق بين الإشعارات والانشغال وصخب حياتنا، ويعيدنا الشعر نحو ملاحظة العالم المادي حولنا وكذا عالمنا الداخلي والانتباه إليهما جيداً.
بهذه الطريقة يكون الشعر مثل صلاة، وهو تشبيه يراه الكثيرون صادقاً، حيث يذكرنا الشعر، مثل الصلاة، بأن هناك ما يمكن قوله عن الواقع أكثر مما يقال بالكلمات. يجب إنقاذ اللغة واستعادتها، وتوجهنا اللغة نحو قراءة الشعر وكتابته كطريقة لتحقيق ذلك. وتقول الكاتبة أيضاً إن القصائد «تدرب وتمرن الخيال الذي نستخدم من خلاله اللغة كمحاولة لتقديم لمحة عما يكمن وراء الكلمات». ويفسح الاثنان أيضاً مجالاً للتعبير عن مشاعر الاشتياق العميقة والرثاء والحب.
أحاول حالياً قراءة الشعر بشكل أكبر في حياتي اليومية؛ فقد تكون قراءة قصائد جديدة أمراً مخيفاً، لكنني بت أدرك أن الطريقة الوحيدة لإساءة فهم الشعر هو تجنبه والابتعاد عنه تماماً. وما يساعد في تحقيق هذا الأمر هو أن الشعر في أكثر الأحوال يكون قصيراً وقراءته سريعة، لذا من السهل أن يحضر خلال اليوم من خلال بضع دقائق في السرير قبل النوم ليلاً، أو خلال وقت هادئ مساء يوم.
خلال العام الدراسي الماضي كنت مع أبنائي في المنزل بسبب الإجراءات الاحترازية الخاصة بفيروس «كوفيد - 19»، وكنا ننتقي دواوين شعر ونضعها على الطاولة مرة أسبوعياً، ونأكل البسكويت، ونقرأ الشعر بصوت مرتفع، ومن بين تلك الكتب أشعار لشيل سيلفرشتاين وشكسبير ونيكي غرايمز وإيميلي ديكنسون. وأحاول حالياً وضع بعض كتب الشعر حولي لتكون في الجوار دائماً.
وفي واحدة من قصائدي المفضلة وهي «الجمال الملون» يكتب جيرارد مانلي هوبكنز عن جمال «متجاوز للتغيير». وفي هذا العالم، الذي يعج بالتحولات السياسية والتكنولوجية والاجتماعية التي تتم بسرعة فائقة، تتوق نفوس الكثير منا بهدوء إلى جمال متجاوز للتغيير وتهفو إليه. ويوجد الشعر كنوع من الصرخة الجماعية تشير إلينا وترشدنا نحو ما يوجد وراء أفضل ما يمكن لكلماتنا التعبير عنه.
- خدمة «نيويورك تايمز»
