حماية أحداث التاريخ

حماية أحداث التاريخ

الأحد - 28 محرم 1443 هـ - 05 سبتمبر 2021 مـ رقم العدد [15622]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

حدثان في أسبوع، في مجالين متباعدين وما يجمعهما الصراعات الثقافية الحضارية التي تنتشر في أنحاء العالم؛ الأول في الأبراج العاجية، والثاني على الحشائش الخضراء في ملاعب كرة القدم بصخبها وسوء السلوك في المدرجات، على اختلاف الجنسيات.
في مباراة التأهيل لمونديال كرة القدم بين إنجلترا والمجر في بودابست، الخميس، قوبل الفريق الإنجليزي بهتافات عدائية، وصفها المعلقون بالعنصرية. الفريق يضم لاعبين من عرقيات غير بيضاء. ولم يكن السبب هو خسارة الفريق المجري (أربعة أهداف للإنجليز مقابل لا شيء)، في ساحة خلت من المشجعين الإنجليز الذين لم يسافروا مع الفريق بسبب احتجازات وباء «كوفيد»، فقد بدأت الهتافات العدائية قبل انطلاق صفارة الحكم لبدء المباراة، عندما ركع الفريق الإنجليزي على ركبة واحدة، وهي لفتة انتشرت بتصاعد حملة «أرواح السود تهم» كتعبير من الرياضيين والمشاهير عن التضامن مع الملونين ضد العنصرية. المجر كانت تلقت تحذيرات من قبل بشأن سوء السلوك وتصرفات مشجعي كرة القدم فيها، وإنذارات بأن المباريات فيها ستجري بلا جماهير أو تنقل مبارياتها خارج البلاد.
ورغم سوء سمعة مشجعي ورواد الملاعب في المجر، فيمكن الاستشهاد بالقول الإنجليزي الشهير «وراء الأمر أكثر مما تقابله العين»، لأن صيحات الاستنكار والإدانة (وإن لم تتخذ طابعاً عنصرياً) أيضاً كانت من نصيب الفريق القومي الإنجليزي عدة مرات من المشجعين الإنجليز أنفسهم عند الركوع على ركبة واحدة تضامناً مع حركة السود قبل بدء المباريات. وهذا ما ينقلنا للحدث الآخر؛ هو إطلاق مجموعة من الأكاديميين، معظمهم من المؤرخين، قبل أسبوع، موقعاً جديداً على الإنترنت اسمه «استعادة التاريخ». والمجموعة من أفراد، من الجنسين، متفرقين ما بين عدة جامعات بريطانية عريقة يستفيدون من الحرية التي وفرها فضاء الإنترنت وثورة المعلومات غير المسبوقة. إطلاق الموقع كان رد الفعل لحركة تسود الجامعات البريطانية والساحة الثقافية فيها تتزعمها التيارات والحركات الليبرالية اليسارية، وهي أقلية بسيطة تسيطر على المشهد الثقافي ونشاطات الفنون ووسائل التعبير. وقبل إطلاق الأكاديميين لموقع «استعادة التاريخ» كنا، مجموعة صحافيين بريطانيين هنا، أسسنا بالتبرعات الخاصة «اتحاد الكلمة الحرة»، بعد أن منع معظمنا من النشر والتعبير في الوسائل الصحافية - بشكل غير رسمي طبعاً، ولكن بتجاهلنا وعدم استدعائنا للتعليق أو تكليفنا بالنشر، خصوصاً أن معظمنا من جيل أكبر سناً لا نعمل في وظائف ثابتة في المؤسسات الصحافية. بالنسبة للأكاديميين يقاومون ما يعرف بما اجتهدت في تسميته «اللامنبرة» (non – platforming)، أي الحرمان من منبر التعبير. وقد تعاظمت الظاهرة في العامين الأخيرين، حيث يتظاهر الطلاب وشباب الأكاديميين ويسحبون دعوة كانت قد صدرت لأديب أو باحثة في التاريخ أو فيلسوف لإلقاء محاضرة في إحدى الجامعات، ويقررون «لا منبرته»، وترضخ إدارة الجامعة لابتزاز المحتجين، خصوصاً عندما يلوحون بتهم العنصرية، أو أن جده الأكبر استفاد من تجارة الرق في القرن السابع عشر، أو أنه أثناء دراسته الثانوية قبل نصف قرن ألقى بنكتة اعتبرتها النسويات «مسيوجنية» (مهينة للمرأة). ولتقريب الأمر من ذهن القارئ، فإنها تشبه اتهامات تكفير الخصوم في بعض الدول الإسلامية عندما يتعذر على المتشددين آيديولوجياً مواجهة النقد بالأدلة العلمية والحجة والمنطق.
أما العلاقة بين «استعادة التاريخ»، و«اتحاد حرية الكلمة» في ناحية، والتصفير ضد فريق الكرة الإنجليزي عند الركوع على الركبة، فهي رد الفعل من الأغلبية الصامتة التي ضاقت ذرعاً بتغيير أنماط حياتها استجابة لابتزاز وضوضاء الأقلية العالية الصوت.
المجموعة الأكاديمية لاستعادة التاريخ مثلاً لا تقتصر على نشر الأبحاث والأوراق العلمية التي تعرضت إلى «اللامنبرة» فحسب، بل أيضاً تعيد تصحيح المعلومات المضللة التي يروجها اليسار الجديد (والتي أدت إلى إزالة تماثيل كثير من عظماء التاريخ الذين أسسوا هذه الجامعات)، وهو المقصود باستعادة التاريخ الذي سرقته الحركة الراديكالية.
أصل الركوع على ركبة واحدة استلهم من صور الأرقاء؛ أول من وظفها رمزياً داعية المساواة والمقاومة السلمية الأميركي الراحل الراعي مارتن لوثر كينغ (1929 - 1968)، أثناء مسيرة قادها في 1965، وركع على الركبة أثناء صلاة جماعية للسلام والمساواة. الإشارة بركعة الركبة الرمزية كانت نبيلة في البداية، لكن في العامين الأخيرين استغلتها الحركات الماركسية المتطرفة التي تتسربل بعباءة «أرواح السود تهم»، وغرضها الحقيقي تدمير الهوية الثقافية «للغرب»، بإعادة كتابة التاريخ، لدرجة أن كثيراً من المشاهير والرياضيين السود قرروا الإقلاع عنها، لأنها تحمل «أكثر مما تقابله العين» من أهداف مشبوهة لم تجل بخاطر الراحل لوثر كينغ.
وما نقصده بالغرب هو مفهوم ثقافي حضاري تاريخي يتجاوز التعريف السياسي أو الجغرافي، فأستراليا ونيوزيلندا في الجنوب الشرقي لخريطة العالم، لكنهما «الغرب». وبينما كان العالم انقسم، ثقافياً، في سبعينات وثمانينات القرن الماضي إلى الشمال والجنوب، ولم يكن جغرافياً بقدر ما كان اقتصادياً وحضارياً وصناعياً، فإنه اليوم، وما بعد العولمة، ينقسم إلى «الغرب» وبقية العالم. والغرب تعبير مفهومي اعتباري يمثل تراكمات الإنجازات الإنسانية من عصور النهضة والتنوير والعقل، وفلسفة التعليم بنظرية المعرفة، والعلمانية، ومفاهيم حقوق الإنسان، وحرية التعبير والنشر، وتحرير المرأة، والمساواة الجنسية والعرقية، والمواطنة واستقلال المستعمرات.
وهناك بلدان تراجعت حضارياً وتصنف كعالم ثالث كانت فيها نخب ومؤسسات انتمت ثقافياً إلى «الغرب» في القرنين التاسع عشر والعشرين، بينما بلدان أوروبية تتراجع فيها الحريات التي ناضلت من أجلها الأجيال، بمحاولة تزييف التاريخ. كتابي الأخير مثلاً عن تاريخ الإسكندرية تعطل صدوره لعدة أسباب، أحدها إغلاق وباء «كوفيد»، والآخر المحرر الشاب الذي كلفته دار النشر بالتدقيق والمتابعة، ورغم دقته المتناهية ومهارته الأدبية، إلا أنه من التيار اليساري، أراد مني إعادة صياغة عبارات «outdated» (موضة قديمة) قد تجرح مشاعر الجماعات الليبرالية التي ستدعو إلى «لا منبرتي» في الأوساط الأدبية، رغم أن الكتاب عن تاريخ الإسكندرية ما بين الحرب العالمية الثانية وعام 1960. ونظر المحرر خريج كمبريدج إليّ ببلاهة وأنا أسأله: هل أضيف كيف كلف الملك فاروق، النحاس باشا، بتأليف وزارة «بيتكسيت» بالتليفون؟ وكيف تفقد تشرشل الجيش الثامن قبل معركة العلمين بسيارة «هيبريد كهربية» لمقاومة التغيير المناخي؟


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو